حتمية التشريع البشري - صلاحية أحكام الشريعة لكل زمان ومكان

الصفحة 2 من 2: صلاحية أحكام الشريعة لكل زمان ومكان

أما العبارة الثانية التي يختلط معناها في الأذهان فهي صلاحية أحكام الشريعة لكل زمان ومكان. فأنا أشك كثيراً في أن يكون هناك نص ديني مباشر يحمل المعنى الذي فهمه بها قائلوها! وأعتقد أن التفكير في هذه العبارة بشيء من التعمُّق يكشف فيها عن تناقضين أساسيين:

الأول: يرجع إلى أن الإنسان كائن متغيّر، ومن ثمَّ ينبغي أن تكون الأحكام التي تنظم حياته متغيّرة. وهذا يحتّم أن تكون القواعد التي يخضع لها متغيّرة بدورها. فالعقل البسيط والمباشر يأبى أن يكون في المجال البشري ما يصلح لكل زمان ومكان، ما دام الإنسان ذاته قد طرأت عليه تغيرات أساسية في الزمان، منذ العصر الحجري حتى عصر الصواريخ، كما طرأت عليه تغيرات جوهرية في المكان ما بين بيئة الجزر الاستوائية البدائية وبيئة المدن الصناعية الشديدة التعقيد.

أما التناقض الثاني: فهو أن قولهم هذا يعني الحَجْر على الإنسان والحكم عليه بالجمود الأبدي، لأن الله قد وضع للناس، في وقتٍ ما، شرائع ينبغي أن يسيروا وفقاً لها إلى أبد الدهر. وأقصى ما يمكنهم أن يتصرفوا فيه هو أن يجدّدوا في تفسير هذا النص أو تأويل ذاك، ولكن الخطوط العامة لمسار البشرية اللاحق كله مرسومة ومحدَّدة. والتناقض هنا يكمن في أن أصحاب هذا الفهم يؤكدون في الوقت ذاته أن الله قد استخلف الإنسان في الأرض، وكرَّمه على العالمين. فهل يتمشَّى هذا الاستخلاف مع تحديد المسار البشري مقدَّماً، ووضع قواعد يتعيّن على الإنسان ألا يخرج عنها مهما تغيَّر وتطّوَر؟ هل يمكن أن يلجأ الأب الحريص على رعاية أبنائه وسلامة نموهم العقلي والنفسي إلى وضع قواعد ثابتة وأوامر محددة لا يحيدون عنها طوال حياتهم؟ أليس مما يتمشَّى مع حرصه عليهم أن يترك لهم هامشاً واسعاً من حرية التصرف؟

في الميدان البشري لا شيء ثابت أو نهائي. ولقد اعترف الكثيرون بهذه الحقيقة، ولو بصورة ضمنية، حين ميَّزوا بين أحكام الشريعة العامة وبين تطبيقاتها، وأكدوا أن الحكم العام يقبل تفسيرات ينبغي الاجتهاد فيها حسب متطلبات كل عصر. وهذا موقف سليم، ولكن ينبغي أن ننتبه جيداً إلى النتائج التي تترتَّب عليه. فكلما ازداد العصر تعقيداً وكلما جدَّت عليه متغيّرات عملية وتكنولوجية واجتماعية واقتصادية كان معنى ذلك أن دور الاجتهاد يتزايد، ودور المبدأ العام يتناقص، بحيث أن القدر الأكبر من الجهد الذي يُبذل من أجل تدبير شئوننا يصبح بشرياً، ويتعيَّن علينا أن نعتمد على عقولنا وتفكيرنا في معظم أمور حياتنا. وبقدر ما تزداد المسافة اتِّساعاً بيننا وبين عصر نزول الوحي، تزداد حاجتنا للاجتهاد البشري. إذاً سيظل هناك صراع بين الطابع التفصيلي للنص الإسلامي ومدى شموله، فكلما ازداد تفصيلاً زادت صعوبة تطبيقه في ظروف الحياة الإنسانية الدائمة التغيُّر. فإذا حُلَّ هذا الصراع عن طريق الاكتفاء بأعم مبادئ الشريعة كان معنى ذلك ملء التفاصيل من مصدر آخر غير الشريعة، هو مقتضيات العصر ومتطلّبات المجتمع في زمن معين، وتجربة الإنسان وخبرته الدنيوية، وكذلك ما يستمده من خبرات المجتمعات والشعوب الأخرى. فإذا عملت حساب تغيّر الأحوال البشرية كان من الضروري أن يقلّ شمول النصوص وتقتصر على العموميات، وإذا أصررت على التطبيق التفصيلي للنصوص كان معنى ذلك أنك تتجاهل حقيقة التغير.

إذاً سيظل النص الديني في حاجة إلى البشر ليصبح حقيقة واقعة ويطبق في مجال إنساني ملموس. وعلى الرغم من أن الإسلام لا يعرف كهنوتاً، ولا يعترف بهيئة كنسيّة منظمة تكون وسيطاً شرعياً بين كلمة الله وأفعال الإنسان، فإن تفسير النص الديني على يد إنسان ما يظل أمراً لا مفرّ منه حتى يصبح هذا النص حقيقة واقعة، وهكذا يبدو من الضروري وجود توسّط بشري من نوع ما بين النص والواقع، وفي عملية التوسّط البشري هذه تظهر كافة الأخطاء والتحيّزات التي يتعرض لها بنو الإنسان. فإذا كان النص إلهياً مقدساً فإن من يطبّقه ويفسّره إنسان يتصف بكل جوانب الضعف البشرية. وأخطر ما في الأمر أن الإنسان الذي يتصدى لهذا التفسير والتطبيق يُضفي على نفسه قدراً )يزيد أو ينقص( من تلك القداسة التي تتَّسم بها النصوص الدينية، ويقدم أوامره أو فتاويه للناس بوصفها تعبيراً عن رأي الدين ذاته، لا عن فهمه هو للدين، ويصف معارضيه بأنهم أعداء الدين، لا بأنهم أعداء طريقته الخاصة في تفسير الدين.

إن الحكم تجربة بشرية، قد تصيب وقد تخطئ. وحين نعترف منذ البداية بهذا المبدأ يصبح إمكان تصحيح هذه التجربة قائماً على الدوام. ولكن الحكم الذي يرتكز على السلطة الدينية، والذي هو على الدوام حكم بشري يعطي نفسه سلطة تفوق سلطة البشر، لا يصحح أخطاءه بسهولة، وربما أضفى على نفسه نوعاً من العصمة يمنعه أصلاً من الاعتراف بأي خطأ .

وبعد..

فإن ما تقدم من صفحات وما طرحتُه من علامات استفهام حول شريعة الإسلام لم يطرحها المناظر المسيحي وحده، بل شارك فيها علماء المسلمين، وعلى رأسهم الشيخ سيد قطب، والمودودي، وعدد من أساتذة التاريخ الإسلامي والفقه والشريعة، فضلاً عن التيار العلماني وعلى رأسه الدكتور فؤاد زكريا الذي ختمت بحثي بكلمته.

الصفحة
  • أنشأ بتاريخ .
  • عدد الزيارات: 5669
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.