مصادر الإسلام

الخطية والغفران

فهرس المقال

الفصل الرابع عشر
الخطية والغفران

من المسائل الهامة التي يجب مناقشتها عند دراسة دين ما أو إجراء مقارنة بين الأديان هي مسألة الخطية والغفران، وكيف تعالج هذه الديانة أو تلك هذه المسألة المهمة . من خلال دراستنا للديانتين الإسلامية والمسيحية نجد أن من الفوارق الرئيسية والهامة بينهما كيفية معالجة كل منهما لمسألة الخطية والغفران. وفي رأينا ان الفرق شاسع جدا بينهما، ولا يمكن القول على الإطلاق بأن هناك أي موافقة بين الإسلام والمسيحية في هذا الشأن. وكذلك لا يمكن القول بأن القرآن مُصدق للإنجيل وأن ما يعلمه القرآن ومحمد يتفق مع ما يعلمه الإنجيل والمسيح كما يتضح للقارئ في هذا الفصل.
تبدأ الخطية حسب المفهوم الإسلامي مع عصيان إبليس لله عندما رفض السجود لآدم كما ذكرنا سابقا. كانت نتيجة ذلك العصيان أن إبليس طُرِد من الجنة ووعد بأن يثأر لنفسه بإغواء بني آدم حسب ما جاء في سورة الأعراف 11-17. يذكر القرآن بعد ذلك خطية آدم وحواء وكيف أغواهما الشيطان، وما ذكره القرآن في هذا الشأن شبيه إلى حد ما بما جاء في سفر التكوين من العهد القديم (التوراة). ويمكن للقارئ أن يرجع إلى سورة الأعراف 18-25. على أي حال، جاءت رواية القرآن بشكل مقتضب مع إضافة بعض التفاصيل وحذف تفاصيل أخرى (كعادة القرآن). وحسب ما جاء في القرآن لم تترك خطية آدم وحواء ومخالفتهما لوصية الله أثرا روحيا في الطبيعة البشرية سوى خروجهما من الجنة. وبعد ذكر خروج آدم وحواء من الجنة مباشرة يطلب الله من بني آدم عدم الوقوع في إغواء الشيطان: "يا بني آدم لا يفتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة، ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوأتهما إنه يراكم هو قبيله من حيث لا ترونهما إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون." (الأعراف: 27).
بالإضافة إلى ما سبق يروي الحديث أن آدم قد أخطأ عندما خلقه الله، كما في الحديث التالي الذي لا مثيل له: "قال الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما خلق الله آدم مسحَ ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال (الله): هؤلاء ذريتك. فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، قال: أي رب من هذا؟ قال (الله) هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود (كيف يكون داود من آخر الأمم؟ لقد كان من أوائل الأمم). قال: رب وكم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة (عاش داود ثمانين سنة). قال: أي رب قد وهبتُ له من عمري أربعين سنة. فلما انقضى عمر آدم جاءه ملاك الموت قال (آدم): أو لم يبقَ من عمري أربعون سنة؟ قال (ملاك الموت) أو لم تعطها إبنك داود؟ قال (محمد) فجحد (نكث بوعده) آدم وجحدت ذريته ونسى آدم ونسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته." (إبن كثير 2 ص 640). أيٌ ، يا هل ترى ، من الآية القرآنية أو هذا الحديث ، كان الناسخ وكان المنسوخ؟ وعلى الرغم من الغلطات التاريخية فإن هذا الحديث لأغرب من الخيال. تصور عزيزي القارئ مليارات من البشر منذ آدم، والذين سقطوا من ظهره ، رآهم آدم جميعا وميّز من بينهم داود؟ على أي حال، يبدو أن محمدا قد حمّل آدم شيئا من المسؤولية لوقوع البشر في الخطيئة، ولكن يقى ما فعله آدم عرضي وليس جوهري.
مهما فعل آدم، حسب الإسلام، فإن الجنس البشري لم يتأثر روحيا بخطية آدم. وتبعا لذلك فإن الإنسان يولد وهو مفطور على الصلاح، وإذا ما ارتكب ذنبا أو إثما فإنما ذلك ناتج عن تأثير قوة خارجية هي قوة إبليس وليس نابعا من ذاته الداخلية ولا حاجة لتغيير هذه الذات. يقول القرآن: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطرَ الإنسان عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون." (الروم: 30).
يؤكد محمد هذا المبدأ في حديث رواه عيّاص بن حمار: "إن ربي عز وجل أسرّني (أسرّ إلي) أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: كل ما نحلته (وهبته) عبادي حلال وإني خلقت عبادي حنفاء (صالحين) كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم." (إبن كثير ج 3 ص 54، رواه البخاري ومسلم أيضا).
من الغريب وغير المنطقي أن محمدا يُعلّم أن الخطية ضرورية إلى حد القول بأن الله يُسرّ ويفرح بخطايا وآثام المسلمين، لأن ذلك يعطي له الفصة حتى يغفر لهم. ولو لم يخطئوا لخلق أمة أخرى تخطئ حتى يغفر لهم، كما جاء في الحديث: "عن أن بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله تعالى لغفر لكم. والذي نفس محمد بيده لو لم تُخطئوا لجاء الله عز وجل بقوم يُخطئون ثم يستغفرون فيغفر لهم." (رواه الإمام إبن أحمد، ابن كثير ج 3 ص 226، رواه مسلم أيضا).
ويذهب محمد إلى أكثر من ذلك حيث يُشجع المسلمين على الكذب في بعض الأمور من أجل المنفعة، إلى درجة أن يُكذّب الزوج على زوجته وتُكذب الزوجة على زوجها كما في الحديث: "أخبرني حرملة بن يحيى أخبرنا بن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيظ وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ولم أسمع يُرخّص (يبيح) في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته أو المرأة رجلها." (مسلم ج 16 ص 157).
لا بد للمرء أن يستغرب من أين جاء محمد, الذي يعتبره المسلمون أنه جاء بأكمل رسالة سماوية, بهذه الأفكار التي تتنافى مع طبيعة الله وقداسته؟ كيف يشجع محمد أمته على ارتكاب الخطايا والذنوب بما في ذلك الكذب؟ أي إله رب محمد هذا الذي يُسر ويفرح بخطايا أمة محمد وذنوبها؟ إن مثل هذا الاعتقاد لهو طعن في قداسة الله وطهارته. هل من المعقول أن القدوس الطاهر والذي لا يدانيه نور يخلق أمة تخطئ حتى يغفر لها؟ يا للهول ويا للويل! من يجرؤ أن يقول مثل هذا القول؟ هل تذكر غزيزي القارئ قول الكتاب المقدس بأن الشيطان هو كذاب وأبو الكذاب.


الغفران في الإسلام:
إن مفهوم الغفران في الإسلام يعكس مدى الاستهانة ببشاعة الخطية وفظاعتها مهما كانت أو صغرت. إن ثمن الغفران هو ثمن بخس جدا بحسب تعليم محمد ، وبالأحرى لا يوجد في الإسلام ثمن على الإطلاق لغفران الخطايا. إن رب محمد يوزع الغفران ذات اليمين وذات اليسار على أمة محمد كما توزع الحلوى على الأطفال، ومرد ذلك إلى كون الله غفور رحيم. تتردد عبار غفور رحيم كثيرا في القرآن ولربما أكثر من أية عبارة أخرى كما في الآية التالية: "فمن خاف من موصٍ جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم." (البقرة: 182). ويوفر الإسلام للمسلم عدة وسائل لمغفرة الخطايا ومحو الآثام نذكرها في ما يلي:


 

1- شفاعة محمد
يبدو أن أعظم رصيد للمسلم عند الله لغفران آثامه وخطاياه هو شفاعة محمد. يدّعي محمد أنه أعطي الشفاعة دون غيره من الأنبياء والناس كما في الحديث الطريف التالي: "حدثنا محمد بن مُقاتل، أخبرنا أبو حنان التيمي عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تُعجبه فنهس (نهش) منها نهسة ثم قال: "أنا سيد القوم يوم القيامة وهل تدرون مم (لما) ذلك؟ يُجمع الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكَرب ما لا يُطيقون ولا يحتملون فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم (أصابكم) ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم عليه السلام فيقولون له أنت أبو البشرخلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح! فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم! فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض. اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات – فذكرهن أبو حيان في الحديث – نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى! فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضّلك الله برسالته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى (المسيح)! فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فكلمت الناس في المهد صبيا اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله! – ولم يذكر ذنبا – نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى محمد. فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فأنطلقُ فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي عز وجل ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد من قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تُعطَهُ وأشفع تُشفّع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب! فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير (مدينة في اليمن) أو كما بين مكة وبصرى (مدينة في الشام)." (البخاري ج 3 ص 272- 275).
وبعدما سردنا هذا الحديث الطويل من شفاعة محمد، لا بد أن نشارك القراء ببعض الأفكار فيما يتعلق بفحوى هذا الحديث. نلاحظ هنا عدم مقدرة آدم ونوح وإبراهيم وموسى على الشفاعة لأن الله قد غضب على كل منهم بسبب ذنب ارتكبه. ويبدو أن رب محمد لم يغفر لهم هذا الذنب، ولم يغفر لهم ما تقدم وما تأخر من ذنوبهم، وذلك على العكس من محمد، وعلى الرغم من أنهم في الجنة فإن غضب رب محمد لم يرتفع عنهم.
لذلك لم يتجرأ أحد منهم على الإقتراب من رب محمد وطلب الشفاعة منه. وعلى الرغم من هذا الأمر غير المنطقي فهناك ما هو أغرب منه. يقول لنا محمد أن ربه غضب على عيسى (المسيح) رغم أنه لم يفعل خطية ولم يكن في فمه غش ولذلك لم يذكر محمد ذنبا له. مما يعني أن رب محمد قد غضب على المسيح بدون أي سبب. طبعا لا يخفى على القارئ أن المسيح هو أطهر شخص لمست قدماه الأرض، وقد اعترف محمد نفسنه بطهارة المسيح، وهو وحده من بين البشر بما فيهم الأنبياء والرسل الذي لم يعرف خطية قط. السؤال المحير لكل عاقل هو: لماذا غضب رب محمد بحسب قول محمد على المسيح؟ طبعا لم يخبرنا محمد لماذا غضب ربه على المسيح. ولا نعتقد أنه بإمكان علماء المسلمين أن يخبرونا بما لم يخبرنا به نبيهم. ثم ألا يبدو رب محمد هنا اعتباطيا ومحابيا ومجرد من العدالة؟ هل من الحق والعدالة الإلهية أن يغفر ما تقدم وما تأخر من خطايا محمد وذنوبه الكثيرة ولا يغفر هفوات نوح وإبراهيم الصغيرة ويديم غضبه عليهما؟ أي إله وأي رب هذا؟


2- الأعمال:
للأعمال في الإسلام أهمية كبيرة كوسيلة للحصول على الغفران. من أعظم الأعمال التي ينال المسلم الغفران بواسطتها ويمحو عنه رب محمد ذنوبه هي الجهاد والاستشهاد في سبيل الله كما جاء في القرآن: "ولئن قُتلتم في سبيل الله أو مُتم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون." (آل عمران 157). وفي مكان آخر وعد رب محمد الذين يقاتلون ويُقتلون في سبيله بالجنة: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون ويُقتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به." (التوبة:111). لنا ملاحظة على هذه الآية، وهي أن القتال والقتل ليس له مكان على الإطلاق في الإنجيل، والقول أن الله وعد مثل هذا الوعد في الإنجيل لا أساس له من الصحة بأي شكل من الأشكال ولا ندري من أين جاء القرآن بهذا الادعاء ومن الواضح أنه اختلاق مشين. هناك آيات أخرى كثيرة في القرآن تعد المجاهد والشهيد بالغفران والجنة وحور العين وحسن الثواب.
كما في القرآن كذلك في الحديث توجد الأحاديث الكثيرة التي تصف المجاهدين والشهداء من المسلمين وما لهم من مكافآت. يوصف المجاهد بأن له المرتبة العليا بين المسلمين كما في الحديث: "حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: حدثني عطاء بن يزيد الليثي أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه حدثه قال: قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله". قالوا ثم من؟ قال: مؤمن في شِعبِ من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره." (البخاري ج 3 ص 272، مكرر). كذلك إذا ما استشهد المجاهد فإن له مقاما في الجنة يسمو على غيره من المسلمين كما في الحديث: "حدثنا موسى حدثنا جرير حدثنا رجاء عن سمرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رأيت الليلة رجلين أتياني فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل. لم أرَ قط أحسن منها، قالا أما هذه الدار فدار الشهداء." (البخاري ج 3 ص 273).
يمكن للمسلم أو المسلمة الحصول على غفران الخطايا بإتمام الفرائض. لقد جاء في الحديث أن الصلوات الخمس تمحي الخطايا: "وحدثنا قُتيبة بن سعيد حدثنا ليث، و قال قتيبة: حدثني بكر يعني إبن مُضَر كلاهما عن إبن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وفي حديث بكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من دونه (أوساخه) شيء؟" قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا." (مسلم ج 5 ص 170).
وكما تمحو الصلوات الخمس خطايا المسلمين فإن ماء الوضوء يغسلها أيضا كما في الحديث: "وحدثنا سويج بن سعيد عن مالك بن أنس، حدثنا أبو الطاهر واللفظ له أخبرنا عبد الله بن وهب عن مالك بن أنس عن سهيل عن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء. فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء. فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب." (مسلم ج 3 ص 1330، مكرر، رواه البخاري أيضا).
والحج أيضا يُطهر المسلمين من خطاياهم كما في الحديث: "حدثنا يحيى بن يحيى وزهير بن حرب. قال يحيى: أخبرنا وقال زهير: حدثنا جرير عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أتى هذا البيت (حج) فلم يرفُث (ينكح النساء) ولم يفسق رجع كما ولدته أمه (أي نقي من الخطايا)." (مسلم ج 9 ص 119).
حسب سنّة محمد، ترديد الحمد والتسبيح يغفر خطايا المسلم وإن كانت هذه الخطايا مثل زبد البحر. يقول الراوي: "حدثني عبد الحميد بن بيان الواسطي أخبرنا خالد بن عبد الله عن سهيل عن أبي عبيد المذحجي، قال: مسلم أبو عبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن عطاء عن يزيد الليثي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سبح الله في دِبر (بعد) كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثا وثلاثين فتلك تسعة وتسعون وقال: "تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك والحمد وهو على كل شيء قدير غُفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر." (مسلم ج 5 ص 95 رواه البخاري أيضا).
وإضافة إلى الفرائض والحمد والتسبيح والتكبير فإن الأعمال الحسنة تساهم في غفران خطايا المسلمين، إلى درجة أن رب محمد يتساهل إلى أبعد حدود التساهل ويتغاضى عن سيئات المسلمين، بينما يضاعف لهم حسناتهم أضعافا حتى تطغى الحسنات على السيئات، ومن الأمثلة على ذلك هذا الحديث: حدثنا أبو مُعمر، حدثنا عبد الوارث حدثنا جعد أبو عثمان حدثنا أبو رجاء العطاري عن إبن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز و جل قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم (نوى على) الحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتبه الله عنده حسنة كاملة، فإن هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة." (البخاري ج 7 ص 220، مكرر، رواه مسلم أيضا).
من الطرق التي يمكن فيها للمسلم كسب الحسنات بلا حدود هي روث الخيل وأبوالها ومواطئ أقدامها والعشب الذي تأكله والماء الذي تشربه كما في الحديث: "وحدثني سويد بن سعيد حدثنا حفص يعني إبن ميسرة الصنعاني عن زيد بن أسلم أن أبا صالح ذكوان أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول (حديث طويل)... قيل يا رسول الله فالخيل (أي ما أمر الخيل) قال (محمد): "الخيل ثلاثة فهي لرجل وزر وهي لرجل ستر و هي لرجل أجر. فأما التي هي وزر فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء (عداء) على أهل الإسلام فيه له وزر. وأما التي هي ستر فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينسَ حق الله في ظهورها ورقابها فهي ستر. وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام لأهل الإسلام في مرج وروضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة في شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طولها (رسنها) فاستنّت شرفا أو شرفين (رفعت يديها شوطا أو شوطين) إلا كتب الله عدد آثارها وأرواثها حسنات، ولا مر صاحبها على نهر فشربت منه وهو لا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات" قيل يا رسول الله فالحمر (الحمير)؟ قال: "ما أنزل علي في الحُمر شيء إلا هذه الآية الفاذة (القليلة النظير) الجامعة "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره." (مسلم ج 7 ص 64، مكرر، رواه البخاري أيضا). لا بد لنا من التعليق هنا. لم يعد الناس يقتنون الخيول ويستعملونها في الأسفار والغزو والجهاد في سبيل الله. كثيرون من المسلمين يقتنون السيارات اليوم بدل الخيول. فماذا إذا "ربط" المسلم سيارته للمسلمين للجهاد في سبيل الله وقتال الكفار؟ هل يحسب الله للمسلم حسنات بقدر ما تستهلكه من قطرات البنزين والزيوت والسوائل الأخرى؟ هل يحسب ما تقطعه من أميال حسنات؟ هل تُحسب الغازات العادمة (مقارنة بالروث والبول) التي ينفثها العادم حسنات؟ هل تنازل رب محمد إلى هذا المستوى بحيث يحصي أرواث وأبوال وآثار أقدام الخيول، وربما عوادم سياراتهم ويحسبها حسنات يُكفر بها عن خطايا وذنوب محمد والمسلمين؟ حقا لا يجد المرء مثل هذا الهراء إلا في دين محمد والإسلام.

يعتبر المرض والألم في سنّة محمد وسيلة أخرى من وسائل غفران الخطايا. يُروى الحديث التالي عن محمد أثناء مرضه: "حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن عبد الله رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه وهو يُوعَك (يتألم) وعكا شديدا وقلت: إنك لتوعك وعكا شديدا، وقلت إن ذاك بأن لك أجرين، قال: "أجل ما من مسلم يصيبه أذى إلا حاتّ (أسقط) الله عنه خطاياه كما تَحات ورق الشجر." (البخاري ج 7 ص 4، مكرر، رواه مسلم أيضا).
في حديث آخر نهى محمد امرأة عن سب الحمى لأن الحُمّى تُكفّر عن الخطايا كما في الحديث: "حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد بن زُريع، حدثنا الحجاج الصّواف حدثني أبو الزبير، حدثنا جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم السائب أو أم المُسَيّب، فقال: "مالك يا أم السائب أو أم المُسيّب تُزفزفين (ترتعدين وترتعشين)؟" قالت: الحمى لا بارك الله فيها. فقال: "لا تسبّي الحمى فإنها تُذهب خطايا بني آدم كما تُذهِب الكير خُبت الحديد." (مسلم ج 16 ص 131).
وفي حديث آخر شامل يذكر محمد أن كل ألم يصيب المسلم حتى لو وخز شوكة يكفّر عن خطاياه: "حدثني عبد الله حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا زهير بن محمد بن عمرو بن حلحلة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما يصيب المسلم من نصب (تعب) ولا وَصَب (ألم) ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها (يوخزها) إلاّ كفّر الله بها عن خطاياه." (البخاري ج 7 ص 3).
تحميل خطايا المسلمين على اليهود والنصارى:
إذا لم تكن شفاعة محمد والصلاة والصوم والحج والزكاة والجهاد ومضاعفة الحسنات أضعافا مضاعفة وروث الخيل وأبوالها والمرض والحمى والغم والأحزان ووخز الشوك كافية، فإن رب محمد يطرح ما تبقى من خطايا محمد والمسلمين وآثامهم على اليهود والنصارى حتى لو كانت خطايا المسلمين مثل الجبال كما جاء في الحديث: "حدثنا محمد بن عمرو بن عباد بن حبلة بن أبي رواد، حدثنا خزمي عن عمارة، حدثنا سواد أبو طلحة الراسي عن غيلان بن جرير عن أبي بُردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب مثل الجبال فيغفرها الله لهم ويضعفها على اليهود والنصارى" (مسلم ج 17 ص 87). يا لها من نكتة تافهة. وفي حديث آخر يقول محمد بأن ربه يفدي كل مسلم بيهودي أو نصراني كما في الحديث: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسامة عن طلحة بن يحيى عن أبي بُردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم القيامة دفع الله عز وجل إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول: هذا فكاكك من النار أو كما في حديث آخر: لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديا أو نصرانيا." (مسلم ج 17 ص 85). هل بإمكانك أن تجد ضلالة أشنع من هذه، مسنود بأكذوبة سخيفة تظهر الحقد العنصري الذي كان يلهب ويثير محمد.
حقا إن مثل هذا الاعتقاد الأثيم قد حط من كرامة الله وقداسته وعدله. لم يُسمع قط قبل محمد أن الله يُحمل خطايا بعض الناس على غيرهم. إن ما يُعبّر عنه محمد هنا هو مدى البغضاء والكراهية لليهود والنصارى إلى درجة اعتبارهم ذبائح كفارية تُقدّم على مذبح المسلمين للتكفير عن ذنوبهم وآثامهم. إن مثل هذا التعليم هو ما يؤدي إلى كراهية المسلمين حتى وهم في سن الطفولة لليهود والمسيحيين حتى يومنا هذا. وبالتالي القيام باضطهادهم وإذلالهم وقتلهم وتهجيرهم من ديارهم كلما سنحت الفرصة حتى الساعة. وذلك على الرغم من ادعاء دُعاة الإسلام وأبواق دعايتهم بالعكس بأن الإسلام هو دين العدل والمحبة والتسامح. على أي حال، نلاحظ في ما سبق تسهيل الغفران للمسلمين إلى ما لا حدود، حتى يبدو من تعليم محمد أنه يُشجع المسلمين على ارتكاب الآثام والذنوب لأنها بكل سهولة ستسيل مع ماء الوضوء وتتساقط كأوراق الشجر وإن بقي منها شيء فسوف يضع رب محمد ما بقي على اليهود والمسيحيين. وهكذا فإننا لا نجد حاجة لاعتراف المسلم بخطاياه والندامة عليها والتوبة عنها.


محمد والخطية والغفران:
بعد أن ذكرنا ما ذكرنا بقي علينا أن نذكر دور الخطية والغفران في حياة محمد. لقد حصل محمد على معاملة خاصة من ربه في أمور كثيرة، وهكذا نال محمد وعدا خاصا من ربه إذ وعده سلفا أن يغفر له ما تقدم وما تأخر من خطاياه ويهديه إلى الصراط المستقيم كما في الآية: "ليغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويُتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما." (الفتح: 2). كذلك يُشجع رب محمد نبيّه على أن يستغفر لنفسه ويستغفر للمسلمين أيضا كما في الآية "فاعلم أن لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين وللمؤمنات والله يعلم منقلبكم ومثواكم." (محمد: 18).
لقد أدرك محمد ضعفه البشري وأنه إنسان خاطئ يحتاج إلى غفران خطاياه وذنوبه، وذلك على الرغم من الادعاء المناقض والذي يقول بعصمة محمد ونزاهته. وإن كان معصوما ونزيها فلماذا جاء في القرآن أنه ينبغي على محمد أن يستغفر لذنوبه ، ولماذا وردت الكثير من الأحاديث التي يتضرّع فيها محمد إلى ربه طالبا غفران خطاياه وآثامه كما في الحديث التالي: "حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا عُمارة بن القعقاع قال: حدثنا أبو زَرعةَ قال: حدثنا أبو هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت عن التكبير والقراءة اسكاتة – قال أحسبه قال هنيهة – فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إسكاتتك (صمتك) بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد." (البخاري ج 1 ص 224، مكرر، رواه مسلم أيضا).
من الأحاديث الأخرى التي تصف تثقل نفس محمد بالخطية والإثم هذا الحديث الجامع: "حدثنا عُبيد الله بن معاذ العُنيزي، حدثنا أُبي، حدثنا شعبة عن أبي اسحاق عن أبي مُردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهذا الدعاء "اللهم اغفر لي خطيتي وجهلي واسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي جدّي وهزلي وخطيتي وعمدي وكل ذلك عندي. اللهم اغفر لي ما قدمتُ وما أخرتُ وما أعلنت وما أنت أعلم به مني. أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير." (مسلم ج 17 ص 39).
يبدو أن محمدا لشعوره بثقل خطاياه وآثامه كان يُكثر من التوبة وطلب الغفران إلى درجة أنه كان يتوب كل يوم ما بين سبعين ومائة مرة حسب الأحاديث المختلفة والتي منها هذا الحديث: "حدثنا أبو شيبة، حدثنا غندر عن شُعبه عن عمرو بن مرة عن أبي بردة قال: سمعتُ الأغر وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحدث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإنني أتوب في اليوم مائة مرة." (مسلم ج 17 ص 23، رواه البخاري و إبن كثير أيضا). بحسب الظاهر كان يوم محمد أطول بكثير من أربعة وعشرين ساعة ليستطيع أن يقوم بكل نكاحاته وصلواته واستلام الوحي وإملائه الوحي للكتبة وقيامه بزيارات للصحابة وحديثه وغزواته.
بعد كل ما ذكرنا عن طلب محمد للغفران وابعاد خطاياه عنه وغسلها وتوبته، نجد أن المسلمين ينسبون إلى محمد صفات خيالية من الكمال. وفي حوار مع أحد المسلمين قال لي: كان محمد نورا قبل ولادته، وكان نورا بعد ولادته، وهو نور بعد موته. إن هذه الصورة التي يحاول المسلمون اظهار محمد بها فهي بعيدة كل البعد عن الواقع الذي يصوره لنا القرآن والحديث والسيرة. إذا كان محمد يتمتع بهذا الكمال والنورانية فلماذا يقول له ربه: "وثيابك فطهّر والرجز (الأصنام) فاهجر." (المدثر: 4 و5)، ويقول أيضا "ووجدك ضالا فهدى" (الضحى: 7)، وأيضا "ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك (ذنبك) الذي أنقض ظهرك." (الانشراح: 1-3). إذا كان محمد نورا كما يدعي المسلمون فهو لم يحتج أن يطلب الغفران والهدى وغسل خطاياه والتوبة. وإذا كان محمد لم يفعل أي ذنب أو خطية كما يدعون فعن ماذا كان يتوب كل يوم سبعين أو مائة مرة؟ ولماذا احتاج اله محمد أن يغفر لمحمد ذنوبه وخطاياه المتقدمة والمتأخرة؟ 3- الأمراض والآلام:


المصير المجهول:
بعدما استعرضنا وسائل الغفران في الإسلام وطلب محمد للتوبة والغفران. يجد الدارس أنه على الرغم من كل التسهيلات المقدمة للمسلمين لمغفرة خطاياهم مثل مضاعفة حسناتهم وغسل خطاياهم بماء الوضوء ومحوها بالحمد ووخز الشوك، فإن المسلم بما في ذلك محمد يبقى جاهلا لمصيره دون ضمان أو تأكيد كما علّم محمد وأصحابه في الحديث.
إن محمدا نفسه لم يكدْ يدري ما هو مصيره. يقول الراوي: "حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن أم العلاء امرأة من الأنصار بايعت النبي صلى الله عليه وسلم – اخبرته أنه أقسم (قسّم) المهاجرون قرعة فطار لنا (وقع من نصيبنا) عُثمان بن مظعون فأنزلناه في أبياتنا فوجَع (مرض) وجعه الذي توفي فيه. فلما تُوفي وغُسل وكُفن في أثوابه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: رحمة الله عليك يا أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وما يدريك أن الله أكرمه؟" فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال عليه السلام: "أما هو فقد جاءه اليقين والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي." قالت: فوالله لا أزكي أحدا بعده أبدا." (البخاري ج 2 ص 379، مكرر). وهناك أحاديث أخرى كثيرة في هذا الشأن. نختار منها الحديث التالي الذي يؤكد فيه محمد أنه لا يستطيع أن يضمن مصير أحد من المسلمين ولا مصيره هو إلا أن يرحمه ربه. "حدثنا قُتيبة بن سعيد، حدثنا حماد "يعني إبن زيد" عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أما من أحد يُدخله عمله الجنة. فقيل ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني ربي برحمة." (مسلم ج 17 ص 159، مكرر، رواه البخاري أيضا).
عزيزي القارئ، نترك معك في نهاية هذا المقام بعض الأفكار للتأمل فيها. هل يرضى أحدكم أن يسافر إلى مدينة فيها كل ما لذّ وطاب وهو لا يعلم علم اليقين أن الطريق سيوصله في النهاية إلى تلك المدينة المنشودة، مع الاحتمال أنه ربما سيهلك في الطريق؟ ألا يُفضل أحدكم أن يسير في طريق واضحة المعالم ومحددة الاتجاه وبأنها مضمونة ومن المؤكد أنها ستوصله في النهاية إلى الهدف المنشود؟ ألا يُفضّل أحدكم أن يعرف مصيره الأبدي منذ بداية الطريق مع التأكيد بأن هذا الطريق سيوصله إلى السماء وليس إلى مكان آخر؟ بعد كل ما قرأنا نستنتج أخيرا وبوضوح كامل أن محمدا وربه لم يُقدما أي ضمان أو تأكيد لمن يسير في طريق الإسلام. كل ما يُقدمه الإسلام بعد الصلاة والوضوء والصوم والحج والحسنات ووخز الشوك وروث الخيل وبولها وربما بنزين السيارات هو "الله أعلم" و" لعلى وعسى". إذا لا شك أن هناك طريقا أفضل.


الخطية والغفران في المسيحية:
نأتي الآن لتحليل موقف المسيح والإنجيل من الخطية والغفران بعدما ناقشنا ما يُعلمه محمد والإسلام في هذا الشأن، مبتدئين بالخطية.
الخطية:
إن مفهوم الخطية يختلف اختلافا كليا عما سبق وذكرناه في الإسلام. فالمسيحية لا تفترض أن جميع الناس يولدون حنفاء صالحين ثم تغويهم الشياطين، وإنما على العكس من ذلك تماما فإن جميع الناس يولدون وهم خطاة. إن الإسلام ينظر إلى الخطية على أنها فعل عارض, أما المسيحية فتنظر إلى الخطية على أنها قبل كل شيء وفي الدرجة الأولى حالة وفي الدرجة الثانية هي فعل. وعليه ، فإن الإنسان لا يُعتبر خاطئا لأنه ارتكب ذنبا أو إثما، وإنما هو يرتكب الآثام والذنوب لأنه أصلا خاطئ كما يقول داود النبي : "هأنذا بالإثم صُورت وبالخطية حبلت بي أمي" (مزمور 51: 5)، وعنده استعداد فطري لارتكاب الآثام والذنوب متى سنحت له الفرضة بذلك.
ولكي يتضح الأمر دعونا نعود إلى الوراء، إلى بدء الخليقة وإلى قصة سقوط أبوينا الأولين آدم وحواء. عندما خلق الله آدم وحواء ووضعهما في الجنة كانا في ما نسميه حالة البراء ة الأولى. كانت طبيعتهما البشرية غير ملوثة بعد بمكروب الخطية. كانا في صورة جميلة نقية وفي حالة سعادة سماوية لا يشوبها أي مكدّر أو منغِص. ولكن عندما سقط آدم وحواء في الخطية لعصيانهما وصية الله تغيّرت الطبيعة البشرية من حالة البراءة الأولى إلى حالة السقوط والخطية. لقد تمركزت جرثومة الخطية في الطبيعة البشرية بحيث يعيش الإنسان تحت نير العبودية لهذه الطبيعة الساقطة. وبذلك ورث نسل آدم وحواء الطبيعة الساقطة كما يرث المولود صفاته الأخرى من أبويه. لو كان نسل آدم وحواء الأول وُلد في حالة البراءة الأولى لعاد هذا النسل تلقائيا إلى الجنة ولكان البشر جميعا في الجنة ولما كانت هناك حاجة لا لنوح ولا لإبراهيم ولا لموسى ولا للمسيح أو لأي كائن آخر. لكن للأسف أصبحت الخطية مع السقوط متأصلة في الطبيعة البشرية ولا يمكن استئصالها لا بأعمال حسنة ولا بصوم ولا بصلاة ولا بحج ولا بماء وضوء. ورد الإنجيل بهذا الخصوص: "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع." (رومية 12:5).
وجاء أيضا: "كما هو مكتوب أنه ليس بار ولا أحد. ليس من يفهم ليس من يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معا. ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد" (رومية 3: 10-12). يستمر الإنجيل بالقول "إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله. " (رومية 3: 23).
هذه إذاً هي مصيبة البشرية: حالة الخطية الساكنة في الطبيعة البشرية وأجسادهم، والتي تدفع الإنسان إلى أن يرتكب الشرور والآثام وبالتالي تجعله عبدا للشيطان. إذا كان الأمر كذلك فما هو العلاج لهذه المصيبة البشرية؟ العلاج كما يعلمنا الإنجيل لا يقتصر على مجرد مجموعة من الوصايا والفرئض والأوامر والنواهي. إن مجرد المجيء بمجموعة جديدة من الوصايا والفرائض والأوامر والنواهي ليس له أي فائدة ولا قيمة، حيث أن ذلك لن يؤثر على الطبيعة البشرية الساقطة. إذاً ما هو الحل؟ العلاج الوحيد والذي يقدمه الإنجيل للمأساة البشرية هو أن الإنسان لا يحتاج إلى وصايا جديدة وفرائض جديدة، وإنما يحتاج إلى تغيير طبيعته والحصول على طبيعة جديدة. طبعا لا يمكن الحصول على هذه الطبيعة إلا من الله الذي هو وحده يمكن أن يغير الطبيعة البشرية، لأنه هو الذي خلقها، وهذا يأتي بنا إلى الوجه المقابل للخطية ألا وهو الغفران.


الغفران:
كما أن مفهوم الخطية في المسيحية يختلف عن المفهوم الإسلامي اختلافا جذريا، كذلك مفهوم الغفران في المسيحية يختلف أيضا اختلافا جذريا وجوهريا عن المفهوم الإسلامي.
الغفران في المسيحية لا يقوم على أساس الأعمال والحسنات والسيئات. بل الغفران كما يُعلم الإنجيل يقوم على أساس ما فعله الله من أجلنا بواسطة شخص يسوع المسيح. وما فعله من أجلنا يتجلى في ولادته وموته على الصليب وقيامته من بين الأموات. ولم يكن الهدف مما فعله المسيح مجرد مسامحة الإنسان على خطاياه وإنما تغيير الطبيعة البشرية تغييرا جذريا من الداخل، بحيث يصبح من آمن بالمسيح خليقة جديدة وإناسا جديدا.
الإنسان يحتاج إلى هذا التغيير في طبيعته، لأن الإنسان في طبيعته الساقطة لا يستطيع الوقوف أمام الله البار القدوس مهما كانت عنده من الحسنات. إن الإنسان الذي يحاول إرضاء الله والحصول على غفرانه بالأعمال الحسنة يشبه من يُقدم تفاحة قد فسدت بيد قذرة إلى الملك. فهل يقبل الملك تلك التفاحة من يده؟ والكتاب المقدس يقول: "وقد صرنا كلنا كنجس ، وكثوب عدة (خرق بالية) كل أعمال برنا." (إشعياء 64: 4) وهكذا إن من يحاول تقديم أعمال حسنة لله لنوال غفرانه ورضاه إنما يقدم حسنات بطبيعة ساقطة وقذرة. فهل يقبل الله القدوس، ملك الملوك ورب الأرباب، هذه الحسنات؟ الجواب على ذلك كلا ثم كلا، لأن هذه الأعمال ستكون ملوثة بالفساد والقذارة التي تنبع من قلب الإنسان النجس. والله القدوس لا يمكن أن يقبل أعمالا حسنة ملطخة وملوثة بالقذارة. إن كل من يعتقد أن الله يقبل الحسنات المقدمة له بالقذارة والفساد إنما هو على خطإ مبين وجهل برب العالمين ، لأن الله قد حكم حكما قاطعا بأن أجرة الخطية مهما كانت صغيرة أو كبيرة هي موت ، ولا صلاة ولا زكاة ولا أعمال حسنة ولا صدقات ولا جهاد ولا وضوء أو أي عمل آخر يستطيع أن يساعد لغفرانها .
إن الإنجيل على حق لا يُعلى عليه من جهة إدراك عمق معنى الخطية وكيفية غفرانها ومحوها. يعلمنا الإنجيل أن الله لا يمكن أن يغفر لنا ذنوبنا وآثامنا ويقبل أعمالنا الحسنة قبل أن يتم تغيير طبيعتنا الساقطة وتطهيرها. عندئد يقبل الله حسناتنا لأنها مقدمة بطبيعة طاهرة ونقية. السؤال الذي يواجهنا هوكيفية الحصول على هذه الطبيعة النقية؟
في السطور السابقة أشرنا إلى قداسة الله التي ترفض أي فساد. وقبل أن نجيب على السؤال السابق لا بد لنا من الأخذ بعين الاعتبار بعض الوجوه الأخرى لطبيعة الله.
إن الله عادل. قبل أن يغفر الله للإنسان خطيته يجب أن يفي الإنسان بعدالة الله. إن الخطية في نظر الله خاطئة جدا حيث أنها تتضمن كسر وصيته بالتعدي على شريعته الإلهية. لذلك فإن إرضاء عدالة الله بالنسبة للإنسان يعني الموت المحتوم كما جاء في الإنجيل "لأن أجرة الخطية هي الموت" (رومية 23:6). إذا كان الأمر كذلك، فكيف ينجو الإنسان من الموت؟ الطريقة الوحيدة للنجاة هي الفداء. لكن من يستطيع فداء الإنسان؟ هل يمكن وجود إنسان صالح واحد يفدي البشرية جمعاء؟ بالطبع لا. لأن كل إنسان إنما يولد ولادة بشرية من امرأة بعامل الرجل، ومعنى ذلك أنه ذو طبيعة فاسدة ساقطة قد ورثها من آدم، لذلك لا يمكن أن يوجد شخص بشري يستطيع أن يفي بعدالة الله. إذا من يفدي؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال لا بد من الأخذ بعين الاعتبار صفة أخرى من صفات الله لها علاقة وثيقة بالفداء والغفران وهذه الصفة هي المحبة. صحيح أن الله قدوس وعادل، ولكن الله محبة أيضا. على الرغم من سقوط آدم والجنس البشري، فإن الله قد أحب الإنسان لأن المحبة في طبيعته، والإنسان هو موضع محبة الله، والله لا يريد أن يهلك الإنسان و إنما يريده أن يحيا. السؤال الآن هو كيف يمكن لله أن يُظهر محبته للبشر وفي نفس الوقت يُرضي قداسته وعدله؟ وكيف بإمكان العدالة أن تعانق الرحمة؟ مرة أخرى، الطريقة الوحيدة لذلك هي الفداء.
إذا الفداء الذي يمكن أن يفي بعدالة الله وقداسته ويبّين محبته لا يمكن أن يتم بواسطة أي شخص عادي، وإنما يجب أن يتم في شخص يتصف بالكمال التام. إن الشخص الوحيد الذي يمكن أن تتوفر فيه الشروط للوفاء بقداسة الله وعدله ومحبته هو يسوع المسيح، لانه هو الشخص الوحيد الذي يتصف بالكمال التام من دون سائر البشر بما فيهم الأنبياء. إن المسيح حسب ما جاء في الإنجيل ليس بإنسان عاديا أو نبي عادي كباقي الأنبياء. بل المسيح هو شخص إلهي وليس بشريا كآدم كما يدّعي القرآن ادعاءه الخاطئ. في بداية الخليقة خلق الله آدم من تراب خلقا مباشرا دون سابق وجود له حتى يكون مصدرا للجنس البشري. وبعد أن خلق آدم وحواء خلقا مباشرا، لم يكن الله بحاجة أن يخلق أحدا بعدهما خلقا مباشرا حيث صارا الواسطة لخليقة الله بالتناسل الطبيعي. أما أن يخلق الله إنسانا عاديا كما خلق آدم بعد آلاف السنين من التناسل البشري فإن ذلك يكون من باب السخافة والحماقة، إذ أنه لا يوجد هدف ولا غرض لهذا الخلق الاعتباطي. وحاشا أن تنسب لله سخافة أو حماقة. وإنما مثل هذا القول لا شك أنه سخيف. إذاً لم يكن مجيء المسيح خلقا وإنما تجسدا حيث أن الذات الإلهية اتخذت جسدا، وهذا على إلهنا هيّن وعليه فإن المسيح يتمتع بطبيعتين: طبيعة إلهية والأخرى بشرية. والطبيعتان متحدتان في شخص واحد. وذلك واضح من بداية إنجيل يوحنا حيث يقول:"في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله... والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقا." (يوحنا 1: 1و14).
وهكذا كوّن المسيح الإنسان النازل من السماء من الله مباشرة. فإنه أكمل وأطهر وأنقى إنسانا لمست قدماه سطح البسيطة. ولم يكن هذا مجرد صدفة أو عرضا وبلا ولم يأتي لتقديم بعض الوصايا والأوامر والنواهي للناس. ولا بد أن مجيء المسيح إلى هذا العالم بهذه الطريقة الفذة الفريدة كان لقصد إلهي أسمى وأعظم من مجرد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لقد جاء المسيح إلى العالم وصار إنسانا كاملا كي يظهرمحبة الله كلها ويفي بعدله وقداسته، وذلك بتقديم جسده فداء كاملا عن الإنسان، لأنه الشخص الوحيد الذي ليس له مثيل في العالمين من جهة طبيعته وصفاته والذي باستطاعته أن يقوم بعمل الفداء.
لقد جاء المسيح إلى العالم كي يظهر محبة الله التي تتضمن أن الله لا يريد أن يُهلك الإنسان، بل أن ينقذه ويُخلصه كما جاء في الإنجيل "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل إبنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يوحنا 16:3). وجاء أيضا "ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح من أجلنا." (رومية 7:5).
لقد جاء المسيح كي يفي بعدالة الله وقداسته أيضا. لقد سبق وقلنا أن قداسته لا يمكن أن تقبل أي دنس أو نجاسة. لذلك لا يستطيع أي إنسان أن يقف أمامه بطبيعته الساقطة الخاطئة كما وضّحنا قبلا. الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يقف أمام القداسة الإلهية هو المسيح لأن طبيعته طاهرة نقية وسماوية وإلهية ومنبثقة من ذات الله. وأما عدالة الله فإنها تتطلب تسديد الحساب كاملا . وتسديد الحساب بالنسبة للإنسان يعني الموت المحتوم، وليس الموت الجسدي الطبيعي فقط وإنما موتا روحيا أبديا نصيبها حتما جهنم النار. وهكذا جاء المسيح الكامل البار القدوس كي يُقدم ذاته فداء وكفارة عن الجميع كما يقول الإنجيل: "منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح الذي بذل نفسه لأجلنا لكي يفدينا من كل إثم ويطهر لنفسه شعبا خاصا غيورا في أعمال حسنة." (تيطس 2: 13-14). نلاحظ هنا أن المسيح بذل نفسه ولم يعد المسيحيين أن يضع خطاياهم على اليهود واليونانيين وغيرهم من الوثنيين. فهذا العمل لا يليق بشخص الله المبارك. ويستحق المسيح أن يكون فداء للعالم لأنه هو وحده الذي لم توجد فيه الخطية ولم يحتَج لغفران لأن لم يكن له ما تقدم وما تأخر من ذنوب ولم يحتج أن يتوب ولا حتى مرة واحدة ، فكم بالحري كمحمد الذي كان يتوب كل يوم سبعين أو مائة مرة. لقد تحدى المسيح البشرية كافة عندما قال: "من منكم يبكتني (يدينني) على خطية" (يوحنا 46:8). وهكذا اجتاز المسيح اختبار قداسة الله وعدله، واستحق أن يقدم ذاته فداء وكفارة عن الإنسان، وذلك أثمن من كل كنوز العالم. لقد عبر المسيح عن عمله الكفاري بهذه الكلمات التي لا مثيل لها في في أي دين من الأديان أو في أي فلسفة عرفها البشر: "أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم." (يوحنا 51:6). لقد بذل محمد اليهود والنصارى لفداء المسلمين، أما المسيح فقد بذل نفسه من أجل العالم. نعم أخي القارئ وأختي القارئة لقد بذل المسيح نفسه من أجلي وأجلكم.
وبعد أن وضّحنا عمل الفداء في المسيحية نعود إلى موضوع الغفران. كيف يمكن الحصول على الغفران والطبيعة الجديدة التي تحدثنا عنها سابقا؟ كي يحصل الإنسان على الغفران والتغيير في طبيعته الداخلية يجب عليه الإيمان بالمسيح. وهذا لا يعني مجرد الإيمان أن المسيح هو أحد الأنبياء الصالحين، وإنما يجب الإيمان بشخصه الإلهي الفائق، حيث يقول الإنجيل: "وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة كُرز به بين الأمم أومن به في العالم رُفع في المجد" (تيموثاوس الأولى 16:3).
ثم يجب أن نؤمن الإيمان الكامل بعمله الفدائي الكفاري من أجل الإنسان ويشمل ذلك موت المسيح على الصليب وقيامته من بين الأموات في اليوم الثالث وصعوده إلى السماء. ثم يجب القبول الشخصي لعمل المسيح الفدائي مشفوعا بالاعتراف بالخطية والتوبة. وهكذا كل من يؤمن بهذا الإيمان ويقبل هذا القبول يصبح إبنا لله بحيث يولد ولادة روحية من الله ويحصل على طبيعة جديدة كما يقول الإنجيل: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون بإسمه (اسم المسيح) الذين وُلِدوا ليس من دم ولا مشيئة رجل بل من الله" (يوحنا 1: 12-13). هذا الإيمان وهذا القبول يحدث تغييرا روحيا عجيبا في طبيعة الإنسان بحيث تتحول النجاسة إلى قداسة والكره والحقد إلى محبة حتى للأعداء كما جاء في الإنجيل: "إذاً إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديدا." (كورنثوس الثانية 17:5).
والآن ماذا بعد الغفران والطبيعة الجديدة؟ هل يبقى المؤمن المسيحي يخطئ ويطلب الغفران والله يغفر له؟ لقد رأينا قول محمد بأن الخطية ضرورية في الإسلام، بحيث أن المسلم يبقى يخطئ ويطلب الغفران، وهكذا يفرح الله بعبيده الخطاة الذين يطلبون الغفران، لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة لكي يُطهر الله رحمته لعبيده. وبعكس مما علّم به محمد فإن المؤمن المسيحي لا يعود بعد عبدا للخطية بل حرا من الخطية، والخطية لا تسود عليه، كما نقرأ في الإنجيل: "فماذا نقول أنبقى في الخطية لكي تكثر النعمة (الرحمة) حاشا. نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها؟ أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته. فدُفنا معه بالمعمودية للموت. لأنه كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الله هكذا نسلك نحن أيضا في جدة الحياة. لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضا بقيامته. عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليُبطل جسد الخطية كي لا نعود نُستعبد للخطية." (رومية 6: 1-6). لذلك لا يحتاج المؤمن بالمسيح أن يخطيء ويخطيء ثم يطلب المغفرة حتى يغفر له الله برحمته. أما إن وقع المؤمن المسيحي في الخطية عرضا، فإن شفاعة المسيح القائمة على عمله الكفاري تكفي للغفران حسب ما جاء في الإنجيل: "يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا، وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا العالم أيضا." (يوحنا الأولى 1:2-2).
هذا عن المؤمن بالمسيح، فماذا عن المسيح نفسه؟ لقد سبق وقلنا الكثير عن المسيح. إن من يقرأ الإنجيل لن يجد المسيح قط يطلب الغفران لنفسه. لا بل على العكس من ذلك نجد في الإنجيل في كثير من المناسبات يتصرف فيها المسيح كالله، ويغفر الخاطايا للناس مما جلب غضب اليهود ونقمتهم عليه كما هو واضح من القصة التالية: "وفي أحد الأيام كان يُعلم وكان فريسيون ومعلمون للناموس (علماء اليهود) جالسين وهم قد أتوا من قُرى من الجليل واليهودية وأورشليم. وكانت قوة الرب لشفائهم. وإذا برجال يحملون على فراش إنسانا مفلوجا وكانوا يطلبون أن يدخلوا به ويضعوه أمامه. ولما لم يجدوا من أين يدخلون به لسبب الجمع صعدوا على السطح ودلّوه مع الفراش من بين الأجر إلى الوسط قدام يسوع. فلما رأى إيمانهم قال له أيها الإنسان مغفورة لك خطاياك. فابتدأ الكتبة والفريسيون يفكرون في قلوبهم قائلين من هذا الذي يتكلم بتجاديف؟ من يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده. فشعر يسوع بأفكارهم وأجاب وقال لهم ماذا تفكرون في قلوبكم. أيما أيسر أن يقال مغفورة لك خطاياك أم أن يُقال قم وامشي. ولكن لكي تعلموا أن لإبن الإنسان سلطان على الأرض أن يغفر الخطايا قال للمفلوج لك أقول قم واحمل فراشك واذهب إلى بيتك. ففي الحال قام أمامهم وحمل ما كان مضطجعا عليه ومضى إلى بيته وهو يمجد الله." (لوقا 17:5-25). وبهذا تتضح لنا الآية في الأنجيل التي تقول: "الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله . لكنه أخلى نفسه آخذا صور عبد صائرا في شبه الناس . وإذ وُجد في الهيئة كإنسان ، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب . لذلك رفّعه الله وأعطاه اسما فوق كل اسم ، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء من فوق ومن على الأرض ومن تحت الأرض ، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب."(فيلبي 2: 6-11).
بعد هذا كله يتضح للقراء الأعزاء أن هناك فرق شاسع جدا بين الإسلام والمسيحية فيما يتعلق بالخطية والغفران. لذلك لا يمكن أن يكون التعليمان من نفس المصدر. فإذا كان أحد التعليمين من الله فلا يمكن أن يكون التعليم الآخر من الله، لأن الله لا يناقض نفسه. إذاً عليك أيها القارئ العزيز أن تحكم أي التعليمين هو من الله، وأيهما أفضل وأجل وأسمى مع رجائي أن تستمتعوا بقراءة الفصل اللاحق.

إستمع واقرأ الإنجيل