هل فى القصص القرآنى نبوءة من علم الغيب؟

هل فى القصص القرآنى نبوءة من علم الغيب ؟

قال الباقلانى ، شيخ المتكلمين فى ( اعجاز القرآن ) – و القوم على رأيه الى اليوم – " فى جملة وجوه اعجاز القرآن " - : " ذكر أصحابنا و غيرهم فى ذلك ثلاثة أوجه من الاعجاز : الأول الإخبار بالغيوب – و قد رأينا حقيقة أمره ، و الثالث بديع نظمه و عجيب تأليفه –
و هو الاعجاز حصرا ، و سنفرد له القسم الثانى كله . بقى الثانى : " و الوجه الثانى انه كان معلوما فى حال النبى صلعم أنه كان أميا لا يكتب و لا يحسن أن يقرأ . و كذلك كان معروفا من حاله أنه لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين و أقاصيصهم و أنبائهم و سيرهم . ثم أتى بجملة ما وقع و حدث من عظيمات الأمور ، و مهمات السير ، من حين خلق الله آدم عليه السلام ، الى حين مبعثه " .
فالققص القرآنى عنده وجه ثان من وجوه اعجاز القرآن .
يشبهه أخبار الخلق و التكوين ، و أوصاف اليوم الآخر . و ما نقوله فى القصص القرآنى ، من حيث فيه نبوءة من علم الغيب ، ينطبق على النوعين الآخرين .
فالباقلانى و من لف لفه يبنون اعجاز القرآن فى قصصه كما فى غيره على أمية محمد ، و هذا يناقض القرآن و التاريخ معا .


أولا : قصص القرآن كان متداولا بين العرب قبل القرآن
يقول الاستاذ دروزة ( 1 ) : " عرف العرب الحجازيون أهل الكتاب من يهود و نصارى ، فى بلاد الحجاز و الشام ، و احتكوا بهم . و أخذوا عنهم كثيرا من الأفكار و المعارف . و منهم من دان باليهودية و النصرانية ، و تضلع باللغة العبرانية ، و اطلع على ما عند اليهود و النصارى من كتب . و قد عرفوا كذلك ما كان عليه أهل الكتاب من خلاف و شقاق فى الأمور الدينية و المذهبية . و كان لكل ذلك صدى و أثر فى نفوسهم و أذهانهم ، على ما بسطناه فى كتابنا ( عصر النبى و بيئته قبل البعثة ) . و قد كان فى مكة خاصة بعض الجاليات الكتابية ، يرجع تاريخ سكناها الى ما قبل البعثة ، و شهدت أدوار الدعوة النبوية . و لم تكن بعزلة عنها بطبيعة الحال " – فالمعارف الكتابية كانت شائعة بمكة ، و لا يصح ان يبقى محمد فى عزلة عنها ، أو غفلة .


ثانيا : اتصال العرب بأهل الكتاب
يقول دروزة أيضا ( 2 ) : " و لقد أثبتنا بالاستدلالات القرآنية فى كتابنا ( عصر النبى و بيئته قبل البعثة ) أن أهل بيئة النبى صلعم كانوا على اتصال بالأمم الكتابية و غير الكتابية ، عن طريق المستقرين منهم فى الحجاز ، و عن طريق الرحلات المستمرة الى البلاد المجاورة . و أن


كثيرا من أخبارهم و معارفهم و عقائدهم و مقالاتهم و أحوالهم قد تسربت الى العرب ، و شاهدوا مشاهدها التاريخية و المعاصرة ، و ليس من الطبيعى ، و لا من المعقول أن يبقى النبى صلعم فى عزلة أو فى غفلة عن هذا كله . حقيقة قد علم الله النبى بوحيه و تنزيله أمورا متنوعة كثيرة كان غافلا عنها هو و قومه . و لكن ذلك لا يقتضى أنه كان غافلا عن كل ما حوله من أمور ، و ما يدور فى بيئته و على ألسنة معاصريه من كتابيين و غير كتابيين ، عرب و غير عرب ، من أنباء و قصص و ظروف و حالات ، فإن هذا يناقض طبائع الأشياء " .


ثالثا : اتصال محمد نفسه بأهل الكتاب
ثم يستشهد دروزة على اتصال محمد الشخصى بأهل الكتاب : " فى سورة ( النحل 103 ) ، آية تحكى دعوى بعض الكفار أن شخصا معينا كان يعلم النبى : ( و لقد نعلم انهم يقولون : إنما يعلمه بشر ! – لسان الذى يلحدون اليه أعجمى ، و هذا لسان عربى مبين ) . و الآية تنفى التعليم الذى يجحد بنزول الوحى على محمد صلعم ، غير أنها لا تنفى اتصالا ما بينه و بين أحد أفراد الجالية الأجنبية كما هو ظاهر . و المتبادر أن الجاحدين لم يكونوا ليقولوا ما قالوه ، لو لم يروا أو يعرفوا أن النبى صلعم كان يتردد على شخص من أفراد هذه الجالية فى مكة , هو أهل علم و تعليم دينى ، و له وقوف على الكتب السماوية ...
" و فى سورة ( الفرقان 4 ) آية تحكى كذلك دعوى بعض الكفار أن النبى صلعم كان يستعين فى نظم القرآن بقوم آخرين : ( و قال الذين كفروا : إن هذا إلا إفك افتراه ، و أعانه عليه قوم آخرون ! – فقد جاؤوا ظلما وزورا ) ، و الآية انما تنفى كذلك دعوى الاستعانة ، و لا تنفى اتصالا ، أو صحبة النبى صلعم و فريق من الناس . كما ان تعبير " قوم آخرين " يلهم أن المنسوب اليهم أكثر من واحد . و بالتالى يسوغ القول إنه غير الشخص الأعجمى المعنى فى آية النحل . و الذى يتبادر الى الذهن أيضا أن الكفار لم يكونوا ليقولوا ما قالوه مما حكته الآية ، لو لم يروا و يعرفوا أنه كان للنبى صلعم حلقة أو رفاق يجتمعون إليه ، و يجتمع إليهم ، و يتحدثون فى الأمور الدينية . و ليس من المستبعد – إن لم نقل من المرجح – أن هذا كان قبل البعثة ، ثم امتد الى ما بعدها " .
فمحمد كان على اتصال شخصى بأهل الكتاب من عرب و عجم – و اتصاله بالأعاجم يدل على أنه كان يعرف لغات أجنبية غير العربية ، كما أبنا ذلك فى غير موضع . و هذا ليس من الأمية علما و دينا فى شىء .


رابعا : تداول الكتاب و الانجيل معربين بين العرب قبل القرآن
يقول الاستاذ دروزة أيضا ( 1 ) : " و هناك نقطة أخرى متصلة بهذا البحث عن اليهودية و النصرانية العربية ، ثم بالثقافة العربية بوجه عام ، و هى : ما اذا كانت التوراة و الانجيل فى عصر النبى و بيئته منقولا الى العربية أم لا ؟
" إن القرآن يحكى مواقف حجاج و مناظرة دينية بين النبى صلعم من جهة ، و بين النصارى و اليهود من جهة أخرى ... و القرائن القرآنبية تلهمنا من جهة ، و التاريخ المتصل بالمشاهدة من جهة أخرى ، يخبرنا بأن آلافا مؤلفة من العرب كانوا نصارى ، و منهم البدو و منهم الحضر . و استتباعا لهذا فإن السائغ أن يقال : إنه لابد من أن يكون بعض أسفار العهد القديم و العهد الجديد – إن لم يكن جميعها – قد ترجمت الى العربية قبل الاسلام ، و ضاعت مع ما ضاع من آثار مدونة فى غمرات الثورات و الفتن و الحروب . و لعل ما فى القرآن من أسماء و كلمات معربة كثيرة أو من تعابير مترجمة ، متصلة بمحتويات هذه الأسفار ، مما تصح أن تكون قرائن على ذلك . و نرى هذا هو الذى يستقيم مع وجود عشرات ألوف العرب النصارى ، و آلاف الرهبان و القسيسين العرب ، و مئات الكنائس و الأديار العربية " .
أجل هذا منطق التاريخ . و القرآن شاهد عدل أيضا . فهو يميّز أمة عيسى عن جماعة محمد و عن اليهود بأنهم " أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل و هم يسجدون " ( آل عمران 113). عرب نصارى يصلون بمكة، و تلاوة أسفار الكتاب والإنجيل ركن من أركان صلاتهم و قيام الليل: فبأي لغة يتلون الكتاب والإنجيل؟ لا شك أنهم يتلون بلغتهم العربية.
والقرآن يتحدّى اليهود: "قل: فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين" (آل عمران93). ينتدبهم إلى تلاوة التوراة أمام عرب المدينة، ألا يدل هذا على أنها كلنت مترجمة الى العربية، و أنها تُتلى بالعربية، أولاً للدعاية، ثم ليفهمها العرب المتهّودون أو المنتصرون ؟


خامسا : القرآن " تفصيل الكتاب "
يصرح القرآن عن نفسه بأنه " تفصيل الكتاب " ( يونس 37 ) " بلسان عربى مبين " ( الشعراء 195 ) . و التفصيل بلغته الدرس و التعريب ، كما يظهر من مقالة العرب : " إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ، و إن كنا عن دراستهم لغافلين " ( الانعام 156 ) . غفلوا هم
عن دراسة التوراة و الانجيل ، فدرسهما محمد : " و كذلك نصرف الآيات – و ليقولوا : درست ! – و لنبيه لقوم يعلمون " ( الانعام 105 ) . فلا ينفى تهمة الدرس ، بل يوضح غايته من درس التوراة و الانجيل ، و هى تبيان الكتاب للعرب الذين غفلوا عن دراسته أى " تفصيل الكتاب " . و هو يستعلى على المشركين بدرس الكتاب المقدس : " أم لكم كتاب فيه تدرسون ... أم عندهم الغيب فهم يكتبون " ( القلم 37 و 47 ) ، مما يعنى أن محمدا عنده كتاب فيه يدرس ، و منه يكتب الغيب ، بل الكتب المقدسة كلها : " و ما آتيناهم من كتب يدرسونها " ( سبأ 44 ) ، أما هو فقد أوتى كتبا يدرسها . و ذلك " ليعلمهم الكتاب و الحكمة " أى التوراة و الانجيل ، كما يردد بتواتر ( البقرة 231 و 151 ، آل عمران 164 ، الجمعة 2 ) . فالقرآن بهذا النص القاطع هو تعليم العرب " الكتاب و الحكمة " أى التوراة و الانجيل . فجاء " تنزيل رب العالمين " فى القرآن " من زبر الأولين " ( الشعراء 193 – 197 ) ، " بتفصيل الكتاب " لهم أو " تعليمهم الكتاب و الحكمة " . لقد درس محمد التوراة و الانجيل ، و درسهما للعرب فى القرآن . هذه هى شهادة القرآن القاطعة التى تقضى على القول بأمية محمد ، و تبرهن أن قصص القرآن من الكتاب ، درسه على " من عنده علم الكتاب " ( الرعد 43 ) . فليس فيه من معجزة غيبية . مع العلم ان الدرس و الوحى لا يتعارضان ، و مع العلم ان ما فى القصص القرآنى بصيغة التلمود ، لا بصيغة الكتاب ، كما كان يفعل أهل الكتاب أنفسهم .
سادسا : سيرة محمد تدل على سعة علمه و اطلاعه
إن إجماع السير النبوية و الحديث يدل على أن محمدا كان قبل دعوته " يتحنف " شهرا مع قس مكة ، ابن عمه ، ورقة بن نوفل . و هذا القس النصرانى يشهد الحديث الصحيح أنه كان يكتب الكتاب العبرانى ، و يترجم الانجيل الى العربية . و قد قضى محمد فى جواره بعد زواجه من السيدة خديجة ، بنت عم ورقة ، مدة خمس عشرة سنة قبل البعثة يحضر كتابة الكتاب و ترجمة الانجيل . فققص القرآن و أخبار الخلق و أوصاف اليوم الآخر كان يسمعها من أستاذه ، قس مكة " النصرانية " .
ناهيك عن رحلتى الشتاء و الصيف ، الى اليمن و الشام ، موطن المسيحية و بعض اليهودية ، فى تجارة زوجته السيدة خديجة التى كانت تجارتها تعدل تجارة قريش ، و ما يقتضيه ذلك من سعة اطلاع ، فى اتصال دائم مع أهل الكتاب .
يكفى محمد أن يكون تلميذا لقس مكة ، ابن عم زوجته ، حتى يكون عالما بقصص الأولين ، و أخبار الخلق ، و أوصاف اليوم الآخر . فلم يكن محمد أميا و لا جاهلا بها حتى يكون ما جاء به " من زبر الأولين " ، " ممن عنده علم الكتاب " ، معجزا بالنسبة إلى حاله أو بيئته . و القرآن و الحديث و السيرة شهود عدل .


خاتمة
محمد لا يعلم الغيب ، فهو نبى بلا نبوءة غيبية
و فصل الخطاب فى ذلك أن التنبؤ المزعوم بالغيب – و هو غير الوحى – و أخبار الخلق ، والحديث عن الماضين ، و أوصاف اليوم الآخر ، ليست جميعا وجها من وجوه الاعجاز ، كما وهم الباقلانى و من تبعه . يقول الدكتور أحمد بدوى : " غير أن التنبؤ بالغيب و الحديث عن الماضين – إن اتخذا دليلا على نبوءة الرسول – لم يصلحا برهانا على إعجاز القرآن . ذلك ان معظم القرآن ليس تنبؤا و لا قصصا . فلو كان الوجه ما ذكر ، لفقد معظم القرآن صفة الاعجاز ، لأن التحدى وقع بأقصر سورة منه ، و هى لا تحوى من التنبؤ و القصص شيئا " .
هكذا ثبت لنا من التاريخ الصحيح و القرآن الصريح أنه ليس من اعجاز موضوعى فى قصص القرآن و أخبار الخلق فيه ، و أوصاف اليوم الآخر عنده ، و أنه ليس فى القرآن من نبوءات غيبية تدل على معرفة الغيب " الذى لا يقدر عليه البشر ، و لا سبيل لهم اليه " ( 1 ) .
فبرهان النبوءة الغيبية على أوجهها ،لا وجود له فى القرآن . يكفينا تصريحه القاطع عن نبيه : " و لا أعلم الغيب " ( الانعام 50 ) ، " و لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت الخير ، و ما نسى السوء " ( الأعراف 188 ) .
فالقول الفصل : إن محمدا نبى ، بلا نبوءة غيبية – و هذا غير الوحى و التنزيل .

  • عدد الزيارات: 10000
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.