الشريعة الإسلامية

الشريعة الإسلامية

نشأتها, محتواها والمذاهب الأربعة

الذي يريد أن يدرس الشريعة الإسلامية عليه أن يكون مستعداً لفهم مفاهيم مثل الشريعة, والشرعي, والحلال والحرام كما تستعمل في العالم الإسلامي. إن الشريعة الإسلامية تغطي على جميع مجالات الحياة كمنهاج حقوقي, ولكنها لم تُطبَّق حتى الآن في العالم الإسلامي إلا بشكل جزئي. إذاً نعني بالشريعة نظاماً حقوقياً يعالج ما يمتّ للحياة الإنسانية بصلة, من تنظيف الأسنان إلى أحكام الصلاة. وهذا النظام القانوني هو الذي يحلم به كثيرون.

إن الشريعة تعني في اللغة الطريق إلى مورد الماء . وهي الطريق الواضح الذي يجب سلوكه, والذي يجب على المؤمنين أن يتبعوه. أما كمصطلح فالقانون المعترف به في الإسلام وهو جملة أحكام الله. إن الإسلام يختلف عن المسيحية اختلافاً كاملاً بكونه دين شريعة تريد أن تسيطر على حياة البشر وتراقبها. فهي قانون ودستور للدولة, والمرجع الوحيد في القضايا الدينية للفرد, وقاضٍ إلهي للأمة.

رغم أن الشريعة تتناول أيضاً المواضيع الأخلاقية, إلا أنها ليست نظاماً قانونياً يبحث عن الأسباب والدوافع الذاتية, بل تسجل وتملي العلاقات الظاهرية والواجبات تجاه الله والفرد. إن تقييم الأعمال فقط يعتبر من أهم مبادئ الشريعة الإسلامية. وأما النية التي تطلب في أغلب الواجبات الدينية, فهي لا تهم الشرع الإسلامي الذي يطالب الأمة بالقيام بالواجب والامتناع عن الحرام.

إن الإسلام دين يحيط بالحياة اليومية للمرء, سواء تعلق الأمر بالواجبات الدينية أو الأمور الدنيوية. فالشريعة إذاً هي العنصر الجوهري لدين كهذا! إنها دستور الله الذي \يُبنَى على الكتاب الموحى به من لدنه. أما الكتاب الذي أوحى به الله نفسه فليس بمقدور الذهن البشري تحليله أو التسرب في أعماقه.

إن قبول القرآن والاعتراف بالشريعة لا يتطلب تفكيراً جدلياً. بل يجب على المرء التسليم بها بدون تردد وتوقف, رغم ما يبدو هنالك من تناقضات. إن عجز العقل البشري عن فهم تلك التناقضات دليل على مصدرها الإلهي. فالشريعة باختصار هي المصطلح الأكثر إحاطة, الذي قُصد به منذ البداية أن يكون نظاماً يحكم حياة الفرد. وهنا تختلف الشريعة عن السنّة النبوية التي يجب أن تُتَّبع هي الأخرى. إلا أن العلماء يقولون إن للأحاديث مصدراً بشرياً بينما القرآن مصدره إلهي فقط. إن السنة تهدي المسلم إلى سلوك يُرضي الله وينال به شفاعة نبيّه. إلا أن النبي نفسه يبقى إنساناً عليه اتباع الشريعة مثل أي إنسان.

- اتبع ما يوحى إليك من ربك (الأحزاب 2).

- ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون (الجاثية 18).

- اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون (الأعراف 30).

- أما الشارع فهو الله نفسه: شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحاً والذي أوحينا إليك .. (الشورى 13).

 

نريد أن ندرس موضوع الشريعة تحت الأبواب التالية:

1- مصادر الشريعة

2- بنية الشريعة ومحتواها

3- تقييم الأعمال وأهداف الشريعة أو المصالح

4- المذاهب الأربعة وحركات الإصلاح الحديثة في العالم الإسلامي


 

1- مصادر الشريعة

إن الفقه الإسلامي مؤسس على أربعة أعمدة, توجد بجانبها مقاييس أخرى نراها فيما بعد.

إن أهم مصدر للتشريع الإسلامي هو القرآن الذي يطبع المراجع الثلاثة الباقية بطابعه. هذه المراجع أو المصادر الثلاثة هي حسب الأهمية:

1- السنّة.

2- الإجماع: اتفاق أكثرية العلماء الموثوق بهم في عهد معين.

3- القياس: استنباط الحكم بالاعتماد على ما صدر في قضية شبيهه.

أولاً الكتاب: إن القرآن عند الفقهاء والمتكلمين كتاب أُوحي به وأملي من قِبلالله, ويجيب عن كل سؤال سواء كان يتعلق بأمور العقيدة أو الحياة اليومية للمسلم. ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (النمل 89). ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يُحشَرون (الأنعام 38). إن الفقهاء يفسرون معنى القرآن ب كلام الله الذي أُنزل على محمد بن عبد الله ونُقل إلينا من الرواة الثقاة بالتواتر دون تحريف ولا تصحيف, ويبدأ بالفاتحة وينتهي بسورة الناس. يروى أن الحكمة في عدم نزول القرآن دفعة واحدة كون الرسول أميناً. وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة. كذلك لنثبت به فؤادك وتقول عائشة: إن أول ما نزل من القرآن على الجنة والنار. وبعد أن ثبَّت الله أفئدة المؤمنين فصل الله الحرام من الحلال. ولو حرم الله الخمر بادئ بدء لما امتنع الناس عن شربها .

إن لأغلب الآيات ما يُسمَّى بسبب النزول (أسباب النزول). أي أن تلك الآيات نزلت بمناسبة حادث حدث أو سؤال وُجّه. وهناك أعمال عديدة بشأن هذا الموضوع تحت عنوان أسباب النزول .

القرآن يتكون من 114 سورة مرتَّبة حسب طول السور, وعدد آياتها 6200 آية. إنالمدة التي تلقى محمد خلالها الوحي من الله استغرقت عشرين سنة. بما أن السور تعالج عادة مواضيع لها علاقة وثيقة بأحداث زمنية معينة, قسمت آي القرآن إلى آيات مكية وآيات مدنية. إن القسم الأول كما يُفهم من عنوانه: يحتوي على ما نزل أثناء وجود محمد في مكة. وأمّا القسم الثاني فنعني به الآيات التي تلقاها محمد بعد الهجرة إلى المدينة. إن نسبة الآيات المدنية التي تعالج قضايا فقهية 80 % من بين مجموع الآيات الفقهية. (حوالي 500 آية).

إن مبدأ هاماً يجب الانتباه إليه في فهم القرآن وتطبيق آياته وهو النسخ. يقول الفقهاء بالإجماع إن القرآن ينسخ بعضه بعضاً أي يلغي حكمه. هذا الحقل في الفقه الإسلامي لا يخلو من الإشكالات والتناقضات. أما المشكلة الأساسية فهي تعيين الآيات المنسوخة.

2- السنّة

إن السنة في اللغة الطريق الذي يجب اتباعه أو نمط حياة أو معاملة. أما في المصطلح فهي ما أُثر عن النبي من قول وفعل وإقرار, أو هي فعله وقوله وتقريره. والأخذ بالسنّة يمكن أن يُقال له بوجه من الوجوه: التقليد المحمدي. فقط أقلية ضئيلة في الأمة الإسلامية تجرأت على رفض السنة كمرجع ديني. إنّ ما يميز القرآن (المرجع الأول للشريعة) من المرجع الثاني (السنة) هو أن السنّة لا يجوز أن تُراجع في الفقه ما دام القرآن يحوي الحكم.

إن السنة القولية (أقوال محمد المروية إلينا) تتفاوت درجة صحتها حسب كيفية الرواية والرواة. لأن أغلبها رُويت عن محمد شفوياً ولم تقيَّد إلاّ في الجيل الثالث بعد محمد. عدد الصحابة الذين أكثروا من نقل أقوال النبي سبعة, وهم يُدعون المكثارون أهمهم أبو هريرة الذي روى عن محمد مما يقارب 5400 حديثاً. وللسنة في المسائل الفقهية أهمية كبرى لأن القرآن لا يمكنه حل المشكلات الفقهية لاختصاره الشديد, فتلعب السنة دور المتمم له.

3- القياس

إن القياس (شأنه شأن الاجتهاد) استنباط حكم في مسألة فقهية بشرح وتأويل المصادر. ويُقصد بالقياس في الفقه تطبيق حكم لمسألة سابقة على مسألة حديثة لها علة شبيهة بالأولى, أو هو نقل حكم الأصل إلى الفرع. أما مراجعة القياس فتتم فقط إذا عجز الفقهاء عن حل المسألة بواسطة النص (أي القرآن والسنة) لأن المبدأ الفقهي يمنع أي تأمل نظري إن كان القرآن أو الحديث قد قضى بالحكم. لهذا السبب نرى أن مجال التطبيق للقياس لا يحيط بالقانون الجنائي أو كتاب الحد, لأن الحدود تحتاج إلى دليل قطعي بينما القياس يعتبر دليلاً ظنياً.

بدأ المسلمون بعد وفاة محمد بحملة الفتوحات فاختلطوا بثقافات أجنبية, ما وسع آفاق التفكير لدى العرب. إن المسائل التي طرأت من جراء هذا التحول التاريخي جعلت وجود مبدأ جديد ضرورياً: الاجتهاد, وهو مصدر مشروع ما دام يخدم مصلحة الدين ولم يبتعد عن أهداف الشرع الشريف. أما في اللغة فهو بذل الجهد. أما في المصطلح فهو أن يبذل الفقيه الذي توفرت لديه الشروط اللازمة جهداً من أجل استنباط حكم شرعي عن مبادئ القرآن الأساسية, مما يعني أن هذا المرجع المشروع للفقه مؤسس على العقل ويعكس رأي الفقيه نفسه. إن معظم المسلمين يذهبون اليوم إلى أن باب الاجتهاد منذ القرن الثالث عشر أو الرابع عشر مسدود لعدم وجود فقهاء قادرين على ذلك.

4- الاجماع:

الإجماع في الفقه هو اتفاق الفقهاء على شرعية حكم معين في زمن واحد. يجوز أن يتم الإجماع قولاً أو تقريراً (الإجماع السكوتي). إن سكوت الفقهاء الآخرين على إجماع معروف في كل مكان يُعتبر قبولاً واعترافاً بالقضاء. أول ما أجمع عليه فقهاء الأمة هو خلافة أبي بكر! حاول الفقهاء الإتيان بحجج من الحديث تعليلاً لِجواز استعماله في القضايا الفقهية, منها: لا تجتمع أمتي على ضلالة (ابن ماجه) فما رأى المسلمون حسناً فهو حسن عند الله (مسند أحمد بن حنبل).

إلى الآن درسنا المصادر الأربعة الأصلية التي تُدعى في المصطلح الأدلة الأصلية . ما عدا المراجع الأربعة هذه توجد الأدلة الفرعية التي يصل عددها عند بعض الفقهاء إلى 17 . أهم تلك المراجع الفرعية العُرف والعادة في البلدان المفتوحة. إنها جعلت الشريعة طوال التاريخ ذات مرونة, وساهمت في نفس الوقت في ترخيص وتثبيت عناصر محلية للبلدان المفتوحة ضمن الشريعة الإسلامية. إن تلك العادات والأعراف لا تتوافق أحياناً والشرع الإسلامي بغنىً عن الذكر. يقول الأحناف إن ما يحله العرف حلال في الشرع! يرى الفقهاء أنه من واجب العلماء النظر في العادات الطارئة والأعراف الجديدة واتخاذ موقف منها حسب المكان والعقلية!

حتى الآن تناولنا مصادر الشريعة, ولكن كما يتضح من المرجع الثالث والرابع أن الشريعة قائمة فقهية (قانونية) لها تقليد عريق. إنها دُعيت في عهدها الأول علم الكتاب مما يدل على أن المسلمين لم يعتمدوا في المسائل الفقهية إلا على القرآن. ومن هنا فإن كلمة الفقه لم تكن تعني حينذاك سوى فهم أو فقه الكتاب. فالفقه إذاً علم الإسلام . ومن أجل ذلك يجب على طالب كلية الشريعة أن يدرس الفقه دراسة وافية. أما في المصطح فالفقه هو معرفة الأحكام العملية المقررة في الشرع بأصولها (أو بأدلتها). والعلم الذي يعالج طريقة استنباط الأحكام من الأصول الأصلية والفرعية يسمى أصول الفقه.

يقول الباحثون المسلمون إن الفقه مرَّ بخمس مراحل في تاريخه:

1- عهد الوحي: اعتمد التشريع في هذا العهد على الكتاب والسنّة.

2- عهد الصحابة: بدأ المسلمون يعتبرون اجماع وأداء الصحابة مصادر للشريعة. تم جمع القرآن وحاول البعض تحرير أقوال النبي.

3- عهد التابعين: لوحظت الخلافات الأولى بين المسلمين وتأثيرات قوية لعادات البلدان المفتوحة على الشريعة مما أدى إلى ظهور الاجتهاد كمرجع تشريعي, وازدهار أحاديث موضوعة.

4- أما العهد ما بين 718 و960 بعد المسيح فيدعى عهد الأئمة والمجتهدين الكبار. هؤلاء اهتموا بتفسير القرآن ووجوه قراءته. وتم تحرير ما رُوي عن محمد ونُسب إليه وطورت أصول الفقه وأساليب الاجتهاد. نشاهد في هذا العهد خلافات عميقة وآراء متضاربة بين الفقهاء في المسائل الفرعية والتي يمكن تفسيرها كظاهرة رافقت تأسيس المذاهب الفقهية. أهم الكتب للفقه الإسلامي أُلِّفت في هذا العهد.

5- العهد الأخير: يدعى أيضاً عهد الجمود. كل بلد كان مهتماً بحل مشاكله. وشرح ما ألَّفه السابقون كان شغل الفقهاء الشاغل. كان الفقه الإسلامي منذ عدة قرون جامداً وبعيداً عن قضايا العصر الحديث. إلا أننا يمكن أن نتحدث عن يقظة إسلامية في هذا المجال أيضاً منذ الخمسينات لهذا القرن.


 

2- بنية الشريعة ومحتواها

بالرغم من وجود عناصر دخيلة من مختلف أنظمة الحقوق, بإمكاننا أن نصف الشريعة كنظام حقوق إسلامي. إن ما يميز الفقه الإسلامي من الحقوق الرومانية والفكرة الأوربية للحقوق هو أن يحتوي الفقه الإسلامي وصايا دينية مفصلة مثل تعيين أوقات الصلاة وطريقة الوضوء وعواقب التقصير في تلك الواجبات, مما لا يمكن تصوُّره في الحقوق الرومانية. ولكن هنا نرى القرابة الوثيقة بين الشريعة والدستور اليهودي التقليدي. إن الشريعة تلزم المسلم بواجبات فقهية وعبادية وأخلاقية في نفس الوقت.

يتناول أبو حنيفة (767-699) قضايا الفقه في ثلاثة أصناف: الفقه العقائدي والفقه العملي (فقه المعاملات) والفقه المعنوي. هذا أول رسم لبناء الفقه الذي بناه الفقهاء فيما بعد أمثال الشافعي والإمام مالك إلى أن أخذ شكله النهائي. فهو يتكون حسب طوره الأخير من خمسة أقسام:

1- الاعتقادات

2- الأخلاق

3- العبادات

4- المعاملات

5- العقوبات

إن القسم الأول والثاني أي الاعتقادات والأخلاق صارا مع الوقت فرعين مستقلين. فنرى الاعتقادات ضمن الكلام, والأخلاق فرعاً للفلسفة الإسلامية. غير أنه من الصعب جداً تحديد حدود واضحة تفصل هذه الأقسام بعضها عن بعض. خلافاً لما نراه في المصادر الأولى. توصف الشريعة في القرون الثلاثة الأخيرة كقانون مكوَّن من ثلاثة أقسام: العبادات والمعاملات والعقوبات. أما العبادات فتتشكل مما يسمى بأعمدة الإسلام الخمسة: الصلاة والزكاة والصوم والحج والشهادة. عدد كبير من أهل السنة يعدون الجهاد أيضاً ضمن هذه الأعمدة .

أما القسم الثاني أي المعاملات فيحوي كتاب العقود وكتاب النكاح وكتاب الفرائض وكتاب الوصايا وكتاب السير وكتاب البيوع. وكتاب العبيد أيضاً كان موضوع الفقه الإسلامي سابقاً.

أما الحقل الأخير (العقوبات) فيتناول في كتاب الحدود وتقرير الأحكام المتعلقة بالجنايات والجرائم. إن القياس حد السرقة والزنا والقذف وأحكام المرتد هي أهم المواضيع التي تهم كتاب العقوبات.

الواجبات العبادية: نريد أن ندرس هذا القسم بشكل مفصَّل, لأن قبول الإسلام يتوقف عليه:

1- الشهادة: يتم الإقرار بالإسلام بتكرار الشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله .

2- الصلاة: هي الصلاة المفروضة التي تؤدَّى في أوقاتها الخمسة.

3- الزكاة: هي تبرع المسلم من ربحه السنوي الصافي وتشكل اثنين ونصف بالمائة يقول الفقهاء إن الزكاة تزيد ثروة المرء وتزكيه.

4- الصوم: هو إمساك المسلم طوال شهر رمضان (الشهر التاسع للعام الهلالي الإسلامي) من الشرب والطعام والعلاقة الجنسية وقت النهار (ما دامت الشمس تشرق).

5- الحج: كل مسلم مكلَّف بحج البيت مرة في حياته إذا مكّنه وضعُه الاقتصادي من ذلك. على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً (آل عمران 97).

إن مسلماً تخلى عن أداء الواجبات الأساسية الوارد ذكرها أعلاه يبقى مسلماً, ما لم ينكر ما أقر به في شهادته. فهو في هذه الحالة ليس بمؤمن. أما الذي ينكر وجود تلك الواجبات أو يستخف بها فيعتبر تارك الإسلام

 

الزواج في الإسلام

لكي نتبين من ملامح الشريعة أكثر, أريد أن أنقل إليكم ما يكتب الإمام عبد الله الموصلى في مؤلفه الاختيار لتعليل المختار . إن المثال الأول من كتاب النكاح, والثاني من كتاب الديات , والأخير من كتاب الجهاد . هنا نص المختار عن كتاب النكاح:

النكاح حالة الاعتدال سنة مؤكدة مرغوبة, وحالة التوَّقان واجب, وحالة الخوف من الجور مكروه, وركنه الإيجاب والقبول. وينعقد بلفظين ماضيين أو بلفظ أحدهما ماضٍ والآخر مستقبل. كقوله: زوّجني, فيقول:زوَّجتك . وينعقد بلفظ النكاح والتزويج والهبة والصدقة والتمليك والبيع والشراء, ولا ينعقد نكاح المسلمين إلا بحضور رجلين أو رجل وامرأتين, ولا بد في الشهود من صفة الحرية والإسلام, ولا تُشترط العدالة. وينعقد بشهادة العميان, وإذا تزوج مسلم ذمية بشهادة ذميين جاز, ولا يظهر عند جحوده. ومن جمع امرأتين إحداهما لا يحل له نكاحها صح نكاح الأخرى, ويجوز أن يتزوج المحرم حالة الإحرام, ونكاح المتعة والنكاح المؤقت باطل.

ولا إجبار على البكر البالغة في النكاح, والسنَّة للولي أن يستأمر البكر قبل النكاح, ويذكر لها الزوج فيقول: إن فلاناً يخطبك أو يذكرك, فإذا سكتت فقد رضيت. ولو ضحكت فهو إذن, ولو بكت إن كان بغير صوت فهو رضاً. ولو استأذنها غير الولي فلا بد من القول, وإذْن الثَّيِّب بالقول, وينبغي أن يُذكر لها الزوج بما تعرفه, ويجوز للولي إنكاح الصغير والصغيرة والمجنونة, ثم إن كان المُزوِّج أباً أو جداً فلا خيار لهما بعد البلوغ, وإن زوَّجهما غيرهما فلهما الخيار. والكفاءة تعتبر في النكاح وتعتبر في النسب. وفي الدين والتقوى, وفي الصنائع, وفي الحرية, وفي المال, ومن له أب في الإسلام أو الحرية لا يُكافئ من له أبوان, والأبوان والأكثر سواء. وإذا تزوجت غير كفءٍ فللولي أن يفرق بينهما, فإن قبض الولي المهر أو جهَّز به أو طالب بالنفقة فقد رضي, وإن سكت لا يكون رضاً, وإن رضي أحد الأولياء فليس لغيره ممن هو في درجته أو أسفل منه الاعتراض, وإن كان أقرب منه فله ذلك. والإذن في العزل لمولى الأمة, وإذا تزوج عبد أو أَمَة بغير إذن المولى ثم أُعتقا نفذ النكاح, ولا خيار للأَمَة.

تزوَّج ذميٌّ ذميةً على أن لا مهر لها أو على ميتة وذلك عندهم جائز - جاز ولا مهر لها. وإن تزوجها بغير شهود أو في عدة كافر آخر جاز إن دانوه, ولو أسلما أُقرّا عليه, ولو تزوجها على خمر أو خنزير ثم أسلما أو أحدهما فلها ذلك إن كانا عينين, وإلا فقيمة الخمر ومهر المثل في الخنزير. وإذا أسلم المجوسي فُرِّق بينه وبين من تزوج من محارمه, ولا يجوز نكاح المرتد والمرتدة, والولد يتبع خير الأبوين ديناً, والكتابي خير من المجوسي, وإذا أسلمت امرأة الكافر عُرض عليه الإسلام: فإن أسلم فهي امرأته, وإلا فُرّق بينهما, وتكون الفرقة طلاقاً. وإن أسلم زوج المجوسية: فإن أسلمت, وإلا فُرّق بينهما بغير طلاق, وإن كان الإسلام في دار الحرب تتوقف البينونة في المسألتين على ثلاث حيض قبل إسلام الآخر, وإذا خرج أحد الزوجين إلينا مسلماً وقعت البينونة بينهما, وكذا إن سُبي أحدهما ولو سُبيا معاً لم تقع, وإذا خرجت المرأة إلينا مهاجرة لا عدة عليها, وإذا ارتد أحد الزوجين وقعت الفُرقة بغير طلاق, ثم إن كان المرتد الزوجة بعد الدخول فلها المهر, وقبله لا شيء لها ولا نفقة, وإن كان الزوج فالكل بعده, والنصف قبله, وإن ارتدا معاً ثم أسلما معاً فهما على نكاحهما.

أما عن عقوبة الزنا فيقول الإمام: إن كان الزاني مُحْصَناً يرجم حتى الموت. ويساق إلى ساحة عرصاء. يبدأ بالرجم الشهود, ثم الإمام, ثم الناس. إن ثبت الزنا بالإقرار بشهادة الشهود بدأ الإمامُ الفاجرَ لا يرجم بل يجلد الفاجر الحر مائة جلدة والعبد خمسين, لا يجلد الرأس ولا الوجه ولا العورات ولا يُركز على موضع دون أخر ولا تُجلد المقاتل من البدن.

يساق الزاني إلى عرصاء ويُجلد أولاً. ينزع من الرجل قميصه والمرأة ثيابها الغليظة كيلا تخفف عنها الوجع. يُجلد الرجل قائماً والمرأة في القعود. لا يُجلد المتزوجون. يجوز أن يُحفر لها إلى البطن كيلا تنكشف عوراتها وهي تهم بالفرار. تنفى الفاجرة من الموضع.

 

كتاب الطلاق

الطلاق ثلاث: الأفضل والحسن والقبيح. إذا طلق الرجل امرأته وهو لم يطأها فهو الأفضل. والحسن أن يمتنع عنها مدة ثلاثة حيض متتالية. من طلقها زوجها أثناء الحيض, يتزوجها على أن يطلقها بعد نهايتها. إذا قال الرجل لامرأته التي وطأها: طلقتك ثلاثاً فكأنها طُلقت ثلاثاً لكل حيض. يكفي أن يقول للأَمَة مرتين. والطلاق نوعان: الأول أن يقول لها: أنت مطلقة, أو طلقتك. والثاني طلقتك حقاً, أو أنت مطلقة البتة. له الرجعة في الأولى ولا رجعة في الثاني. إن قال لها: أنت مطلقة من هنا إلى دمشق فله الرجعة. لا رجعة له إذا قال أنت مطلقة في مكة. له أن يجامعها بعد العِدة الأولى والثانية دون موافقتها.

 

كتاب الديات:

وفي النفس الدية, وكذلك في الأنف والذكر والحَشفَة والعقل والشم والذوق السمع والبصر واللسان وبعضه إذا مُنع الكلام والصُّلب إذا مُنع الجِماع أو انقطع ماؤه أو أحدودب, وكذا إذا أفضاها فلم تستمسك البول, ومن قطع يد رجل خطأ ثم قتله قبل البُرء خطأ, ففيه ديّة واحدة. وما في البدن اثنان ففيهما الدية, وفي أحدهما نصف الدية, وما فيه أربعة ففي أحدها ربع الدية, وفي كل أصبع عُشر الدية وتقسم على مفاصلها, والكف تبع للأصابع, وفي كل سنٍّ نصف عُشر الدية, فإن قلعها فنبتت أخرى مكانها سقط الأَرْش. وفي شعر الرأس إذا حلق فلم ينبت الدية, وكذلك اللحية والحاجبان والأهداب, وفي اليد إذا شُلّت والعين إذا ذهب ضوؤها الدية, وفي الشارب ولحية الكوْسَج وثدي الرجل, وذَكَر الخصِيّ والعينين, ولسان الأخرس واليد الشلاّء, والعين العوراء, والرجل العرجاء, والسنّ السوداء, والأصبع الزائدة, وعين الصبي ولسانه وذَكَره إذا لم تُعلَم صحّته حكومةُ عَدْل, وإذا قُطع اليد من نصف الساعد ففي الكف نصف الدية, وفي الزائد حكومة عدل, ومن قطع أصبعاً فشلّت أخرى, أو قَطَعَ يدَه اليمنى فشَلَّت اليسرى فلا قصاص.

 

من كتاب السير:

الجهاد فرض عين عند الضرورة وفرض كفاية في السلم. قتال الكافرين فرض على كل رجل حر وبالغ وعاقل. إذا اعتدى العدو فهو فرض عين, لا العبد يحتاج إلى إذن سيده ولا المرأة رخصة رجلها. إن كان بجيش المسلمين ضعف, يجوز الجُعْل. وإذا حوصر موضع للكافرين من المسلمين يُدعَوْن إلى الإسلام. إذا أسلموا يُوقف قتالهم. وإذا أبوا فدَفْع الجزية لأهل الكتاب, وإن كانوا ممن أشركوا بالله فإما الإسلام أو القتل. لا يجوز للمسلمين التمثيل بالأعداء ولا قتل المجانين والنساء والأطفال والعمي والشيوخ ولا المقطوعة اليد اليمنى وإن حاربوا يُقتَلون! لا تجوز مصالحة الكافرين إن كان المسلمون قادرين على قتالهم. إن لم يكن لهم القدرة على قتال الأعداء فلهم عقد الموادعة.


 

3- تقييم الأوامر والنواهي

إن الواجبات التي تكلف الشريعة المسلم بها يختلف بعضها عن بعض من حيث الأهمية, مما يدلنا على أن الإسلام ينظر إلى الخطيئة كجريمة لها أنواع عديدة وعواقب مختلفة. أريد أن أذكر ما أجمع عليه الأحناف من الأوامر والنواهي وهي ثمانية:

1- الفرض: وهو المنصوص عليه بدليل قطعي في القرآن ودليل ظني في السنة, وهو اللازم قطعاً, مثل الصلوات والمفروضة.

2- الواجب: إن تقريره في أصول الشريعة ليس بواضح, نعني به الأوامر الغامضة في القرآن والسنة. القيام به يأتي بالجزاء ويعذب تاركه. أذا أنكر الشخص الفرض, يعتبر كافراً. أما منكر الواجب فهو مسلم مذنب.

4- السنة: نقصد بها عادة الأمور العبادية التي أتى بها محمد دون أمر من الله, أداها مثل الركعات الأولى لصلاة الظهر والمغرب. من أداها ينال شفاعة النبي يوم القيامة حسب بعض الفقهاء!

5- المستحب: نعني به واجبات قام بها محمد حيناً وأهملها حيناً آخر.

6- المباح: الأعمال التي لا يأتي القيام بها بمكافئة ولا التقصير فيها بعذاب.

7- المكروه: الأعمال التي لا يمكن تحريمها في الكتاب والسنة بشكل واضح لوجود أدلة تفيد حلها. الامتناع عن مثل تلك الأعمال مستحب.

8- الحرام: وهو ضد الفرض والحلال. كل ما منعت الشريعة بدليل قطعي (من القرآن) من عمل أو أكل أو شرب حرام. إذا اقترف المسلم الملتزم بأحكام الشريعة حراماً ما يبقى مسلماً ما لم ينكر قباحة ما ارتكبه.

المصالح

والآن أريد أن أتحدث بطرف من مصالح الشريعة أو أهدافها.

كما قلت سابقا, يعتمد الفقه أثناء التشريع على مبادئ معينة. هناك خمسة مبادئ لدى السنة والشيعة وهذه المبادئ يجب أن تحقق من قبل الشريعة. انها:

1- تأمين المصلحة: وهو الإقرار بالمصلحة ودفع المضرّة. لا ينبغي إهمال النظر في مصلحة الفرد والأمة, ومن الحرام أن يردع الضرر بما يؤدي إلى أعظمه.

2- توزيع العدل: شرعت الواجبات لتحقيق العدل فقط. والعدل هو أساس الملك. والله يأمر بالعدل (النحل 90). يجب إعادة الحق إلى صاحبه. إن كلمة العدل ترد في القرآن 20 مرة فقط, بينما يرد الظلم 299 مرة.

3- عدم الحرج: ليست التكاليف في الإسلام متعذرة على المسلم. غير أن التعذر كما يقول الفقهاء هو ما يجعل العيش شبه مستحيل.

4- تقليل التكاليف: يقول الفقهاء يجب أن تكون التكاليف في الإسلام حسب طاقة المكلَّف, فلا يُطلب منه على سبيل المثال إلاّ اثنين ونصف بالمائة من ربحه السنوي الصافي كزكاة. وكل شيء لم يحرمه الشرع حلال!

5- رعاية التدرج: إنه من نعمة الله علينا أن يمرننا على التكاليف. فلم يحرم الله الخمر مثلاً دفعة واحدة, بل عَبْر ثلاث مراحل لكي لا يصعب على المؤمنين تركها. يقول على بن أبي طالب: لو حُرّمت الخمر في البدء لما امتنعنا عن شربها .

والغاية من هذه المصالح هو تحقيق الأهداف التالية:

1- حفظ النفس

2- حفظ المال

3- حفظ الدين

4- حفظ العقل

5- حفظ النسل

علينا ألا ننسى ما لهذه الأهداف من أهمية, فإن الأوامر والنواهي كلها يمكن تبريرها من خلالها. وهي تُشبَّه بجهاز لا يقدم فقط الأمر والنهي, بل يؤهل الفرد أيضاً لإصدار حكم في قضية ما. ومن هنا يجب أن يُمنع أي نشاط تبشيري في البلدان الإسلامية إذ يُخِلُّ التبشير بهذه الأهداف كلها. فهو يسمّم النفس, ويمهد للاستعمار الطريق, ويسلب المسلمين أموالهم, ويهتك بالدين ومقدساته, ويصيب المسلمين بالشلل الروحي والجنون بواسطة أفكار غريبة ويملي عليهم بحد النسل.

إذاً الهدف الأخير للشريعة حفظ الأمة ونشر الإسلام الذي يؤدي في النهاية إلى تأسيس ملكوت الله في الأرض كما يفهمه المسلم.


 

4- المذاهب الأربعة

لقد تطور الفقه الإسلامي في أواسط القرن الثامن ونضج, حيث كان من المحتم أن يتوزع بين مذاهب مختلفة. لم يبق من الفرق العديدة والنزعات المتنوعة التي ظهرت حينذاك إلا أربعة مذاهب سنية ومدرسة شيعية. كما رأينا سابقاً أن أهم الأعمال الفقهية للشريعة أُلِّفت في هذه الحقبة الزمنية. كل ماكتب وأضاف علماء الشريعة فيما بعد كان عبارة عن الشروح والحواشي. كان لكل مدينة آنذاك فقهاؤها ومتكلموها, فنقرأ مثلاً عن فقهاء البصرة أو علماء الكوفة. هذا يفيد أيضاً أن الخلافات الطارئة لم تنشأ فقط لفروق حضارية أو عرقية. إن حديثاً ينسب إلى محمد مفاده: اختلاف أمتي رحمة ساهم في إراحة الضمير دون شك. إن الصعوبات في فهم وتأويل بعض الآيات من جهة وفي تمييز صحيح الحديث من موضوعه لعب دوراً هاماً في حدوث تلك الانشقاقات.

 

أما المذاهب الأربعة فهي:

 

1- الحنفية: مؤسسها أبو حنيفة (699-797).

2- المالكية: مؤسسها مالك بن أنس (715-795).

3- الشافعية: مؤسسها أبو عبد الله الشافعي (767-820).

4- الحنبلية: مؤسسها أحمد بن حنبل (780-855).

إن أول ما أُسس من هذه المذاهب هو الحنفية التي انتشرت خاصة بين الشعوب التركية وفي العراق. ويكثر أبو حنيفة من مراجعة القياس. يقدح بعض الفقهاء في أمانة الأحناف لتمسكهم أحياناً بالحيل والآراء البعيدة, حسب زَعْمِ خصومهم عن القرآن, فيدعونهم أهل الرأي .

أما المالكية فتعتمد على السنّة عامة دون أن تقصّر فيما يؤيد أحكامهم من الشريعة. لقد انتشرت المالكية في المدينة المنورة والحجاز وشمال غربي أفريقيا.

يعتبر المذهب الشافعي مدرسة متزمتة, مؤسسه الإمام الشافعي يعد أول فقيه وأول من دوّن في الفقه كتاباً بمنهج علمي, حاول فيه تحديد المجالات وحيث يجوز تطبيق ومراجعة الحديث, ورفض بشدة بعض المراجع التي اقترحها الأحناف. لقد انتشرت الشافعية في مصر السفلى والأردن وأندونيسيا وآسيا والوسطى وتانزانيا.

أما الحنبلية فهي ردة فعل رجعية ضد أية نظرة عقلانية تريد أن تفسر الإسلام حسب هواها. لم يتفق الباحثون حتى الآن على شخصية الإمام أحمد بن حنبل فهو جامع الأحاديث فقط عند البعض, وفقيه بارز عند الآخرين. إنها مذهب اشتهر بتعصّبه الغريب للإسلام والذي وصل إلى القمة لما أمروا به بتسديد غار حيرا وتخريب قبور بعض الصحابة منعاً للناس من عبادة الموتى! إن الوهابية اليوم في المملكة العربية السعودية تحمل في طياتها جل المذهب الحنبلي.

الأحناف: في البلقان والقفقاس وأفغانستان وباكستان ومعظم المسلمين في الاتحاد السوفياتي والصين والهند.

المالكيون: في تونس والمغرب والجزائر ومصر العليا وموريتانيا ونيجيريا والسودان والكويت والبحرين.

الشافعية: مصر السفلى والأردن ولبنان (خاصة بيروت) واليمن والبحرين بين السنة وإندونيسيا وماليزيا وسريلانكا وفلبين وقازخستان وتانزانيا والهند وفلسطين وإيران وأقلية في المملكة العربية السعودية.

الحنابلة: في الجزيرة العربية وسورية وكأقلية في العراق ومصر والهند وأفغانستان والجزائر.

هذه المذاهب باستثناء الحنفية محافظة متمسكة بالتقليد تمسكاً شديداً. إن الشافعية أكثر تعصباً وتمسكاً بالنص والتقليد من المالكية. وأما الحنابلة فهم عديمو المِثْل في الجمود والتزمّت. يمكن أن ترجع هذه الفروق بين المذاهب الفقهية في الإسلام إلى أسباب مختلفة, أهمها على ما أرى اثنان:

1- الخلفية الثقافية لمؤسسيها والتي أثرت بلا شك في فهمهم الشريعة وشرحها.

2- الظروف العامة في البلدان حيث انتشرت المذاهب.

إن الشريعة التي تمكنت من السيطرة المطلقة على المجتمع, وقضت على الحضارة السابقة لها في بعض البلدان, وجدت نفسها في بلدان أخرى مضطرة إلى الإقرار بكل التقاليد والأعراف المحلية وادماجها في كيانها.

لقد امتاز المذهب الحنفي بشِبْه التجاهل بالنصوص التي لا تُتحاشى, والظروف السياسية والاجتماعية. ذلك لأن مؤسسه تاجر ومتكلم بنفس الوقت وليس فقيهاً بالدرجة الأولى. إن المواضيع التي تناولها أبو حنيفة في مؤلفاته تتعلق عادة بقضايا الكلام الإسلامي من صفات الله إلى السؤال عما إذا كانت تجوز تلاوة الفاتحة في الصلاة المفروضة بلغة غير العربية مما عجز المتكلمون عن حلها. بفضل سمعته الحسنة كعالم صالح, تلقى أبو حنيفة من حين إلى آخر مسائل فقهية عويصة وقدم حلولاً مرنة لها, مما أكسبه شهرة عظيمة.

انتشر المذهب الحنفي بين الشعوب الأجنبية أسرع من المذاهب الأخرى بفضل طبيعته المستعدة للتسوية والتصالح. لقد أعجب الأتراك وقسم من الصينيين بهذا المذهب, لأن هذه الشعوب لم يكن لها عهد بإله إلا كالذي يتواجد في السماء كخالق الكون دون أن يتدخل في ما يحدث في الأرض. إن قادتهم كانوا في الحقيقة آلهتهم. فبذلك صارت الحنفية عند السلاجقة أولاً وآل عثمان أخيراً المذهب الرسمي للدولة, وصرحت ابتداء من القرن 19 أن أعلى هدف تصبو إليه الشريعة ليس تأسيس النظام الإلهي, بل تأكيد وتقوية سلطنة السلاطين كظل الله في الأرض. فكان على العلماء الاحتجاج بالقرآن والسنة تبريراً لمنع السطان من تطبيق حد السرقة وتسويغ قتل الإخوة من القرآن نفسه. إذ ورد في كتاب الله إن الفتنة أشد من القتل (البقرة 192). بالإضافة إلى ذلك لم يكن الفقيه لدى الأحناف بحاجة إلى دليل قطعي لكل قضية حقوقية. وقد نُسب إلى أبي حنيفة القول: إن أحكام الشريعة محدودة, بينما المسائل الفقهية لا تعد !

بخلاف المذاهب الثلاثة الأخرى نرى في مراجع الأحناف آراء لا تمت لروح القرآن بصلة. فتقرأ في ملتقى الأُبْحُر الذي أُلِّف في القرن 17 حكماً يقول إن المسلم يُقتل بالذمي, أي أن مسلماً قتل ذمياً في دولة إسلامية يقتص منه. تقول المذاهب الأخرى خلافاً للحنفية إن المسلم في حال كهذا يُعاقب فقط! يدّعي المصدر نفسه تبريراً لتحريم عقوبة الحدّ للسرقة بأنه من الضروري النظر في مصلحة الامبراطورية, ولا ينبغي أن ننسى أن السرقة في الجزيرة العربية لم تكن لتقتلع جذورها إلا بعقوبة كهذه.

يعالج المذهب الحنفي شؤون الإدارة والحكم أكثر من الأمور العبادية, مما جعله مذهباً يصلح لأن يكون دين الدولة.

أما المذهب الشافعي فيجب اعتباره حالة استثنائية, لأنه انتشر بين العرب وغيرهم من الشعوب. إن كان المذهب الحنفي امتاز بتأويله للأوامر والنواهي القرآنية على حساب القرآن والسنة, والاهتمام بالشؤون الدنيوية أكثر من القضايا العبادية, فنرى الشافعية على العكس تقر بأصول الشرع دون تلاعب بها وتبتعد عن المسائل الإدارية. فهي فيما يتصل بالمسائل العبادية أكثر حزماً واستقامة, ويعود الفضل في انتشارها في الشرق الأوسط عامة, وبين السنّيين في العراق خاصة, إلى الحقد الدفين في قلوب المسلمين على الحكم العثماني ومذهبه الحنفي. أما في بلدان الشرق الأقصى فقد انتشر المذهب الشافعي بفضل نشاطهم التبشيري. يمكن أن نفهم الوجود الشافعي في لبنان والبحرين كردّة فعل أصولية للسنّة على الشيعة الأصولية. فعدم الاستعداد لأي شكل من التصالح نقطة شَبَه بين هاتين المدرستين. المشابهة الأخرى كامنة في أن الدستور الفقهي للشافعية والذي أُسّس من قبل الشافعي نفسه انتقل إلى يومنا هذا دون تغيير كما هو الحال لدى الشيعة. إن الشافعي كان من أهل الحديث (النقيض من أهل الرأي) ولم يميز الأحاديث الصحيحة من الموضوعة. فأضعف احتمال أن لفظة ما في حديث مروي عن النبي قد تكون صادرة منه, كان سبباً كافياً عند الشافعي للتحذير من إنكاره! ومن مزاياه الهامة أيضاً رفضه المطلق للاجتهاد.

لقد وُلد المذهبان الباقيان: المالكية والحنبلية في المدينة أي مهد الإسلام،ولم يستطيعا البقاء إلا في البلدان العربية. لذلك يراهما بعض الفقهاء والباحثين مذهبي العرب . الإمام مالك بن أنس وأحمد بن حنبل يُعتبران من جمّاع الحديث, فنرى كتاب المعاملات في كتب هذين المذهبين فوضوياً بسبب ما يحوي من تناقضات. أما القسم الأول في مصادرهما الفقهية فيتناول فقط الأحكام العبادية, والقسم الثاني ينحصر في حل النزاعات بين القبائل ومعاقبتها.

  • عدد الزيارات: 21358
التعليقات   
-3 #1 ريم صلاح 2012-02-11 17:08
:roll: رائع
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.