في إيضاح سبب البحث

القسم: كيف نعرف دين المسيح

فهرس المقال


اسمح لي أيها القارئ الكريم أن أقص عليك حادثة: منذ سنين كثيرة سافر إلى شيراز (من أمهات مدن الفرس) تاجر مسيحي يحمل بين يديه تجارة لا يقدر ثمنها ألا وهي نسخ من كلام الله أي كتاب أهل الكتاب الذي يشهد له القرآن كما شرحنا في ما تقدم ومن العجيب أنه حالما اطلع الأهالي على تجارته أثار عليه المشائخ زمرة من الرعاع فأوسعوه ضرباً ومزقوا كتبه وداسوها بالأقدام وأخرجوا الرجل خارج المدينة وتهددوه بالقتل إن عاد بمثل هذه الكتب والحاصل أنهم عملوا به ما عمله الكرامون في العبيد الذين أوفدهم سيدهم ليأتوا بثمر الكرم (مت 21: 33-44)

فكيف والحالة هذه يقولون بملء أفواههم قُولُوا آمَنَّا بِا للَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَا لْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (سورة البقرة 2: 136) ومن جملة الذين شاهدوا هذه الحادثة صبي من أهل تلك البلادفأخذه العجب والحيرة من أولئك المشايخ الذين حرضوا على إتلاف كتب يقول القرآن أنها منزلة من عند الله وأنه مصدق لها ومهيمن عليها وأعمل فكره لحظة وقال في نفسه لعلها تشتمل على أمور يخشى منها ساداتنا العلماء على ثبات القرآن وأقلق هذا الفكر باله إذ كان متمسكاً بأذيال دينه واجتهد أن يتخلص من هذا الفكر ويريح قلبه من العناء. وحدث أنه لما شب صمم أن يقف على البينات التي تؤيد الإسلام ليستريح من الشكوك التي أزعجته حيناً من الدهر. وكان على مقربة من شيراز يسكن عالم حاز شهرة كبيرة في حرصه على مناسك دينه مثل إقامة الصلاة وتلاوة القرآن وصيام رمضان الخ فأتى إليه صاحبنا ابتغاء الاستفادة منه والوقوف على جلية الأمر وأخفى ما في نفسه من الشكوك خوفاً منه. وبعد عبارات التجلة والإكرام قال له إنني يا مولاي قابلت بالأمس يهودياً واجتهدت أن أبرهن له صحة دين الإسلام لأجتذبه إليه فسمع لي كل ما قلته لإثبات رسالة نبينا ولم يقتنع فهل يتكرم مولاي بسرد البراهين التي يجب أن أقولها له: فالتفت إليه العالم عابساً وقال الأرجح عندي أنك كافر فخاف الغلام وسافر إلى بومباي وحالما تيسر له الأمر استعار نسخة من الإنجيل وقرأها بتأمل رجاء أن يعثر على الشيء الذي أزعج المشائخ حتى حرضوا على إتلافه. ويُقال أن أشد التعذيب وقعاً على النفس بعد تبكيت الضمير هو ارتياب المرء في الدين الذي نشأ فيه. فضلاً عن كون الشك يضعف عزيمة الإنسان عن تأدية الواجب ويخيب رجاءه في الحياة الأخرى ويعرضه لتجارب إبليس إلا أن الله سبحانه وتعالى سمح أن تختلف الأديان وتتضاد حتى يتزكى المفكرون طلاب الحقيقة ويظهر الحريص من المتهاون فالواحد لا يبالي والآخر يحصر فكره في الموضوع باحثاً عن الأدلة التي تؤيد دينه ولولا الاهتمام بالسؤال والبحث ما غير أحد دينه سواء أكان حقاً أو باطلاً ومن هنا تظهر ضرورة فحص أركان الدين والوقوف على صحيحه من فاسده. والضمانة الوحيدة للسلامة من الضلالة في البحث هو أن يبحث طالب الحقيقة بروح التواضع والإخلاص جاداً في طلب مرضاة الله مبتهلاً إليه أن يمده بهدايته بنور من السماء ليعرف الحق من الباطل ويسلك في الحق كبني النور. فإذا كان من بعد البحث بهذه الكيفية يظهر لك أن دينك حق تنتفي من قلبك الشكوك إلى الأبد وتفيض نفسك حمداً لله لأجل توفيقه لك بالهدى ثم تقبل إلى بني جنسك ترشدهم بما فتح الله عليك شارحاً لهم طريق الخلاص. ولكن إذا اتضح لك بعد التأمل أن دينك باطل والشكوك التي خالجت قلبك مبنية على تثبت وحسن نظر فما أجرى بك أن تطرح من وراء ظهرك هذا الدين الباطل وتجدّ في طلب الحق لتفوز برضوان الله والحياة الأبدية. وعلى كل حال فلا ضرر من البحث بإخلاص وتدقيق في أصول الإيمان وإنما الضرر هو أنه إذا فطن الباحث إلى موضع الخلل في دينه لا يقوى على عواطفه فيخدع نفسه ويتعامى عنه. نعم إن في هذا الطامة الكبرى إذ تتوالى عليه الشكوك ويقع أخيراً في شرك الكفر ويموت بلا إله وبلا رجاء فما أحسن البحث بإخلاص وجد كما في المثل المشهور من طلب شيئاً وجدّ وجد ومن قرع باباً ولجّ ولج.


فهلموا بنا معاشر الإسلام نبحث معاً نابذين التعصب جانباً في الأصول المبني عليها دينكم ونعرضه على القاعدة التي قدمناها في الجزئين الأولين من كتابنا وعرضنا عليها الديانة المسيحية.

أضف تعليق


إستمع واقرأ الإنجيل