مصادر الإسلام

عرضات القرآن السنوية على جبريل لتنقيح القرآن

عرضات القرآن السنوية على جبريل لتنقيح القرآن

فى تنزيل القرآن ميزة ما بين الواقع و الخرافة ، أشار اليها العلماء : و هى عرضات القرآن السنوية على جبريل : " و المعتمد أن جبريل كان يعارضه فى رمضان ، بما ينزل به طول السنة" (الاتقان : 1 : 41 – فى آخر الصفحة) .

أولا – واليك هذه القصة الغريبة كما أثبتها السيوطى فى ( الاتقان 1 : 51 ) :


" أخرج ابن اشته ( فى المصاحف ) و ابن أبى شيبة فى ( فضائله ) من طريق ابن سيرين عن عبيدة السلمانى قال ، القراءة التى عرضت على النبى صلعم فى العام الذىقبض فيه هى القراءة التى يقرأها الناس اليوم .

" و أخرج ابن اشته عن ابن سيرين قال : كان جبريل يعارض النبى ص كل سنة فى شهر رمضان مرة . فلما كان العام الذى قبض فيه عارضه مرتين . فيرون ان تكون قراءتنا هذه على العرضة الأخيرة " .

هذا هو الواقع الذى يعلمون : كان جبريل ، كل سنة ، فى شهر رمضان ، يستعرض القرآن مع النبى . إن صح ما يعلمون فما معنى هذا الواقع ؟ معناه المحتوم انه فى بحر السنة دخل القرآن ما ليس منه فاضطر جبريل الى تنقيحه ، أو كان التنزيل الأول ناقصا فجرى تكميله .

و تنزيل بحاجة كل سنة إلى استعراض و تنقيح هل هو من الاعجاز فى التنزيل !

و لإكمال الرواية أشركوا زيدا بن ثابت فى العرضة الأخيرة : " و قال البغوى فى ( شرح السنة ) يقال : إن زيدا بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التى بين فيها ما نسخ و ما بقى ، و كتبها للرسول ص و قرأها عليه . و كان يقرىء الناس بها حتى مات . و لذلك اعتمده أبو بكر و عمر فى جمعه ، وولاه عثمان كتابة المصاحف " .

فميزات العرضة الأخيرة أنها كانت مرتين ، و بين فيها ما نسخ و ما بقى من القرآن ، و أن زيدا حضرها و كان شاهدا لها ، و ان زيدا كتب القرآن الباقى فيها و قرأه على النبى .

و نرى هنا تهافت الرواية ، فهى كلها قيل عن قيل ، بلا سند و لا شاهد . و ما فضل زيد على أبى بكر الصديق ، و خصوصا على عمر بن الخطاب الذى طالما نزل القرآن على ما قال ؟ إنها رواية موضوعة لبيان حسن اختيار زيد لوضع المصحف العثمانى ، و هو الذى استنكر و استكبر إمكانية جمع القرآن بعد الرخص النبوية الأربع بتلاوته على سبعة أحرف ، بقراءات مختلفة لكل حرف ، و بجميع لغات العرب المختلفة ، مع الرخصة الكبرى بقراءته بالمعنى من دون الحرف المنزل .

لكن الواقع التاريخى الذى يتراءى من خلال هذه الرواية أن النبى كان ينقح ما نزل من القرآن فى بحر السنة ، كما كان فحول الشعراء ينقحون حولياتهم . و هذا التنقيح السنوى المتواصل ليس من " دلائل الاعجاز " فى القرآن .

و الدلائل القرآنية على تنقيح القرآن السنوى المتواصل هى :

1 ) التبديل فى آى القرآن : " و اذا بدلنا آية مكان آية – و الله أعلم بما ينزل – قالوا : إنما أنت مفتر " ! ( النحل 101 ) .

2 و 3 ) النسخ فى آى القرآن أو النسيان المفروض : " ما ننسخ من آية – أو ننسها – نأت بخير منها ، أو مثلها " ( البقرة 106 ) . و امكان الاتيان " بخير منها " يرفع صفة الاعجاز عنها و عن غيرها .

4 ) المحو من آى القرآن : " يمحو الله ما يشاء و يثبت ، و عنده أم الكتاب " ( الرعد 39 ) ؟ فالمحو من التنزيل ، و النسيان الذى يفعله الله فيه ، و النسخ منه ، و التبديل فيه ، كلها دلائل قرآنية قائمة على تنقيح القرآن المتواصل .

فليس الاعجاز فى النظم و البيان من التنزيل نفسه ، بل من عمل النبى ، أو عمل جبريل ، " و لم يقل أحد ان كلام غير الله معجز فى ذاته " ، على حد قول ابن حزم .

و يأتى الحديث فيؤيد القرآن فى هذه الظاهرة الغريبة .

يقول دروزة (القرآن المجيد ص 90) : " هذه الآيات ( البقرة 106 و النحل 101 ) تفيد أنه وقع بعض التبديل و النسخ فى بعض آيات القرآن ، فى عهدى النبى المكى و المدنى ، بوحى الله . مما هو مؤيد بأحاديث عديدة ، مثل حديث مروى عن أبى موسى الأشعرى جاء فيه : ( نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت ) ، و مثل حديث أخرجه الطبرانى عن ابن عمر جاء فيه : ( ان النبى أقرأ رجلين سورة فكانا يقرأان بها ، فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف ، فأصبحا غاديين على رسول الله فذكرا له ذلك ، فقال : إنها مما نسخ فالهوا عنها ) ، و مثل حديث رواه البخارى عن أنس : ( انه نزل فى قصة أصحاب بئر معونة قرآن قرأناه ثم رفع ) " .

فالتنقيح للقرآن كان صارما حتى " ذهب منه قرآن كثير " على قول ابن عمر . فهل هذا التنقيح السنوى للقرآن من الاعجاز فى التنزيل ؟

ثانيا – و ما وقع للنبى فى تنزيل القرآن ، وقع للصحابة عند جمعه . فلقد كان القرآن برخصة من النبى يقرأ على سبعة أحرف ، " باختلاف الألفاظ و اتفاق المعانى " . و كان يقرأ فيه أيضا المنسوخ كله ، كما جمعه مصحف على ابن أبى طالب . فحدثت البلبلة و الفوضى فى نص القرآن .

نقل السيوطى أيضا تاريخ ما فعله الصحابة عند جمع القرآن ، عن الطبرى ، مع الموافقة عليه : "

إن القراءة على الاحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة ، إنما كان جائزا لهم و مرخصا لهم فيه . فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق و تختلف إذا لم يجمعوا على حرف واحد ، اجتمعوا على ذلك إجماعا شائعا . و هو معصومون من الضلالة (هل كان الصحابة أنبياء مثل محمد حتى يكونوا معصومين ؟ ! ) . و لم يكن فى ذلك ترك واجب و لا فعل حرام . و لاشك أن القرآن نسخ منه فى العرضة الأخيرة . فاتفق رأى الصحابة على أن كتبوا ما تحققوا أنه قرآن مستقر فى العرضة الأخيرة ، و تركوا ما سوى ذلك " .

هذا موجز لتاريخ جمع القرآن . لقد وجد الصحابة عند جمع القرآن أمام سبعة أحرف ، " باختلاف الألفاظ ، و اتفاق المعانى " ( الطبرى ) ، اى أمام سبعة قرائين مختلفة لفظا و نظاما و ترتيبا ( كما يشهد مصحف على ) : فاتفقف رأى الصحابة على حرف منها . و هذا أخطر ما فى حفظ القرآن و جمعه : فنص القرآن العثمانى توفيقى عن الصحابة ، لا توفيقى عن النبى .

و لتغطية ما فى الأمر من أخطار و مشاكل ، يلجأون الى روايتين : الرواية الأولى قصة العرضة الأخيرة و ما نسخ من القرآن فيها باستعراض جبريل و النبى و زيد ، و هذا النسخ و الاسقاط من القرآن إنما كان بفعل الصحابة بزعامة بنى أمية ، لأن التيار المعارض من آل البيت ، بزعامة على و فاطمة الزهراء ، قد حفظ فى مصحف على الناسخ و المنسوخ الذى اسقطوه من الحرف العثمانى ، و حفظ الترتيب على تاريخ النزول .

و الرواية الثانية لتبرير عملهم هى قوله : " و هم معصومون من الضلالة " – فأى شاهد من قرآن أو من حديث يشهد بعصمة الصحابة و لجان عثمان ؟ و لا عصمة إلا للنبى ، و فى

حال التنزيل فقط ، و بعد التنزيل فالأمر متروك الى استقامة النبى ، و استقامة جماعته بعده ، حيث لا يتمتعون بعصمة و لا بمعجزة .

فاختيار الحرف العثمانى ، من بين سبعة أحرف فما فوق ، و من بين قراءات مختلفة عليها ، و من بين لغات العرب المختلفة ، إنما هو باتفاق رأى الصحابة و حزب عثمان و بنى أمية .

النتيجة الحاسمة : ان قصة عرضات القرآن متعارضة فى ذاتها ، و هى انما تدل على تنقيح متواصل للقرآن .

و هكذا فالتبديل فى مكة ( النحل 101 ) و النسخ فى المدينة ( البقرة 106 ) شاهدان على تنقيح القرآن على عهد النبى ، و قصة العرضات السنوية للقرآن إنما تدل على تنقيح متواصل لنص القرآن . فإذا كان النص الأصيل المنزل منقولا عن اللوح المحفوظ بواسطة جبريل نفسه ، فكيف كان جبريل يغير فيه و يبدل و ينسخ و يسقط و ينقح كل سنة ؟ فهل قرأ غلطا أم نقح غلطا ؟ أم هو كان الله نفسه يغير ما فى اللوح المحفوظ المكتوب منذ الأزل حتى يضطر جبريل الى التنقيح السنوى المتواصل ؟ أم هل كان النص الأصيل المنزل قد دخله التحريف فى بحر كل سنة ، مما يضطر معه جبريل الى تقويمه و تنقيحه سنويا ؟ و هنا الطامة الكبرى التى تنطوى عليها قصة العرضات السنوية للقرآن .

فإذا كان ذلك على حياة النبى المعصوم ، فماذا يكون مع الفوضى التى قامت حتى الجمع العثمانى غير المعصوم ؟ فهل فى قصة عرضات القرآن السنوية ، و فى قصة اختيار الحرف العثمانى من " دلائل الاعجاز " فى التنزيل ؟

أضف تعليق


إستمع واقرأ الإنجيل