سيرة محمد الشخصية

سيرة محمد الشخصية
نبدأ بالناحية الايجابية فى شهادة القرآن :

يقول : " ن ، و القلم و ما يسطرون ، ما أنت بنعمة ربك بمجنون ! و ان لك لأجرا غير ممنون ! و انك لعلى خلق عظيم " ( القلم 1 – 4 ) . أجل انه لخلق عظيم تحمل اعباء الدعوة بين المشركين ، فى سبيل التوحيد .
و يقول : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم ، بالمؤمنين رؤوف رحيم " ( التوبة 128 ) ، " فبما رحمة من الله لنت لهم : و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " ( آل عمران 159 ) . ان غيرة محمد على انقاذ بنى قومه من الشرك ، و حكمهم فى الاسلام لله ، جعلته من " أولى العزم " من المرسلين . و ان غيرته على ايلاف المؤمنين تظهر فى لينه بمعاملتهم .
فكان سراجا منيرا فى جاهلية العرب : " يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا الى الله بإذنه ، و سراجا منيرا " ( الأحزاب 45 – 46 ) .
و كان برسالته رحمة : " و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " ( الأنبياء 107 ) ، يكفهم عن الشرك بدعوته : " و ما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا و نذيرا " ( سبأ 28 ) .


أما الناحية السلبية التى يشهد لها القرآن فهى :
أولا : حب السيطرة و التمتع بطيبات الحياة فطرة فى الإنسان خضع لها محمد
1 – فالقرآن يردعه عن السيطرة على المؤمنين : " فذكر إنما أنت مذكر ! لست عليهم بمصيطر " ( الغاشية 21 – 22 ) . و يأمره : " و اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " ( الشعراء 215 ) ، " و من تولى ، فما أرسلناك عليهم حفيظا " ( النساء 80 ) ، " و ما جعلناك عليهم حفيظا ، و ما أنت عليهم بوكيل " ( الانعام 107 ) .
2 – و القرآن يردعه عن الغيرة من سلطان الزعماء و ثرائهم : " لا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجا منهم ! و لا تحزن عليهم ! و اخفض جناحك للمؤمنين ! " – الحجر 88 ) . فقد كان يريد مثلهم زينة الحياة الدنيا : " و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشى يريدون وجهه . و لا تعد عيناك عنهم ، تريد زينة الحياة الدنيا " ( الكهف 28 ) .
3 – أجل كان النبى يدعو الى الزهد بالدنيا فى سبيل الآخرة ، لكنه كان يدعو أيضا إلى أن يأخذ الانسان نصيبه من الحياة الدنيا . فدعوة الزهد فى القرآن " أمة وسط " بين الروحانية المفرطة و بين المادية المفرطة . فهو يسير ما بين افراط و تفريط .
لكن الدعوة القرآنية للتمتع بطيبات الدنيا لا حد لها : " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ، و اشكروا الله ، إن كنتم إياه تعبدون " ( البقرة 172 ) ، " يسألونك : ماذا أحل لهم ؟ قل : أحل لكم الطيبات " ( المائدة 4 ) . فالمبدأ العام فى الدعوة القرآنية : " اليوم أحل لكم الطيبات " ( المائدة 5 ) . و يمن عليهم ان الله بالاسلام " أيدكم بنصره و رزقكم من الطيبات " ( الأنفال 26 ) .
و الدعوة القرآنية للتمتع بطيبات الدنيا تزيد على الدعوة التوراتية يقول : " يا بنى اسرائيل ... كلوا من طيبات ما رزقناكم ، و لا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى " ( طه 80 – 81 ، قابل البقرة 57 ) ، " و لقد بوأنا بنى اسرائيل مبوأ صدق و رزقناهم من الطيبات " ( يونس 93 ) ، كما " لقد كرمنا بنى آدم ... و رزقناهم من الطيبات " ( الاسراء 70 ) . أجل " و لقد آتينا بنى اسرائيل الكتاب و الحكم ( الحكمة ) و النبوة ، و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على العالمين " ( الجاثية 16 ) . فقد كرم الله بنى إسرائيل بالكتاب و النبوة ،
و الطيبات من الرزق ، و التفصيل على العالمين : فكانوا بذلك مثالا للمسلمين : " ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ، و لا تتبع أهواء الذين لا يعلمون " أى المشركين ( الجاثية 18 ) . فالمبدأ العام فى القرآن : " يا أيها الرسل ، كلوا من الطيبات ، و اعملوا صالحا ، إنى بما تعملون عليم " ( المؤمنون 51 ) .
لذلك من أهداف الدعوة القرآنية على لسان النبى الأمى لأهل الكتاب أنه " يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحل لهم الطيبات ، و يحرم عليهم الخبائث و يضع عنهم اصرهم و الأغلال التى كانت عليهم " ( الأعراف 157 ) ، لأنه " بظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم " ( النساء 160 ) . فالقرآن يزيد على التوراة فى تحليل الطيبات و زينة الحياة الدنيا ، و يخصها بالمؤمنين يوم القيامة : " قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده ، و الطيبات من الرزق ؟ قل : هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا ، خالصة يوم القيامة " ( الأعراف 32 ) . لذلك ختم الدعوة القرآنية بقوله : " اليوم أحل لكم الطيبات " على الاطلاق ( المائدة 5 ) .
4 – و القرآن يزخر بمظاهر " بشرية " الرسول العربى : منها تبرم النبى بضعاف المؤمنين : " عبس و تولى أن جاءه الأعمى ... ! أما من استغنى فأنت له تصدى ... ! و أما من جاءك يسعى و هو يخشى فأنت عنه تلهى ! " ( عبس 1 – 10 ) .
و منها طرد فقراء المؤمنين بحضرة صناديد قريش : " و لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة و العشى يريدون وجهه ! ما عليك من حسابهم من شىء ! و ما من حسابك عليهم من شىء ، فتطردهم ، فتكون من الظالمين " ( الانعام 52 ) . قال الجلالان : كان المشركون طعنوا فى حقارة جماعته الأولى و طلبوا منه أن يطردهم ليجالسوه ، و أراد النبى صلعم ذلك طمعا فى إسلامهم ، فعاتبه ربه هذا العتاب القاسى .
و منها قهر اليتيم و نهر السائل : " فأما اليتيم فلا تقهر ! و أما السائل فلا تنهر ! " ( الضحى 9 – 10 ) . هل حدث ذلك مرة واحدة أم أكثر ؟
و منها الدعاء و الهزء بعمه أبى لهب و زوجه : " تبت يدا أبى لهب ، و تب ! ما أغنى عنه ماله و ما كسب : سيصلى نارا ذات لهب ! و امرأته حمالة الحطب ، فى جيدها حبل من مسد " ( سورة تبت أو اللهب ) .
و منها ما رد شتيمة على قائلها : " إنا أعطيناك الكوثر ، فصل لربك و انحر ! إن شانئك هو الأبتر ! " ( الكوثر كلها ) . قال الجلالان : " نزلت فى العاص بن وائل : سمى النبى صلعم أبتر ، عند موت ابنه القاسم " .
5 – و ينقل الاستاذ السمان ( 1 ) ، عن السيرة و الحديث بعض " طبائع و غرائز " .
كان أحيانا يغضب و يدعو على المؤمنين : " اللهم إنما أنا بشر أغضب و آسف ، كما يغضب البشر ! فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه فاجعلها له رحمة " .
فى مفاجأته بمعركة بدر يصلى و كأنه يتحدى ربه : " اللهم إن تظهر هذه العصابة ، يظهر الشرك ، و لا يقم لك دين " !
و فى غزوة بئر معونه قتل نحو سبعين من قراء القرآن ، فانفعل كثيرا ، ظل يبدأ صلاة الصبح بضع عشرة ليلة بهذا الدعاء : " اللهم اشدد وطأتك على مضر ! اللهم عليك ببنى لحيان ، و زغب و رعل و ذكوان و عصية ! فإنهم عصوا الله و رسوله " .
و اعتبر عمر بن الخطاب و زعماء المسلمين صلح الحديبية إهانة لكرامتهم . فأخذ عمر يقول للرسول على مشهد من الناس : لم نعطى الدنية فى ديننا ! و حين أمر الرسول بالرحيل ، لزم عمر يرددها عليه ثلاثا ، فأجابه عند الثالثة : " ثكلتك أمك يا عمر ! بدرت رسول الله ثلاث مرات ، و كل ذلك و لا يجيبك " !
فى سرية بنى مرة ، قبل الفتح ، قتل أسامة بن زيد نهيك بن مرداس ، بعد نطقه بالشهادة : لا إله إلا الله . و بلغ الخبر محمدا ، فقال لأسامة ! و قد قال : لا إله إلا الله ؟ فجعل أسامة يقول : انما قالها تعوذا من القتل . فقال الرسول منفعلا : أفلا شققت عن قلبه ، فتعلم أصادق أم كاذب ؟ هذه غضبة للحق !
و حين فتح مكة بعث النبى خالدا بجيش إلى بنى خذيمة بأسفل مكة . فخافوا و أسلموا . لكن خالدا أسرهم و أمر كل مسلم بقتل أسيره . فاختلف الناس و حدثت مشادة عظيمة أمام الرسول بين خالد بن الوليد و عبد الرحمان بن عوف . فانفعل محمد انفعالا شديدا ، و رفع يديه حتى رؤى بياض ابطه ، و هو يقول : اللهم إنى أبرأ اليك مما صنع خالد !

كان بنو قريظة يبالغون فى المؤامرة على الاسلام ، و قد تحالفوا مع احزاب قريش فى غزوة الخندق ، و لولا دبلوماسية النبى للتفريق بينهم ، لأطبقوا من خارج و من داخل على المسلمين . فلما ارتحلت الأحزاب غزا محمد قريظة و هو يقول لهم : يا اخوة القردة و الخنازير ، و عبدة الطواغيت ، أتشتمونى ! ؟
و بعد غزوة حنين ، فضل " المؤلفة قلوبهم " من قريش بالعطاء ، فقال أحدهم : و الله ان هذه القسمة ما عدل فيها ، و ما أريد بها وجه الله ! فبلغ الخبرالنبى ، فانفعل و أجاب مستنكرا : فمن يعدل ، اذالم يعدل الله و رسوله ؟ ! و فى رواية أخرى ، قال له رجل من بنى تميم : يا رسول الله أعدل ! فقال له الرسول : ويلك ، و من يعدل اذا لم أعدل ؟ قد خبت و خسرت إن لم أكن أعدل ! – إنها الوان من الانفعالات و الثورات النفسية ، حين تمس الكرامة الشخصية .
و فى معركة أحد قتل حمزة عم النبى الذى به و بعمر بن الخطاب أعز الله الاسلام . فثار محمد ثورة عارمة ، و جعل يتوعد بأنه فى سبيل حمزة سوف يمثل بسبعين رجلا منهم . و نسى قول القرآن : " و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " . و مضت ست سنوات كاملة لم تهدأ ثورة محمد فى نفسه . و جاء فتح مكة ، فأهدر محمد دماء و حشى بن جرب قاتل حمزة . ففر إلى الطائف . ثم رجع مسلما مع وفدهم . لكن ما رآه محمد حتى صاح فيه : غيب وجهك عنى " !
و قبل وفاته قرر إرسال بعثة لغزو الروم ، و أمر على رأسها الفتى أسامة بن زيد ، فاستاء كبار المهاجرين و الأنصار ، و أخذ نوع من التمرد يجتاح الجماعة . و كان المرض قد بلغ منه مبلغه . فكابر على نفسه و أتى المسجد و صعد المنبر ، و قد عصب رأسه من شدة الوجع ، و خاطب المسلمين : " فما مقالة بلغتنى عن بعضكم فى تأميرى أسامة ؟ و الله لئن طعنتم فى إمارتى أسامة ، لقد طعنتم فى إمارتى أباه من قبل . و ايم الله ، إن كان للإمارة لخليقا ! و ان ابنه من بعده لخليق للإمارة . و إن كان لمن أحب الناس إلى " . فالنبى يثور و هو على فراش الموت لمخالفة أوامره .
و تلك الانفعالات النفسية الطارئة التى تبلغ حد الغليان و الثورة النفسية ، كانت تتحول أحيانا ، بضغط الظروف ، الى كبت بضيق به صدره ضيقا شديدا . و هنا القرآن

نفسه شاهد عدل . لقد ضايقه المشركون بتحديه المتواصل بآية كالأنبياء الأولين : " فلعلك تارك بعض ما يوحى اليك ، و ضاق به صدرك ، أن يقولوا : لولا أنزل عليه كنز ! أو جاء معه ملك ! إنما أنت نذير ، و الله على كل شىء وكيل " ( هود 12 ) .
و فى عجزه الدائم عن معجزة كان المعارضون يرشقونه بشتى التهم ، و يعجزه العجز عن معجزة ، فيستسلم الى الكبت و الضيق : " و لقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ! فسبح بحمد ربك و كن من الساجدين ، و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين " ( الحجر 97 – 99 ) .
و الصورة الكاملة لخلق النبى هى الدعوة أولا " بالحكمة و الموعظة الحسنة " بمكة حيث كان طريدا شريدا بين بنى قومه ، ثم الدعوة بالمدينة ، فى حمى المهاجرين و الأنصار ، بالجهاد ، " و الحديد فيه بأس شديد و منافع للناس " ( الحديد 25 ) . و قوله : " و انك لعلى خلق عظيم " ، " و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " كأنه يقصد بها جماعته لا غيرهم من الناس : " يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ، و ليجدوا فيكم غلظة ، و اعلموا أن الله مع المتقين " ( التوبة 123 ) . و هو يصور واقع الحال بقوله : " محمد رسول الله ، و الذين معه ، أشداء على الكفار ، رحماء بينهم ! " ( الفتح 29 ) ، " فلا تطع الكافرين و جاهدهم به جهادا كبيرا " ( الفرقان 52 ) .
و الحديث الذى يصفه خير وصف هو : انه " نبى الملحمة " ! و انه " نبى المرحمة " ! و كلاهما يتعارضان .


ثانيا : أزمات محمد النفسية
عقد الاستاذ دروزة فى ( سيرة الرسول ) فصلا قيما فى " الأزمات النبوية النفسية " ( 1 : 226 – 275 ) نقتطف منه بعض ما يلى :
1 – إن الأزمة النفسية الأولى كانت فى لقاء الوحى و فى فتوره ، حيث حاول الانتحار مرتين بعد رؤيا غار حراء ، كما نقل البخارى عن عائشة ( 1 : 3 ) : " رجع بها رسول الله يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد ، فقال : زملونى ، زملونى ! فزملوه حتى ذهب عنه الروع " .
و روى الطبرى ان الروع لم يذهب ، بل فكر بالانتحار ، فقد نقل عن ابن الزبير : " قال : قلت إن الأبعد – يعنى نفسه – لشاعر أو مجنون ! لا تحدث بها عنى قريش أبدا .
لأعمدن الى حالق من الجبل ، فلأطرحن نفسى منه ، فلأقتلنها . فلأستريحن ! قال : فخرجت اريد ذلك . حتى اذا كنت فى وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله و أنا جبريل " ( 1 ) .
اطمئن الرسول ، لكن سرعان ما عاودته فكرة الانتحار عند فتور الوحى . يتابع البخارى حديث عائشة ( 1 : 4 ) : " ثم لم ينشب أن توفى ورقة و فتر الوحى " . كان ورقة ، قس مكة ، سنده فى طريق النبوة . و ها الاستاذ و السند يموت . " و لقد قيل : ان النبى ضاق ضيقا شديدا بانقطاع الوحى عنه . و انه كان يهيم على وجهه فى الصحراء يناجى ربه . و بلغ به الأمر مرة أن هم بإلقاء نفسه من قمة جبل شاهق . و قد انتهت هذه المحنة بنزول سورة ( الضحى ) التى تصف هذه الأزمة النفسية " ( 2 ) .
2 – إن الأزمة النفسية الثانية كانت فى انفعاله المتواصل من عدم ايمان بنى قومه برسالته : " فإن الله يضل من يشاء و يهدى من يشاء : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات . ان الله عليم بما تصنعون " ( فاطر 8 ) . قال دروزة فى تعليقه ( 3 ) : " و تلهم انها نزلت فى وقت اشتد فيه الحزن و الغم على النبى صلعم بسبب موقف الجحود الذى يقفه قومه من دعوته " .
و هذه الأزمة تتجدد فى العهد الثانى بمكة : " لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ! و ما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث إلا كانوا عنه معرضين ! " ( الشعراء 3 و 5 ) . علق عليها دروزة ( 4 ) : " و مما لا ريب فيه أنها نزلت فى ظرف اشتد فيه حزن النبى و همه من مواقف التكذيب و الإعراض ، و هذا مما احتوته الآيات صراحة " .
و دامت هذه الأزمة الى العهد الثالث بمكة : " فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا " ( الكهف 6 ) . قال دروزة ( 5 ) : " و الآية مثل آية الشعراء الثالثة . و تكرار الخطاب المماثل فى فترتين متباعدتين يدل دون ريب على تكرار الظروف ، و بالتالى على تكرار الأزمة من جراء موقف الجاحدين " .
و قد يتدخل الوحى ، فى تلك الحال ، حينا لتسليته : " طه . ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ! " ( طه 1 – 2 ) ، و حينا لاحراجه و تعجيزه فى يأسه : " إنك لا تسمع الموتى ! و لا تسمع الصم الدعاء ! إذا ولوا مدبرين . و ما أنت بهادى العمى عن ضلالتهم ، إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ، فهم مسلمون " ( النمل 80 – 81 ) .
3 – إن الأزمة النفسية الثالثة كانت فى تضايقه من استهزاء المشركين المتواصل : " كانوا به يستهزئون " ( 6 : 5 و 10 ، 11 : 8 ، 15 : 11 ، 16 : 34 ، 21 : 41 ، 26 : 6 ، 36 : 30 ، 39 : 48 ، 40 : 83 ، 43 : 7 ، 45 : 33 ، 46 : 26 ) . يستهزئون من شخصيته الكريمة : " و إذا رأوك ، إن يتخذونك إلا هزوا : أهذا الذى بعث الله رسولا ! " ( الفرقان 41 ) . و يستهزئون بدعوته : " و إذا رآك الذين كفروا ، إن يتخذونك إلا هزوا : أهذا الذى يذكر آلهتكم " ! ( الأنبياء 36 ) . فيضيق صدرا بهذا التهكم و الاستهزاء : " و لقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون " ( الحجر 97 ) . و يحزن : " فلا يحزنك قولهم : إنا نعلم ما يسرون و ما يعلنون " ( يسن 76 ) . يحزن حزنا متواصلا : " قد نعلم أنه ليحزنك الذى يقولون " ! ( الأنعام 33 ) . فتأتيه تعزية و تسلية : " إنا كفيناك المستهزئين " ( الحجر 95 ) . لكن سرعان ما يعود الهزء و السخرية فى المدينة ، بأسلوب أدهى ، مع المنافقين : " و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ! و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم ، إنما نحن مستهزئون " ! ( البقرة 14 ) . و تدوم الحال مع المنافقين فى الهزء و السخرية إلى آخر العهد بالمدينة : " يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما فى قلوبهم . قل : استهزئوا ، ان الله مخرج ما تحذرون ! و لئن سألتهم ، ليقولن : إنما كنا نخوض و نلعب : قل : أبالله و آياته و رسوله كنتم تستهزئون ؟ " ( التوبة 64 – 65 ) . و تأتى هذه الصورة فى موقفهم من التنزيل : " و اذا ما أنزلت سورة ، فمنهم من يقول : أيكم زادته هذه ايمانا ؟ فأما الذين آمنوا فزادتهم ايمانا و هم يستبشرون ، و أما الذين فى قلوبهم مرض ، فزادتهم رجسا على رجسهم و ماتوا و هم كافرون ! أولا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين " ؟ ! ( التوبة 124 – 126 ) . هذه إشارة الى انه كان ينزل بالمدينة فى كل عام سورة أو سورتان ، فكان ذلك مناسبة لفتنتهم فى العام مرة أو مرتين . و هذه السخرية بمناسبة التنزيل كانت تصيب محمدا فى الصميم . و تتراكم الأزمات فى نفس النبى .
4 – إن الأزمة النفسية الرابعة ، كانت فى موقف أقاربه من دعوته . فهو يصف موقفهم منه بقوله : " و هم ينهون عنه ! و ينأون عنه ! " ( الأنعام 26 ) ، أى بعصبيتهم
القومية يحمونه ، و بسبب شركهم يبتعدون عنه . و فى ( أسباب النزول ) للسيوطى : انها نزلت فى عمومته ، و كانوا عشرة : فكانوا أشد الناس معه فى العلانية ، و أشد الناس عليه فى السر ، و هذا الموقف كان يؤلمه جدا لتأثيره السىء على الناس . و بما أنه دام حتى فتح مكة ، فإن مرارة النبى من عشيرته كان متواصلا لا ينتهى . و ذات مرة جاءه الأمر : " و أنذر عشيرتك الأقربين ... فإن عصوك ، فقل : إنى برىء مما تعملون " ! ( الشعراء 214 – 216 ) . فدعاهم الى وليمة أولى ، ثم الى وليمة أخرى ، فما أفلح فى دعوتهم . فدعاهم جهارا الى جبل الصفا ، فعطل الدعوة عمه أبو جهل ، و ناوأه عمه أبو لهب . فتوسل بعمه العباس ، و عمته صفية ، فما نجح . فخلف ذلك فى نفسه يأسا عظيما ، زاده الوحى مرارة بتعجيزه : " إنك لا تهدى من أحببت ، و لكن الله يهدى من يشاء ، و هو أعلم المهتدين " ( القصص 56 ) ، " إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدى من يضل " ( النحل 37 ) . و هذا الموقف يجمع الى الألم الذاتى ، الفشل الاجتماعى المشهود . قال دروزة ( 1 ) : " و انه لمن الطبيعى أن يثير هذا الموقف السلبى فى نفس النبى صلعم أزمات حادة من حين لآخر . فقد عرفت بيئة النبى و عصره بالتضامن أو العصبية العائلية . و من المعقول أن ينظر الناس إلى موقف أقاربه الأدنين منها ، و أن يكون لهذا الموقف أثر فيهم . و أن يتخذ الزعماء موقفهم حجة للانصراف و المكابرة ، أو وسيلة للدعاء بين عامة الناس ضدها " . و قد دامت هذه الأزمة نحو عشرين عاما ، حتى فتح مكة .
5 – إن الأزمة النفسية الخامسة كانت فى غيرة محمد وجماعته من سلطان المعارضين و ثروتهم من مال و بنين . فكانوا يستعلون عليهم : " و اذا تتلى عليهم آياتنا بينات ، قال الذين كفروا للذين آمنوا : أى الفريقين خير مقاما و أحسن نديا ؟ ( مريم 73 ) . و هذا الاعتداد بمقامهم و نديهم يجعلهم يستكبرون على الدعوة : " و قالوا : نحن أكثر أموالا و أولادا ! و ما نحن بمعذبين " ( سبأ 35 ) . و كان هذا الاستعلاء على الدعوة سببا فى صد الناس عنها و سببا لمرارة دائمة فى نفس محمد ، قال يصفها على لسان موسى من فرعون : " و قال موسى : ربنا إنك آتيت فرعون و ملأه زينة و أموالا فى الحياة الدنيا ! ربنا ، ليضلوا عن سبيلك ! ربنا اطمس على أموالهم ! و اشدد على قلوبهم ! فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم " ( يونس 88 ) .
و يتجمع مع الألم الغيرة من حال المشركين فى الثروة : " و لا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا ، لنفتنهم فيه و رزق ربك خير و أبقى ! نحن نرزقك و العاقبة للتقوى " ( طه 131 – 132 ) . و عاد النبى الى فتنته و أزمته ، فعاد الوحى الى تأديبه : " لا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجا منهم ، و لا تحزن عليهم ، و اخفض جناحك للمؤمنين " ( الحجر 88 ) . و هذا الموقف النبوى ليس من الإعجاز فى الشخصية و القداسة .
6 – إن الأزمة النفسية الصادسة كانت ، عكس السابقة ، فى تبرم النبى بجماعته من الفقراء ، عند أنفة المشركين من مجالسته وهم معه . فيأتيه التحذير و التأديب : " و اخفض جناحك للمؤمنين " ( الحجر 88 ) . لكنه يعود لمثلها ، فيعود الوحى الى التنبيه و الترهيب : " و اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " ( الشعراء 215 ) . و ينص القرآن على تضايق محمد بأتعس المؤمنين كالأعمى و اليتيم و السائل : " عبس و تولى ، أن جاءه الأعمى ... " ( عبس 1 – 2 ) ، " أما اليتيم فلا تقهر ! و أما السائل فلا تنهر ! " ( الضحى 9 – 10 ) . و قد تشتد الأزمة بالنبى فيطرد المؤمنين من مجلسه : " و لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة و العشى يريدون وجهه ! ما عليك من جسابهم من شىء ! و ما من حسابك عليهم من شىء ! فتطردهم ، فتكون من الظالمين ! " ( الانعام 52 ) . فيأمره الوحى بالصبر عليهم : " و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشى يريدون وجهه ! و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ! و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه ، و كان أمره فرطا " ( الكهف 28 ) . فكأن موقف النبى فى ذلك مظاهرة للكافرين ، فيردعه الوحى ردعا جميلا : " و ما كنت ترجو أن يلقى اليك الكتاب ، إلا رحمة من ربك : فلا تكونن ظهيرا للكافرين ! و لا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت اليك ! و ادع إلى ربك و لا تكونن من المشركين ! " ( القصص 86 – 87 ) .
و قد علق دروزة ( 1 ) على هذه الأزمة المتواصلة بقوله : " و نعتقد أن آيات الانعام ( 52 – 53 ) و الكهف ( 28 – 30 ) و الاسراء ( 73 – 76 ) و القصص ( 85 – 88 ) ... تنطوى على مشاهد من أزمات النبى صلعم النفسية . إذ يصح أن يقال فى صدد آيات ( الانعام و الكهف ) ان النبى إذا كان خطر على باله أن يهمل الفقراء و المساكين من المسلمين ، أو
يصرفهم عنه ، حينما احتج الزعماء و طلبوا إقصاءهم عنه ليجلسوا اليه و يتحدثوا معه ، فإنما كان هذا فى ساعة من ساعات أزماته النفسية ، و منبعثا عن حزنه الشديد لتمسك الزعماء بجحودهم و معارضتهم و متابعة الناس لهم ، و عن أمله فى احياز المعتدلين الى صفه . و اذا يصح ان يقال هذا كذلك فى صدد آيات ( الاسراء و القصص ) ، و ما يمكن أن يكون قد خطر على باله من التساهل و الاستجابة لبعض مقترحات هؤلاء الزعماء " .
و هذا أيضا من الإعجاز فى الشخصية النبوية .
7 – إن الأزمة النفسية السابعة كانت مزدوجة متواصلة طول مدة الدعوة . كانت أولا فى تحدى المشركين له بمعجزة ، نحو خمس و عشرين مرة صريحة ، غير الضمنية ، طول نجاح دعوته . و كانوا يقولون : " لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله " ( الانعام 124 ) . و إذا لم يأتيهم بآية كالأنبياء الأولين ، " قالوا : أضغاث أحلام ! بل افتراه ! بل هو شاعر ! فليأتنا بآية كما أرسل الأولون " ( الانبياء 5 ) . فدعاهم مرارا الى الآنتظار ، و انتظر معهم طويلا فما جاءت المعجزة ، حتى امتنعوا عن الايمان به : " و ما منع الناس أن يؤمنوا ... إلا أن تأتيهم سنة الأولين " ( الكهف 55 ) . أخيرا تحقق ان المعجزات منعت عنه منعا مبدئيا مطلقا : " و ما منعنا أن نرسل بالآيات ، إلا أن كذب بها الأولون " ( الاسراء 59 ) فكاد النبى و المؤمنون أن ييأسوا : " و لو أن قرآنا سيرت به الجبال ! أو قطعت به الأرض ! أو كلم به الموتى ! – بل الأمر الله جميعا ! أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا " ( الرعد 31 ) . أما المشركون فيئسوا و كفروا : " و يقول الذين كفروا : لست مرسلا ! – قل : كفى بالله شهيدا بينى و بينكم و من عنده علم الكتاب " ( الرعد 43 ) . آيته الوحيدة شهادة أولى العلم من أهل الكتاب .
و هاجر مع جماعته الى المدين ، فلقيه هناك تحد أكثر ايلاما ، مناورات المنافقين و استهزاؤهم من أول العهد ( البقرة 14 ) حتى آخره ( التوبة 64 – 65 ) .
فكلها أزمات نفسية متواترة متراكمة تهد الجبال هدا . فصمد النبى لها . إنها البطولة فى معركة الصمود . لكنها ، إن دلت على شىء ، فهى تدل على " بشرية " محمد فى شخصيته . و ما ظهر فيها من انفعالات و ثورات نفسية ، و عزم حينا على الأنتحار ، و حينا

على الهجرة ، كل هذا لا يدل على اعجاز فى الشخصية . فغلإعجاز فى الشخصية يقتضى السكينة النفسية فى المحنة ، و الصمود حتى الاستشهاد .


ثالثا : الذنب و الاستغفار
إن الرسول مثال لأمته و للبشرية جمعاء بقداسة السيرة . و قداسة السيرة قد تأتلف مع الهفوات البشرية العابرة . لكنها لا تنسجم مع الاقرار المتواتر بالذنب ، ومع الأمر المتواتر بالاستغفار .
ظاهرة كبرى فى القرآن هى شعور محمد بالذنب . كان يشعر بالذنب فى أول أمره : " ألم نشرح لك صدرك ، ووضعنا عنك وزرك ، الذى أنقض ظهرك " ( الشرح 1 ) . ووزر ينقض الظهر ليس بالصغير و لا بالحقير ! فسره الزمخشرى : " و الوزر الذى أنقض ظهره مثل لما كان يثقل على رسول الله و يغمه من فرطاته قبل النبوة " . و قال البيضاوى : " ووضعنا عنك وزرك ، أى عبأك الثقيل الذى انقض ظهرك : و هو ما ثقل عليه من فرطاته قبل البعثة " .
و فى أوج النبوة و الرسالة يزداد الشعور بالذنب ، يقال له : " إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنوبك و ما تأخر " ( الفتح 1 ) . فإن الذنوب لا تنتهى . جاء فى تفسير ابن عباس : " لكى يغفر لك الله ما سلف من ذنوبك قبل الوحى ، ( و ما تأخر ) ما يكون بعد الوحى الى الموت " . قال الزمخشرى : " يريد جميع ما فرط منك ، و عن مقاتل : ما تقدم فى الجاهلية و ما بعدها . و قيل : ما تقدم من حديث مارية و ما تأخر من امرأة زيد " . و يجمع الجلالان الآيتين فى صورة واحدة تكشف عن نفسية النبى العربى : " ووضعنا عنك وزرك الذى أثقل بالاثم يدل على ضمير حى ، لكنه ، لا يدل على إعجاز فى الشخصية القدسية .
و هناك صورة قاتمة ، حضور الشياطين و همزاتهم للنبى ، " قل : رب اعوذ بك من همزات الشياطين ، و أعوذ بك ، رب ، أن يحضرون " ! ( المؤمنون 97 – 98 ) . إن الأمر بالاستعاذة هو للنبى نفسه : " قل " . و الاستعاذة دليل الأمر الواقع . و هو يفرض هذه الاستعاذة خصوصا فى قراءة القرآن ، خوفا من التبديل فيه : " فإذا قرأت القرآن ، فاستعذ
بالله من الشيطان الرجيم ... و إذا بدلنا آية مكان آية ، و الله أعلم بما ينزل ، قالوا : إنما أنت مفتر ! " ( النحل 98 و 101 ) . و يظهر ان الشيطان يحضر التنزيل و يدس فيه : " و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبى ، إلا اذا تمنى ( قرأ ) ألقى الشيطان فى أمنيته ! فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته ، و الله عليم حكيم " ( الحج 52 ) . و حضور الشيطان قد يكون فى أحداث السيرة : " خذ العفو ، و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين : و إما ينزغنك من الشيطان نزغ ، فاستعذ بالله إنه سميع عليم " ( الاعراف 199 – 200 ) أى " يصرفك عما أمرت به صارف " من الشيطان ( الجلالان ) . و قد تكون ملاحقة الشياطين فى كل أمر : " و لا تستوى الحسنة و لا السيئة : ادفع بالتى هى أحسن ، فإذا الذى بينك و بينه عداوة كأنه ولى حميم . و ما يلقاها ، إلا الذين صبروا ، و ما يلقاها إلا ذو حظ عظيم . و إما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ، انه هو السميع العليم " ( فصلت 34 – 36 ) . أى " يصرفك عن الخصلة و غيرها من الخير صارف " ( الجلالان ) . قيل : و كان محمد يصلى كل يوم قبل النوم المعوذتين ليبعد نزغ الشيطان و همزاته . فهذا الهلع الدائم من حضور الشياطين و همزاتهم فى السيرة و الدعوة ، صورة لا توحى بالسلطان عليهم و لا هى دليل على إعجاز الشخصية القدسية .
و يأتى الأمر المتواتر للنبى بالاستغفار ، فيدل دلالة قاطعة على وقوع الذنوب فى سيرة الرسول ، و أن العصمة من الخطيئة أسطورة . فالله يأمر محمدا بالاستغفار من ذنبه مرارا : " فاصبر إن وعد الله حق ، و استغفر لذنبك و سبح بحمد ربك بالعشى و الابكار " ( غافر 55 ) . و بما أن الاستغفار و التسبيح مطلوبان كل يوم صباح مساء ، فهذا يدل على الذنب الممكن كل يوم ! و الرسول و المؤمنون سواء فى الذنب و الاستغفار : " و استغفر لذنبك ، و للمؤمنين و المؤمنات " ( محمد 19 ) . علق الاستاذ صبحى الصالح ( 1 ) : " من المعلوم أن العفو لا يكون إلا عن ذنب ، كما أن المغفرة ، إلا بعد ذنب . و قد صرحت الآية بهذا فى سورة الفتح : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر " .
و يختم القرآن الدعوة و السيرة ، فى ذروزة النصر و الفتح بالأمر الدائم بالاستغفار : " إذا جاء نصر الله و الفتح ، و رأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا : فسبح بحمد ربك
و استغفره ، إنه كان توابا " ( سورة النصر ) . ان محمدا يؤمر بالاستغفار حتى فى نصر الله و الفتح ، لأن فيهما ما يستوجب الاستغفار من الذنوب .
فلم يكن محمد معصوما من الذنوب فى سيرته و تأدية رسالته . و عصمة الرسل إنما هى فى الوحى و التنزيل ، لا فى السيرة و لا فى السريرة ، لا فى القيام بالدعوة ولا فى تأدية الرسالة . و من عصمة الله فى هذا فقد عصمه فوق عصمة الرسل . و هذه العصمة فى السيرة لم ينلها محمد بنص القرآن القاطع ، كما مر بنا .
يقول عبد السمان ( 1 ) : " و الفترة التى قضاها محمد صلعم نبيا رسولا ، كان فيها بجانب النبوة و الرسالة بشرا ، لم يتخلى عنه جانب واحد من جوانب البشرية كلها . كان مرتبطا بالوحى حين يتكلم – فحسب – أما حين لا يتكلم الوحى ، فله تفكيره و له رأيه ، و بجانب ذلك آراء و تفكيرات أتباعه ، يستشيرهم و يعتد بآرائهم فيما لا رأى للوحى فيه .
" و من البلاهة المركزة أن يصر بعض البسطاء من المسلمين ، و من كتاب السيرة ، على أن محمدا كان معصوما خلال فترة نبوته و رسالته من كل كبيرة و صغيرة ، لأن كل حركة و سكنة ، و قول و فعل منه ، انما كان بوحى . و ليس لهؤلاء البلهاء من حجة سوى قوله تعالى : " و ما ينطق عن الهدى ، إن هو إلا وحى يوحى " ... و يجهل هؤلاء أو يتجاهلون ان المقصود من هاتين الآيتين ان الرسول منزه عن الهوى ، و أن ما يتلوه على الناس من قرآن ، ليس من تأليفه ، و انما جاء به الوحى من عند الله ...
" إن محمدا طولب بالاستغفار من ذنبه ، كما طولبت أمته أيضا بالاستغفار من ذنوبها . و فى ذلك أكثر من آية . و ليس هناك ما يدعو الى الخلط و التأويل الفاسد ( كما يقول بعضهم : ان المقصود بامر الاستغفار أمة محمد ، و ليس محمدا نفسه ) ...
" فى القرآن صور من عتاب الله لمحمد ، و ليس العتاب إلا نتيجة لمجانية الصواب و ارتكاب الخطإ . و ليس من المعقول مجاراة أولئك المغالين الذين يحرصون – بل يصرون – على أن يضفوا على شخصية محمد هالة من التقديس الذى يأباه محمد نفسه ، لأنه فى غنى عنه . و ليست عظمة الشخصية فى أن تكون معصومة من الخطإ ... ( ثم ينقل بعض نماذج من صور العتاب لمحمد ) .

" هذه بعض نماذج من صور العتاب لمحمد ، فى كتاب الله عز و جل ، حتى يتبين لنا أن العصمة من الزلل و الخطإ إنما هى لله وحده ...
" و محمد كان بشرا قبل ان يكون رسولا . ثم صار بشرا رسولا . و لم تكن صفة النبوة و الرسالة لتحول دون طبيعته البشرية ، أو تحول بينه و بين الأنحراف فى السلوك الشخصى ، فى ما هو بعيد عن نطاق الوحى . فهو معصوم حين يتدخل الوحى – لأن الله هو الموجه ، و العصمة له وحده – و هو غير معصوم حين لا يتدخل الوحى ، لأنه بشر ، و البشر ليست العصمة واجبة إليهم ...
" و لذلك كان – كما جاء فى صحيح مسلم و غيره – يستغفر الله فى اليوم و الليلة مائة مرة . و كان من دعائه ، كما ورد فى الصحيح : " اللهم اغفر لى خطإى و جهلى ، و ما أنت أعلم به منى . اللهم اغفر لى هزلى و جدى ، و خطإى و عمدى ، و كل ذلك عندى " .
و هكذا فإن محمدا ، خارج نطاق الوحى ، ليس معصوما من الخطإ ، و ليس معصوما من الخطيئة . و برهان ذلك عتاب الله مرارا له ، و الأمر المتواتر بالاستغفار من الذنوب .
و كم تكون عظمة الشخصية كبيرة ، إذا كانت معصومة من الذنب ، الذى لم يسلم منه بشر ، و لا نبى و لا رسول . و هذه العصمة المعجزة فى السيرة لم ينلها سوى السيد المسيح : " و جعلنى مباركا أينما كنت ... و السلام على يوم ولدت و يوم أموت و يوم أبعث حيا " ( مريم 31 – 33 ) . انها سيرة مباركة فى كل زمان و مكان ، و تستحق سلام الله عليها فى كل الأحوال من المهد الى اللحد ، و من الأرض الى السماء . ان روح القدس كان يؤيد السيد المسيح فى الوحى ، و فى السيرة ، و فى الدعوة ، " يسير معه دائما " ، " لا يفارقه ساعة " . فهذا التأييد هو مصدر العصمة من الخطيئة و الخطإ عند السيد المسيح .
عصمة فى الوحى ، و عصمة من الخطإ فى السلوك ، و عصمة من الاثم ، هذا هو الإعجاز المطلق فى الشخصية النبوية عند المسيح . أما محمد فليس من إعجاز فى سيرته الشخصية يجعلها معجزة رسالته و دعوته . إننا لا ننكر إعجازا فى سيرة النبى الشخصية ، لكننا نستنكر أن يكون هذا الإعجاز معجزة إلهية .

  • عدد الزيارات: 8381

تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.