خاتمة

خاتمة

أما وقد أكملت، أيها القارئ العزيز، مطالعة الشهادات المدوّنة في هذا الكتاب، ولاحظت ولا بد الآلام والشدائد التي احتملها أصحاب تلك الشهادات لأجل المسيح؛ فلعلك استغربت الاضطهادات القاسية التي أذاقهم إياها بنو قومهم لصرفهم عن الإيمان بالمسيح وذلك عندما أضاءت لهم إنارة إنجيل مجده.  لكن ألم تلاحظ كيف يُجمِع أصحاب هذه الشهادات على أن كل ما كابدوه لأجل المسيح على أيدي مبغضيه لا يستحق الذكر إزاء الأمجاد التي وجدوها فيه عندما أتوا إليه أو بالأحرى عندما هو أتى إليهم؟

كان هؤلاء كسائر أبناء آدم الضالين في تيه هذا العالم، يخبطون خبط عشواء وسط مجاهله الفكرية المُقفرة، لعلهم يجدون لأنفسهم طريقاً للخروج إلى النور والحياة، وإلى الله، وإذا بالمسيح وقد أتى إليهم في إنجيله المبارك، يقول: 'أنا هو (ذاتي) الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي' (يوحنا 6:14). ثم أشرق في أعماق قلوبهم بنور حق الله المطلق العظيم والمتمركز في ذاته، وكشف عن أفكار قلوبهم كم هي باطلة (1كورنثوس 6:4). وكأنه يقول لهم بعطف وحنان بالغين: 'حبسَتْكم خطاياكم عن المجيء إليّ، فأتيت أنا إليكم بذاتي لأبطل الخطية بذبيحة نفسي (عبرانيين 26:9)؛ فحملتها في جسدي على الصليب (1بطرس 24:2) حيث قدّمني الآب كفارة لها بالإيمان بدمي (رومية 25:3) الذي به أنقذتكم من سلطان الظلمة والشيطان (أفسس 1:2-5) - وتألمت مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الأثمة لكي أقربكم إلى الله (1بطرس 18:3).

ثم راح يعلّمهم بأنه قد أتاهم من أعلى ذرى المجد والسؤدد ليرفعهم إليه. وبالفعل رفعهم إليه: رفعهم معه إلى ذات محضر الله، الإله السرمدي الذي يفوق الوصف.

معظم الذين كرّسوا حياتهم للتأمل في ذات الله (ومن بينهم مسلمون)، قد انتهوا إلى أن الله، أو اللاهوت، لا يُعْلَن ولا يُدرك في ذاتيته المنزهة (أو بالأحرى، في جوهر وجوده الذي يفوق الوصف) ؛ كما وإنه لا يتّصل بخلائقه بذاتيته، ولا يبتدئ عملاً بذاتيته ؛ بل أن هناك 'كائناًً' أطلق عليه اسم  'الكلمة' فيه يُعلَن ويُْدَرك الله، وبه يتصل الله بخلائقه، ويعمل كل ما يعمله؛ وهو وحده الذي به نستطيع نحن أن نتصل بالله ونتوصّل إلى معرفة المنزّه عن كل ما أدركه البصر والبصيرة. وأن هذا الكائن، إن لم يكن هو الله، فلا يكون شيئاً سوى الله؛ لأنه هو الذي يُعلن الله، ولا يُعلن الله إلا الله، كما ذكرنا؛ وهو خالق العالم الذي يحرك الأفلاك ويدير الكون - هذا ما يقوله العلماء والفلاسفة عن وجوب وجود 'موجود' فيه يتّصل الله (عز وعلا) بخلائقه، ويعمل كل ما يعمله، والذي فيه نستطيع نحن أن نتوصّل إلى معرفة الله ونتّصل به.

فالرب يسوع المسيح، 'الابن الوحيد الذي هو (أزلاً) في حضن الآب (السماوي)' (يوحنا 18:1)، و'صورة الله غير المنظور' (كولوسي 15:1) هو الذي خبّر. وإن كان يحل فيه كل ملء اللاهوت (كولوسي 9:2) نزل أيضاً إلى 'أقسام الأرض السفلى' لكي يفتح أمامنا باب نعمته لنأخذ جميعاً 'من ملئه' (أفسس 9:4-10؛ يوحنا 16:1) - هذا هو الإله الحق 'الساكن في نور لا يُدنى منه' (1تيموثاوس 16:6) وهذا هو الابن الوحيد الذي هو (أزلاً) في حضنه، التعبير الوافي، والصافي، والنهائي عن الذات الإلهية التي لا يُعبَّر عنها.

'فيه 'خُلق الكل، ما في السموات وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين، الكل به وله قد خُلق' (كولوسي 17:1)، وهو الذي فيه خُلق الإنسان!

ولما كانت مشيئة الله أن يرتبط الإنسان، المخلوق الأدبي، معه بصلة شخصية، خلقه الله 'على صورته، على صورة الله خلقه' (تكوين 27:1). ومعنى ذلك أن آدم، الإنسان الأول خُلق في شخصيته الباطنة (أو في روحه) من العدم في المسيح، لأن المسيح هو 'صورة الله' (كما رأينا سالفاً). ومن هنا فصاعداً عندما يستخدم الوحي الإلهي في الكتاب المقدس الاسم 'الرب الإله' إنما يقصد بذلك 'المسيح في حالة غير المنظور'. وعندنا من ذلك قوله المبارك: 'جبل الرب الإله آدم (أو بالأحرى: 'عمل الرب الإله آدم') تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حية' (تكوين 7:2). وهكذا: فآدم الذي خُلق في المسيح أصبح، بعمل المسيح، روحاً مرتبطاً بجسد عجيب الصنع وعاملاً في إطار 'نفس حية' وطاقة مدهشة ذات قوة عاطفية نقية، وفكرية صافية، وإرادة حرة مكّنته من تبادل المحبة مع خالقه بصلة شخصية وحميمة، كانت له حال كونه قد خُلق في شخصيته الباطنة من العدم في المسيح، 'صورة الله'.

كان حضور الله في المسيح، الرب الإله يظلل آدم تماماً في 'جنة عـدن' (تكوين 7:2-17)، بينما يسمح له المسيح بطريقة خاصة بالمثول في حضرته لمناجاته والإصغاء إلى إعلاناته. وكان حق الله المطلق العظيم المتمركز في الابن، المسيح، الرب الإله يغمر نفس آدم النقية البريئة بموجة تلو موجة من نور الحكمة السماوية ومعرفة الإرادة الإلهية التي كان آدم يتلقّنها دون أي لبس أو إبهام.

لا نعرف كم من الزمن صرف آدم وحواء في تلك الحالة المثلى (تُرى قروناً طويلة، أم دهوراً بكاملها؟) قبل بدء التاريخ البشري كما نعرفه اليوم. وظل كل شيء على ما يرام طالما بقي آدم يستخدم قوته الإرادية في روح الله القدوس بإخضاع نفسه كلها لإرادة المسيح بصورة قلبية كاملة ومستمرة. وهكذا كان على آدم أن يختار: إما أن يستمر في علاقته الحية مع خالقه، بحالة تجاوُب فعلي مع فكر المسيح، الرب الإله، في طاعة فورية وعلاقة ودّية، أو أن يتنكب عن تلك العلاقة.. فأقل تجاوُب مع فكر منافٍ لفكر المسيح كان كافياً لقطع علاقته بالمسيح إلى الأبد، لأن الشركة مع الرب الإله، يجب ألا تشوبها شائبة، وإلا فليست هي شركة على الإطلاق.

كان في وسع آدم أن يسيء الاختيار، غير أن تفادي ذلك كان ميسوراً له أيضاً. وما توفّر له من المعرفة لفكر المسيح، الرب الإله وإرادته، كان كافياً أن يجعله مسؤولا عن أعماله، كبيرة كانت أم صغيرة.. وحتى عن كل فكر يسمح بدخوله إلى قلبه.

لم تكن للإنسان نية العصيان، وكان كل شيء حسناً، كما رأينا إلى ذلك اليوم.. ذلك اليوم الذي فيه سُمع في الجنة صوت غريب، صوت شؤم. كان ذلك صوت الشيطان.. تلك الشخصية الخبيثة الملازمة دائماً لظهور الشر في العالم. وكان يرتفع في ثورة ضد الله، يعارض ويقاوم حُكْمَه المتمركز في ابنه، المسيح، الرب الإله (تكوين 1:3-7). وفوجئ آدم ولم يُعر انتباهه للفكر الشنيع المُقدَّم له من قِبَل الشيطان، بل أخذ أيضاً يُمعن الفكر فيه؛ فسقط حالاً في التعدي والعصيان، الأمر الذي جعله فاراً وهارباً ومحروماً من الشركة الإلهية، وحاكماً على نفسه بنفسه. وكان يبدو أن تلك الشركة قد ضاعت منه ومن الجنس البشري إلى الأبد.

بيد أن الهجمة التي شنّها الشيطان على آدم وسقوط آدم في الخطية لم يفاجئا المسيح، الرب الإله. بل إن الله بمقتضى علمه السابق، كان قد تدبرّ الوضع الناجم عن سقوط آدم قبل أن سقط، بل وقبل الأزمنة الأزلية؛ وما كانت هجمة الشيطان على آدم سوى استمرار للثورة التي قام بها في القدم، أي قبل التاريخ البشري، حين شغل الشيطان مرتبة عالية بين الطبقات السماوية (حزقيال 14:8) في 'عدن جنة الله' (وليس في الجنة الأرضية التي نقرأ عنها في سفر التكوين)، إلى أن وُجد فيه إثم، وثارت فيه الكبرياء والحسد (حزقيال 15:28؛ إشعياء 12:14-15)، فانفجر هو بثورته الغبية ضد عرش العلي، وأُقصي حالاً من حضرة الله، محكوماً عليه بالهلاك الأبدي الذي سينفّذ فيه في يوم الرب العظيم المخوف الآتي، يوم الدينونة الإلهية الرهيب. وهو الآن يواصل نشاطه في بصفته 'رئيس سلطان الهواء، الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية' (أفسس 2:2).

أما آدم، ذلك المخلوق الأدبي الذي كان قد خصه الله في نعمته ببهجة وسعادة يحياهما في حضرته الإلهية بصلة شخصية حميمة معه - ولا يمكن أن يسقط شيء من مقاصد الله - فبعد سقوط آدم مباشرة، أخذ المسيح، الرب الإله يطلعه على بعض تفاصيل خلاص الله العظيم، الذي به يخلّص الإنسان من سلطان الخطية والشيطان؛ وخاصة ما يتعلق بالطريقة التي بها يدخل المسيح العالم، ليعمل بدمه فداءً أبدياً وتطهيراً للخطايا (تكوين 15:3، مع العلم بأن 'نسل المرأة' يشير إلى المسيح الذي كان مزمعاً أن يدخل العالم بالولادة من عذراء).

وإذ تأيّد بعض أناس ذلك العصر بقوة روح الله القدوس والإيمان، أخذوا يستغلون فوائد ما عمله المسيح لأجل خلاصهم. ففي الكتاب المقدس شهادة الله لإيمان نخبة منهم، بقول الوحي الإلهي العزيز: 'بالإيمان نُقل أخنوخ لكي لا يرى الموت ولم يوجد، لأن الله نقله' (عبرانيين 5:11)؛ وأيضاً: 'بالإيمان نوح، لما أُوحي إليه عن أمور لم تُرَ بعد، خاف فبنى فلكاً لخلاص بيته، فبه دان العالم وصار وارثاً للبر الذي حسب الإيمان' (عبرانيين 7:11)؛ وأيضاً: 'بالإيمان إبراهيم، لما دُعي، أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيداً أن يأخذه ميراثاً؛ فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي.. بالإيمان قدّم.. إسحاق وهو مجرّب. قدّم الذي قبل المواعيد وحيده الذي قيل له أنه بإسحاق يُدعى لك نسل.'

بيد أن الكتاب المقدس لا يقدّم أي أفكار سطحية عن حالة الإنسان الروحية. والواقع، إننا نقرأ فيه كيف تفشّى الشر وازداد في الأرض بعد سقوط آدم مباشرة (تكوين 8:4 و23)؛ حتى 'قال الرب (في أيام نوح) لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد... ورأى الله الأرض، فإذا هي قد فسدت؛ إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه على الأرض' (تكوين 3:6 و12).

ليس في الكتاب المقدس أدنى تفاؤل سطحي من ناحية طبيعة الإنسان، الذي ليس في وسعه أن يرتكب الجرائم الكبيرة وحسب بل أيضاً أن يكشف عن شره بواسطة دوافعه وأفكاره الفاسدة. وقد قال الرب يسوع: 'لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة، زنى، فسق، قتل، سرقة، طمع، خبث، مكر، عهارة، عين شريرة، تجديف، كبرياء، جهل. جميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الإنسان' (مرقس 7:21-23). أما الله فهو قدوس وكامل البر. يكلم النبي حبقوق الله بهذه الكلمات: 'عيناك أطهر من أن تنظرا الشر ولا تستطيع النظر إلى الجور' (حبقوق 13:1). ويخاطب الكتاب المقدس الإنسان العاصي فيقول: '.. آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم، وخطاياكم سترت وجهه عنكم' (إشعياء 2:59).

فمنذ ارتكاب الإنسان لأول عمل عصيان آثم، والحال الطبيعية لجميع البشر هي الانفصال الروحي عن الله. وقد تبع هذا الانفصال عمي روحي وعجز كامل في الفهم الصحيح لحق الله. وهذا ظاهر في عبادة الأوثان الفادحة والخبيثة، عبادة المخلوق دون الخالق (رومية 18:1-32).

واللجوء إلى عبادة أي شيء، أو أي كائن سوى الله الواحد الحق، إنما هو عبادة الأوثان بعينها. في الواقع، إن فشل الإنسان في محبة الله من كل القلب والكيان، هو كسر للوصية الأولى والعظمى، وإن فشلك في محبة قريبك كنفسك هو عدم طاعة للوصية الثانية (متى 36:22-39). وبمعزل عن المسيح، فشل الجميع في حفظ هاتين الوصيتين، والكتاب المقدس يعلم في رسالة يعقوب: 'لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة فقد صار مجرماً في الكل' (يعقوب 10:1). إذاً، فالعالم بأجمعه في حالة خطيئة وعصيان ضد الله.

  • أنشأ بتاريخ .
  • عدد الزيارات: 3443
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.