الحجاب

الصفحة 1 من 2

الفصل الثامن والعشرون

الحجاب

 

رغم أن الحجاب في العالم الإسلامي وفي أوروبا صار مشكلة من مشكلات الساعة، فلا يمكن تاريخياً اعتباره واجباً فرضه القرآن أو محمد على النساء (1). ولكن مما لا شك فيه أن الحجاب وضع في البداية علامة للمرأة الحرة لكي لا يتعرض لها الرجال ظناً منهم بأنها أَمَة (2). أما في اللغة فيفيد الستر وكل ما حال بين شيئين أو كل شيء منع شيئاً (3).

يذكر المسلمون آيتين من القرآن دلالة على وجوب الحجاب. أما الآية الأكثر شيوعاً فهي: وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن، ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخُمُرهن على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن وآباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء، ولا يضربن بأرجلهن ليُعلم ما يخفين من زينتهن، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (النور 42:13). ويُروى عن سبب نزول هذه الآية أن أسماء بنت مرشد كانت في محل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متزرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل، وتبدو صدورهن وذوائبهن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا فأنزل الله قل للمؤمنات (4). عن سبب نزول الآيةن يُروى أيضاً عن علي بن أبي طالب قوله: مرَّ رجل على عهد رسول الله (ص) في طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأة ونظرت إليه. فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجاباً به، فبيما الرجل يمشي إلى جانب حائط ينظر إليها إذ استقبله الحائط (صُدم به) فشقَّ أنفه. فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله (ص) فأُعلمه أمري؟ فأتاه فقصَّ عليه قصته. فقال النبي (ص) هذا عقوبة ذنبك. وأنزل الله: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم (5).

من الألفاظ الهامة في هذه الآية (42:13) العورة وهي سوأة الإنسان كناية، وأصلها العار، وذلك لما يلحق في ظهوره من العار أي المذمة، ولذلك سمى النساء عورة ومن ذلك العوراء الكلمة القبيحة (6). قال محمد: لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ولا ينظر الرجل إلى عورة، الرجل وعن مولى عائشة، عن عائشة قالت: ما نظرت أو ما رأيت فرج رسول الله قط (7). يتحدث العلماء بالنسبة لعورة الجنسين عن أربعة أصناف:

1 - عورة الرجل مع الرجل

2 - عورة المرأة مع المرأة

3 - عورة الرجل مع المرأة

4 - عورة المرأة مع الرجل (8).

أما عورة الرجل مع الرجل: فهي من (السرة إلى الركبة) فلا يحل للرجل أن ينظر إلى عورة الرجل فيما بين السرة والركبة وما عدا ذلك فيجوز له النظر إليه. وقد قال (ص): لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة (9). وأجمع جمهور الفقهاء على أن عورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة كما صح في الأحاديث الكثيرة، وقال مالك رحمه الله: الفخذ ليس بعورة. ومما يدل لقول الجمهور ما روي عن (جرهد الأسلمي) وهو من أصحاب الصفة أنه قال: جلس رسول الله ص عندنا وفخذي منكشفة فقال: أما علمت أن الفخذ عورة (10).

وفي رواية: لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت (11). وأما عورة المرأة مع المرأة: فهي كعورة الرجل مع الرجل أي من (السرة إلى الركبة) ويجوز النظر إلى ما سوى ذلك، ما عدا المرأة الذمية أو الكافرة فلها حكم خاص سنبينه فيما بعد.

وأما عورة الرجل بالنسبة للمرأة: ففيه تفصيل، فإن كان من (المحارم) ك(الأب والأخ والعم والخال) فعورته من السرة إلى الركبة وإن كان (أجنبياً) فكذلك عورته من السرة إلى الركبة، وقيل جميع بدن الرجل عورة، فلا يجوز أن تنظر إليه المرأة. وكما يحرم نظره إليها يحرم نظرها إليه، والأول أصح. وأما إذا كان (زوجاً) فليس هناك عورة مطلقاً لقوله تعالى (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) (12).

وأما عورة المرأة بالنسبة للرجل: فجميع بدنها عورة على الصحيح، وهو مذهب (الشافعية والحنابلة) وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على ذلك فقال: وكل شيء من المرأة عورة حتى الظفر (13).

وذهب (مالك وأبو حنيفة) إلى أن بدن المرأة كله عورة ما عدا (الوجه والكفين) ولكلٍ أدلة سنوضحها بإيجاز.

بينما يقول الأحناف والمالكية بأن الوجه والكفين ليسا بعورة (14) يستدل الشافعية والحنابلة على كونها عورة بالكتاب والسنة والمعمول (15) والخلاف يدور هذه المرة حول كلمة الزينة التي تفسر بين المذاهب الفقهية على وجوه مختلفة.

فهم يقسمون الزينة إلى خَلْقية ومكتسبة، والوجه من الزينة الخلقية بل هو أصل الجمال ومصدر الفتنة والإغراء. وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خلقتها كالثياب والحلي والخضاب. (16) وهم يستدلون على صحة ذلك من القرآن والحديث، ويسمونه بالمعقول وهو أن المرأة لا يجوز النظر إليها خشية الفتنة، والفتنة في الوجه تكون أعظم من الفتنة بالقدم والشعر والساق. فإذا كانت حرمة النظر إلى الشعر والساق بالإتفاق، فحرمة النظر إلى الوجه تكون من باب أولى، باعتبار أنه أصل الجمال ومصدر الفتنة ومكمن الخطر (17).

كيف يجب أن يكون هذا الحجاب في نظر العلماء والفقهاء؟
الصفحة
  • عدد الزيارات: 7426
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.