الإعجاز في التاريخ

الإعجاز في التاريخ

القصص القرآني

 

"نحن نقصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرآن"

(يوسف 3)

 

"فاقصص القصص ، لعلّهم يتفكّرون" (الأعراف 176)

 

"لقد كان في قصصهم (الرسل) عبرة لأُولي الألباب .

ما كان حديثا يُفترى ، ولكن تصديق الذي بين يديه ، وتفصيل كل شئ"

(يوسف 111)

 

توطئة

خطورة موضوع التاريخ في الإعجاز القرآني

إن القصص هواية عربية فطرية .

"كان للعرب قصص . وهو باب كبير من أبواب أدبهم . وفيه دلالة كبيرة على عقليتهم . وهذا القصص في الجاهلية أنواع ... وهناك نوع من قصص العرب أخذوه من أمم أخرى وصاغوه في قالب يتّفق وذوقهم" .

فلم يخلق القرآن فنّ القصص ، لكنه جعله ناحية من نواحي الدعوة فيه . ومتى عرفنا أن القصص القرآني يشمل نحو ثلثي القرآن ، أدركنا خطورة موضوعه في الإعجاز القرآني . وإذا أضفنا الى القصص الأمثال ، وهي نوع آخر منه ، وأخبار اليوم الأول في الخلق ، وأخبار اليوم الآخر في السعة ويوم الدين ووصف الجنة والنار ، كان موضوع التاريخ القرآن كله تقريبا .

والقرآن نفسه يقرّ بذلك : "نحن نقصّ عليك أحسن القصص ، بما أوحينا اليك هذا القرآن" (يوسف 3) . والشعب لا يرى في القرآن سوى قصص : "واذا قيل لهم : ماذا أنزل ربكم ؟ – قالوا : أساطير الأولين" (النحل 24) . وظلوا على هذا الموقف العنيد منذ السورة الأولى (القلم 15) ، حتى حكم السيف فيهم في بدر ، أول نصر (الأنفال 31) . ويرى القرآن في نفسه "أحسن القصص" (يوسف 3) ؛ وكانوا هم يرون فيه "أساطير الأولين" : "ما هذا إلاَ أساطير الأولين" (الاحقاف 17) في موضوعه وأسلوبه ، "حتى إذا جاؤوك يجادلونك ، يقول الذين كفروا : إنْ هذا إلاّ أساطير الأولين" (الأنعام 25) .

لذلك ، إذا كان في إعجاز القرآن معجزة له ، يجب أن تكون أولا في قصصه . فهل في القصص القرآني اعجاز ومعجزة ؟


 

بحث أول

موضوع القصص القرآني وهدفه

يأتي القصص القرآني كبرهان للتوحيد والنبوة ، من تاريخ البشرية ، بعد الاستشهاد بمشاهد الخليقة التي تشهد لخالقها : "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنه الحق" (فصلت 53) .

أولا : هدفه تثبيت النبي وذكرى للعرب

ففي نظرية القرآن يُوجَز تاريخ البشرية بسيرة النبوة مع أقوامها ، كأنه صراع متواتر بين الايمان والكفر . ويرمي القرآن ، من وصف هذا الصراع الديني ، الى غايتين : الأولى "لنثبّت به فؤادك" (32:25 ؛ 120:11) ؛ الثانية اتعاظ أهل مكة بمثل الماضين : "فاقصص

القصص لعلّهم يتفكرون " (الأعراف 176) ؛ "أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم" (غافر 21 و81) ؛ "انظر كيف كان عاقبة المنذَرين" (الصافات 73) ؛ "انظر كيف كان عاقبة المكذبين" (الزخرف 25) .

فهدف القصص القرآني المزدوج يدل على أنه ليس في اعجازه معجزة له : فغايته الأولى تثبيت فؤاد النبي في أزماته النفسية والايمانية التي تملأ القرآن المكي ؛ فلو كان في اعجاز القصص معجزة لكان ثبت فؤاد محمد منذ القصة الأولى . والواقع القرآني يشهد بأن أزمات الايمان ظلت تساور محمدا ، وهو يتلو القصص القرآني بتواتر . فحتى أواخر العهد المكي يُقال له : "فإن كنت في شك ممّا أنزلنا اليك ، فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك : لقد جاءَك الحق من ربك ، فلا تكوننًّ من الممترين ! ولا تكونَن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين" ! (يونس 94 – 95) . والواقع القرآني يشهد أيضا بأن اعجاز القرآن في قصصه لم يكن معجزة لهم ، فقد ظلوا طول العهد بمكة ، قبل إحكام آية السيف فيهم بالمدينة ، "اذا قيل لهم : ماذا أنزل ربكم ؟ – قالوا : أساطير الأولين" ! (النحل 24) . ويتهمونه في مصدر تنزيله وقصصه : "قال الذين كفروا : انْ هذا إلاّ إفك افتراه ، وأعانه عليه قوم آخرون ! – فقد جاؤوا ظلما وزورا ! وقالوا : أساطير الأولين اكتتبها فهي تُملى عليه بكرة وأصيلا ! – قل : أنزله الذي يعلم السرّ في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما" (الفرقان 4 – 6) . وكانت هذه مقالتهم طول العهد بمكة جملة (25:6 ؛ 83:23 ؛ 68:27) وأفرادا (5:25 ؛ 24:16) ، حتى بعد نصر بدر بآية السيف (الأنفال 31) . فكان هذا موقفهم من اعجاز القصص القرآني : "واذا تُتلى عليهم آياتنا قالوا : قد سمعنا ! لو نشاء لقلنا مثل هذا ! إنْ هذا إلاّ أساطير الأولين" (الأنفال 31) . فلم يرَ المخاطَبون بإعجاز القصص القرآني معجزة له ، موضوعا : "إنْ هذا إلاّ أساطير الأولين ؛ واسلوبا : "لو نشاء لقلنا مثل هذا" ! ونلاحظ أن القرآن لا يردّ تحدّيهم الأخير هذا .


 

ثانيا : موضوع القصص القرآني محدود ومكرّر

والظاهرة الكبرى في القصص القرآني هي التكرار . قال سيد قطب : "نشأ عن خضوع القصة في القرآن لأغراضه أن يعرض شريط الأنبياء والرسل الداعين الى الايمان الواحد ، والانسانية المكذّبة بهذا الدين الواحد ، مرّات متعدّدة بتعدّد هذه الأغراض ؛

وأن يُنشئ هذا ظاهرة التكرار في بعض المواضع ، ولكنّ هذا أنشأ جمالا فنّيّا من ناحية أخرى . فهذه قصة ابراهيم ترد في حوالي عشرين موضعا . وقصة موسى ترد أكثر من ذلك ؛ وهذه قصة عيسى ، ابن مريم ، ترد ورودا أساسيا في ثمانية مواضع ؛ وقصة سليمان في ثلاثة مواضع . ويأتي هذا التكرار بخصائص فنّية ، منها تنوّع طريقة العرض ، وتنوّع طريقة المفاجأة ، وتنوّع التصوير في التعبير" .

ولكن هذا التنوّع في التعبير ، لا يمنع التكرار في التفكير ، وهو موضوع الوحي والتنزيل ، كما لاحظوا ذلك قديما وحديثا .

في البيان والبديع يسمّى التفنّن أو التنوّع في التعبير عن المعنى الواحد والموضوع الواحد بالاقتدار : "الاقتدار هو أن يُبرز المتكلم المعنى الواحد في عدّة صور اقتدارا منه على نظم الكلام ، وتركيبه على صياغة قوالب المعاني والأغراض . فتارة يأتي في لفظ الاستعارة ، وتارة في صور الأرداف ، وحينًا في مخرج الايجاز ، ومرة في قالب الحقيقة . قال ابن أبي الاصبع : وعلى هذا أتت جميع قصص القرآن ؛ فإنك ترى القصة التي لا تختلف معانيها تأتي في صور مختلفة ، وقوالب من ألفاظ متعدّدة حتى لا تكاد تشتبه في موضعين منه ، ولا بدَّ أن تجد الفرق ظاهرا" . فموضوع القصة الواحدة في القرآن "لا تختلف معانيها" . والذي يهمنا في كلام الله ما يريده منه أي موضوع كلامه ، والموضوع واحد يتكرّر ، مع تنوّع في التعبير بعض الشئ ، مثل قصة آدم وابليس : "وقد أورد القرآن قصة آدم وابليس سبع مرات ، ستًا منها في سور مكية ، وهي الاعراف (19 – 27) والحجر (28 – 40) والاسراء (61 – 65) والكهف (50) وطه (116 – 123) وصاد (71 – 85) ؛ وواحدة في البقرة (34 – 38) . والقصة كما يُفهم من سياقها في كل مرة قد استهدفت العظة والتمثيل والتنبيه ، كما أنها تنوّعت في أسلوبها ومحتوياتها بعض الشئ ، وهو شأن القصص القرآنية المتكررة بصورة عامة كما لا يخفى"


 

ثالثا : القرآن بين الدين والفنّ

قيل : إن معجزة القرآن أن يجمع الدين والفن في حرفه ، بلفظه ونظمه . وهل يهمّنا الاعجاز بالفن في أمور الدين ؟ ننسى أن القرآن هو كتاب دين ، قبل أن يكون كتاب فن ؛ وأن ما يهم البشرية في كلام الله هو الدين لا الفن . قيل : ان القرآن "يجعل الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني فيخاطب حاسة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنّية" . – فهل الله في كلامه مع البشر خطيب مثلهم يجعل الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني فيهم ؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . إنما يتنازل الله ويكلّم الناس ليعلّمهم حقيقة سره وغاية أمره ؛ ويهمه كما يهمنا أولا حقيقة الدين ، لا اعجاز الفنّ . وجعل الاعجاز البياني والفني من مقاصد الله في كلامه هو قلب للمفاهيم وهو جعل العَرَض مكان الجوهر . وهب أن ميزة القرآن على كل تنزيل هو في إعجاز الحرف مع اعجاز المعنى ، ومعجزة العرض مع معجزة الجوهر ، لتكون معجزته منه وفيه ؛ فإن معجزة لغوية بيانية فنيّة ، هي للخاصة من العرب ، لا للعامة منهم ، فكيف بعامة البشر ! فيفوت على الله الغاية الأولى من تنزيله وكلامه ، لو كان الاعجاز في نظم القرآن مقصده ومعجزته . وحاشا لله أن يخاطب عامة العرب والبشر بمعجزة لا يفقهونها ! "ما لا يمكن الوقوف عليه لا يُتصوَّرالتحدي به"

إن التحدي بحرف التنزيل هو معجزة عند البعض ، لا عند سائر الناس . وما نراه في القرآن وقصصه اعجازا واقتدارا ، يراه سائر الناس في كل آدابهم عجزا وافتقارا ، كلّما زاد تكرارا .

فالقصص القرآني ، وهو أكثر القرآن ، مع ما فيه من اعجاز بياني ، هل هو معجزة في هدفه وموضوعه ؟


 

بحث ثان

هل القصص القرآني للتاريخ أم للتمثيل ؟

والمشكل الأكبر في القصص القرآني ، هل هو للتاريخ أم تمثيلي ؟

أولا : واقع مزدوج

إن القصص القرآني هو برهان النبوة والتوحيد من تاريخ البشرية مع الأنبياء والرسل : فالعظة منه في الواقع التاريخي ، لا في التمثيل البياني ، كالإنجيل في أمثاله . واذا سلبنا القصص القرآني واقعيته التاريخية ، سلبناه استشهاده بتاريخ النبوة والبشرية على صحة نبوته وتنزيله .

هذا هو موقف أهل السنة والجماعة . لذلك لمّا حاول السيد محمد أحمد خلف الله سنة 1947 في كتابه (الفن القصصي في القرآن الكريم) أن يخرج على هذا الاجماع ، "للوصول الى قاعدة أو نظرية يمكن تطبيقها من حل المشكلات ، وردّ الاعتراضات ، والخروج بالقصص القرآني من دائرة المتشابه" (ص 260) أفتى علماء الأزهر الشريف بتكفير الكتاب وصاحبه .

والواقع القرآني يشهد بالتمثيل في تاريخيته : "وكلاّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبّت به فؤادك ، وجاءت في هذه الحق وموعظة وذكرى" (هود 120) . فهو يقص "الحق" في "أنباء الرسل" ، وان كان الهدف الموعظة والذكرى . فالعبرة عنده بالتاريخ للتمثيل : "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب" (يوسف 111) . والقول الفصل : "إن الحكمُ إلاّ لله ، يقص الحق ، وهو خير الفاصلين" (الانعام 57) . فلا يضرب القرآن أمثالا في قصصه ، إنما "يقصّ الحق" التاريخي .


 

ثانيا : الشبهات الناجمة عن هذا الواقع المزدوج

لكن ، على تاريخية القصص القرآني ، شبهات حملت المدرسة العصرية على القول بالتمثيل في القصص القرآني ، أكثر منه بالتاريخ .

الشبهة الأولى أن قصص القرآن أكثره توراتي ، لكنه يختلف أحيانا عمّا في التوراة . ومن السخف ضرب الكتاب بعضه ببعض . فما سبب الفوارق القصصية ما بين القرآن والكتاب ؟ يقول دروزة : "القصص القرآني ، منه ما كان عربيا غير توراتي كقصص هود وعاد ، وصالح وثمود ومدين ؛ ومنه ما كان توراتيا كقصص نوح ولوط وموسى وفرعون مع بني اسرائيل ، وداود وسليمان ويوسف الخ ... وما ورد خصوصا في القرآن ولم يرد في التوراة من قصص ابراهيم صلى الله عليه وسلم مع أبيه وقومه وأقواله ومواقفه ودعائه ، وهي في سور (الانعام وابرهيم والأنبياء والشعراء والصافات والزخرف والعنكبوت) . وعدم ورودها في التوراة ، ممّا يسوّغ القول أنها كانت متداولا معروفا في أوساط العرب كمرويات ومنقولات عربية عن الآباء الى الأبناء" .

أجل ، كانت متداولة معروفة في أوساط العرب ، لكن ليس "كمرويات ومنقولات عربية عن الآباء الى الأبناء" – بل عن أهل الكتاب من يهود ونصارى اسرائيليين ، الذين كانوا يروونها عن حرف التلمود أكثر منه عن حرف الكتاب . وهذا ما فات الاستاذ دروزة وأمثاله . فما انفرد به قصص ابراهيم "مع أبيه وقومه وأقواله ومواقفه ودعائه" عن التوراة ، قد ورد مثله في التلمود . لذلك جاء القصص القرآني ابن بيئته الكتابية العربية ، أقرب الى التلمود منه الى الكتاب .

وهذا المصدر الشعبي للقصص القرآني يحمل معه شبهة أخرى : بعد قصة نوح الشهيرة يقول : "تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ، ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ، فاصبر إن العاقبة للمتقين" (هود 49) . وبعد قصة يوسف الشهيرة يقول : ذلك من أنباء الغيب نوحيه اليك . وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون" (يوسف 102) . وبعد قصة مريم ، في آل عمران ، وقد طبّقت آفاق الجزيرة ، من الوف النصارى والمسيحيين ،

يقول : "ذلك من أنباء الغيب نوحيه اليك . وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيّهم يكفل مريم ، وما كنت لديهم إذ يختصمون" (44) . فكيف يقول بأنها "من أنباء الغيب نوحيه اليك" ؟ وقد كانت متداولة بينهم من التوراة والانجيل ، ومن التلمود والأناجيل المنحولة . وكيف يقول : "ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا" القرآن ؟ إنه إشكال ضخم كما يقول دروزة : "إن في الآيات الثلاث اشكالا يدعو الى الحيرة ، ولا يُستطاع النفوذ الى الحكمة الربانية فيه نفوذا تاما" .

أجل ، من يعتبر القرآن ، لفهم خاطئ في بعض تعبيره ، منزلا من لوح محفوظ في السماء ، لا يستطيع النفوذ الى الحكمة الربانية في تلك الآيات المتشابهات . أمّا مَن يعتبر القرآن "تفصيل الكتاب" على حدّ تعبيره (يونس 37) ، كما فصّله أيضا التلمود وبعض الاناجيل المنحولة ، فيعرف أنه "من أنباء الغيب" المنزل في الكتاب ، عند أهل الكتاب ؛ وما كان محمد ، ولا قومه من قبله ، يعرفونه ، قبل تفصيل أهل الكتاب له فيما بينهم ، كما يصرّح بذلك في قوله : "ولقد آتينا موسى الكتاب : فلا تكن في مرية من لقائه ! وجعلناه هدى لبني اسرائيل (من يهود ونصارى) . وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا" (السجدة 23 – 24) . فما على محمد أن يشك في لقاء الكتاب بواسطة أئمته الذين يهدون محمدا اليه بأمر الله . فالقرآن يتلو "أنباء الغيب" المنزل في الكتاب من قبله ؛ لكنه يفصّلها على حسب هدى أئمة الكتاب الذين يفصلون التوراة والانجيل بحسب التلمود والاناجيل المنحولة التي لديهم . ولا ننس القول الفصل : "وشهد شاهد من بني اسرائيل على مثله" (الاحقاف 10) .

وهناك شبهتان أخريان تشكلان مشكلتين . يقول أيضا دروزة : "وقد بقيت مسألتان قد تبدوان مشكلتين . أولاهما ما إذا كان ما احتواه القرآن من قصص صحيحا في جزئيات وقائعه ، وحقائق حدوثه . وثانيتهما ما بين بعض القصص القرآنية المتصلة بنبي أو أمّة ، من بضع الخلاف ، مثل وصف عصا موسى بالحية في سورة ، وبالثعبان في سورة أخرى ، ومثل ذكر وقت ما كان يقع على بني اسرائيل من فرعون ، من قتل الأنبياء

واستحياء النساء ، حيث ذُكر هذا الوقت في سورة أنه قبل بعثة موسى ، وفي سورة أنه بعد بعثة موسى . فنحن كمسلمين نقول أن كل ما احتواه القرآن حق وواجب الايمان ، وإنّا آمنا به "كلٌ من عند ربنا" . كما إننا نقول بوجوب ملاحظة كون القرآن في قصصه استهدف العظة والتذكير فحسب (لا التاريخ) ، وهما لا يتحقّقان إلاّ فيما هو معروف ومسلّم به إجمالا من السامع ، وان هذا أيضا من الحق الذي انطوى فيه حكم التنزيل ؛ وبوجوب الوقوف من هذه القصص عند الحد الذي استهدفه القرآن ، وعدم الاستغراق في ماهياتها على غير طائل ولا ضرورة ، لأنها ليست ممّا يتصل بالأهداف والأسس" .

تجاه تلك الشبهات ، أخرجت المدرسة الحديثة في تفسير القرآن ، منذ الامام محمد عبده ، القصص القرآني من دائرة التاريخ الى دائرة التمثيل . نقل صاحب المنار نظرية إمام المدرسة الحديثة ، بمناسبة اسطورة هاروت وماروت التي وردت في (البقرة 102) ؛ فيقول محمد عبده كما نقل رشيد رضا : "بيّنا غير مرة أن القصص جاءَت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار ، لا لبيان التاريخ ، ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الاخبار عن الغابرين . وإنه ليحكي من عقائدهم الحق والباطل ، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب ، ومن عاداتهم النافع والضار ، لأجل الموعظة والاعتبار . فحكاية القرآن لا تعدو موضوع العبرة" .

فالقصص القرآني لم يرد لذاته التاريخية ، والبحث العلمي ، بل للموعظة والعبرة . "وهذه الملاحظة مهمة وجوهرية جدا ، لأن من شأنها أن تحول دون استغراق الناظر في القرآن في ماهيات ووقائع ما احتوته القصص التي لم تُقصد لذاتها ؛ وأن تغنيه عن التكلّف والتجوّز في التخريج والتأويل والتوفيق ، أو الحيرة والتساؤل في صدد تلك الماهيات والوقائع ؛ وأن تجعله يُبقي القرآن في نطاق قدسيته من التذكير بالمعروف والارشاد والموعظة والعبرة ، ولا يخرج به الى ساحة البحث العلمي ، وما يكون من طبيعته من الأخذ والرد والنقاش والجدل والتخطئة والتشكيك ، على غير طائل ولا ضرورة" . فليس في القرآن تاريخ مقصود لذاته ، ولا بحث علمي في تاريخ الأنبياء . فالقصص القرآني ، ليس

للتاريخ ، بل للتمثيل والعبرة ، كما يقول أيضا السيد محمد خلف الله : "وفي الجملة ، إن أسلوب القرآن في التعبير عن أفكار الأنبياء والمرسلين أو الأقوام ، لا يشاكل الواقع ، وإنما يمشي على وتيرة واحدة ... والحوار فيه إنما يمثّل أكثر من كل شئ الدعوة الاسلامية ونفسية محمد صلى الله عليه وسلم . فالقصص القرآني ، في موضوعه كما في أسلوبه ، لا يشاكل الواقع والتاريخ ، بل يمثل الدعوة الاسلامية ونفسية محمد ، في اسلوب بياني قصصي .

والعبرة في الواقع التاريخي ، لا في التمثيل البياني ، حين الاستشهاد على صحة النبوة والدعوة بتاريخ الأنبياء وسيرتهم بين أقوامهم . فهل القصص القرآني من الاعجاز في التاريخ ؟


 

بحث ثالث

القصص القرآني من متشابه القرآن

إن النتيجة الحاسمة التي وصلوا اليها ، تجاه الشبهات على تاريخية القصص القرآني ، أنه من متشابه القرآن . فقد أجمع "أئمة الدين والتفسير ، منذ الصحابة ، على اعتبار القصص القرآني من المتشابه فيه" .

وهذا ما يبيّنه السيوطي في (الاتقان 2:2) عند استجماع أقوالهم في المحكم والمتشابه منه . قال : "المحكم لا تتوقف معرفته على البيان ، والمتشابه لا يُرجى بيانه . وقد اختُلف في تعيين المحكم والمتشابه على أقوال ... قيل المحكم ما لم تتكرر ألفاظه ، ومقابله المتشابه . وقيل المحكم الفرائض والوعد والوعيد ، والمتشابه القصص والأمثال ... وعن ابن عباس قال المحكمات ناسخه ، وحلاله وحرامه ، وحدوده وفرائضه ، ما يؤمن به ويعمل به ؛

والمتشابهات منسوخه ومقدمه ومؤخره ، وأمثاله وأقسامه . ما يؤمَن به ولا يُعمل به . وعن مجاهد قال : المحكمات ما فيه الحلال والحرام ، وما سوى ذلك منه متشابه يصدّق بعضه بعضا . وعن الربيع قال : المحكمات هي أوامره الزاجرة" .

فالاجماع أن المحكم من القرآن هو فقط أحكامه ، وما سوى ذلك فهو من متشابه القرآن "الذي لا يُرجى بيانه" ، "ما استأثر الله بعلمه" .

فقصص القرآن من المتشابه فيه . وأمثال القرآن من المتشابه فيه . وأخبار الملائكة والجن من المتشابه فيه .

ومشاهد الكون ونواميسه من المتشابه فيه . قال دروزة : "وبتعبير آخر : (إن ما ورد في القرآن من مشاهد الكون ونواميسه) وقد استهدف العظة والإرشاد والتنبيه والتلقين والتدعيم والتأييد دون أن ينطوي على قصد تقرير ماهيات الكون وأطوار الخلق والتكوين ، ونواميس الوجود ، من الناحية العلمية والفنية" .

ومشاهد الحياة الأخروية وصورها من المتشابه فيه . وهذه الملاحظة "من شأنها أن تجعل الناظر في القرآن يتجنب الاستغراق في الجدل حول مشاهد الحياة الأخروية وصورها ، والتورط والتكلّف والتزيّد في صدد ما يقوم في سبيل الماهيات والحقائق لذاتها ، ويذكر أن هدف القرآن في ما جاءَ من التعابير والأوصاف هو العظة والتنبيه وإيقاظ الضمائر ... ويتذكر أن ماهية هذه الحياة وحقيقتها مغيّبتان لا يُستطاع فهم شئ عنهما إلاّ بالأوصاف الدنيوية ، وأن حكمة الله اقتضت وصفهما بهذه الأوصاف على سبيل التقريب والتشبيه" .

وأوصاف ذات الله في القرآن من المتشابه فيه . "إن ما ورد في القرآن ممّا يتصل بذات الله السامية من تعابير اليد والقبضة واليمين والشمال والوجه والاستواء والنزول والمجئ ، وفوق وتحت وأمام ، وطي وقبض ونفخ ، إنما جاء بالاسلوب والتعابير والتسميات التي جاءَ بها من قبيل التقريب لأذهان السامعين ... حيث يصح أن يقال : ان ورودها في القرآن كذلك على سبيل التقريب والتشبيه" وبكلمة موجزة : إن القرآن يدعو الى الايمان بالله واليوم الآخر ؛ "أما ما عدا ذلك ممّا احتواه القرآن من مواضيع مثل القصص والأمثال والوعد والوعيد والترهيب والترغيب والتنديد والجدل والحجاج والأخذ والرد ، والتذكير والبرهنة والإلزام ، ولفت النظر الى نواميس الكون ومشاهد عظمة الله وقدرته ، ومخلوقاته الخفية والعلنية – فهو وسائل تدعيمية وتأييدية الى تلك الأسس والأهداف وبسبيلها" .

فإذا كان القرآن كله ، ما عدا أحكامه التشريعية ، من المتشابه فيه ، فكيف يكون قصصه ، وأمثاله ، وأخباره عن الخلق ، وأخباره عن اليوم الآخر ، من الاعجاز في التاريخ ؟ والاعجاز في النبوة ؟


 

خاتمة

قصصه تصديق وتفصيل

الواقع المشهود في القرآن أن قصصه العربي قليل ، من أساطير الأولين ؛ وقصصه الآخر كتابي ، على رواية التلمود . وفي مطلع سورة يوسف صفة القصص القرآني : "نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرآن" . ومثاله قصة يوسف . وهي مشهورة في الكتاب . لذلك يعتبر القرآن نفسه أنه "ما كان حديث يُفترى ، ولكن تصديق الذي بين يديه (قبله) وتفصيل كل شئ" ، كما يقول في ختامها (111) . ونعرف أن "التفصيل" في اصطلاحه يعني التعريب (حم فصّلت 44) . فإذا كان أحسن القصص عنده تصديقا وتفصيلا للقصص الكتابي ، فهل في ذلك اعجاز في التاريخ ؟

  • عدد الزيارات: 10791
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.