مأزقٌ مِن معادلةٍ صعبة - مفترق الطرق

الصفحة 2 من 3: مفترق الطرق

مفترق الطرق:

ولقد أدرك بالفعل أبناء العالم الإسلامي أهمية عودة الدولة الإسلامية التي أصبح وجودها فريضة شرعية . فأصبح العمل لهذه العودة هدف الإسلاميين جميعاً. غير أن وحدة الصف الإسلامي لم تدم طويلاً، وسرعان ما أصابه التفتُّت والتشرذم عندما انتقلوا إلى الخطوة الثانية وهي: ما السبيل إلى عودة المجتمع الإسلامي المنشود؟ فغدا الإسلام الواحد ألف إسلام، وأصبحت الجماعة أحزاباً وجماعات. منهم من يرى أن الجهاد والقتال والوقوف بالساعد والسلاح أمام القوى الجاهلية هو الطريق الوحيد لعودة الشريعة. ومنهم من يؤكد على فعالية القنوات الشرعية التي تتيحها الدولة في إقامة مجتمعهم الإسلامي. وآخرون يرون أن السبيل هو الانسحاب من الساحة السياسية والعمل على عودة المسلمين إلى ساحة المساجد وتربيتهم على الخلق الإسلامي القويم. ومنهم من هجر إلى بطون الصحراء والجبال مكفِّراً المجتمع حكاماً ومحكومين. ولكن بالرغم من هذا الاختلاف الواضح في وسائل الفصائل الإسلامية للوصول لكيفية تطبيق الشريعة، إلا أن هناك خطاً عريضاً اتفقت عليه، هو وجوب تطبيق أبناء الحركة الإسلامية الإسلام في أنفسهم وحياتهم الشخصية حتى يتمكنوا من إقامة مجتمعهم الإسلامي، وأصبحنا لا نكاد نرى مقالاً أو كتاباً يتناول الحركة الإسلامية إلا ويشير إلى عبارة مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن الهضيبي: أقيموا دولة الإسلام في أنفسكم تُقَمْ على أرضكم. إن ميدانكم الأول أنفسكم، فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإذا أخفقتم في جهادها كنتم على غيرها أعجز . وقال سيد قطب: لن يقام المجتمع الإسلامي إلا إذا حملته جماعة من البشر تؤمن به إيماناً كاملاً وتستقيم عليه وتجتهد لتحقيقه في قلوب الناس، وتجاهد لهذه الغاية بكل ما تملك .

ولكن هذا المبدأ الوحيد، الذي أجمعت عليه الفصائل الإسلامية على تعدُّدها وتنّوُعها في وسائلها، يُعدّ مخالفة صريحة للإسلام كما يفهمونه. فالإسلام كما قدّموه دين شامل متكامل، وهم لا يعنون بشموليته أنه دينٌ جمع بين العقيدة والشريعة فحسب، أو أنه جمع بين الجسد والروح، أو أنه شمل الدنيا والآخرة. بل الشمول والتكامل في المنهج الإسلامي تكاملٌ يجعل من الصعوبة أن تُطبّق جزئية واحدة منه دون باقي جزئياته، ثم تعطي نتيجة يرتضيها الناس من منهجٍ إلهي. فمثلاً لايمكن أن نطبق عقيدة الإسلام بدون شريعته، أو نطبق شريعته دون عقيدته. ففي الحالتين يُفقد الشمول والتكامل الذي يؤدي بدوره إلى فقدان الإسلام عقيدة ومنهاجاً، لأن الشريعة الإسلامية منبثقة من العقيدة، بل هي جزء منه (سيد قطب المستقبل لهذا الدين).

بل أن التكامل والشمول في المنهج الإسلامي يمتد ليشمل التكامل بين الشريعة والبيئة التي ستُطبَّق فيها. وهو تكامل حتمي، والفصل بينهما يؤدي إلى القضاء عليهما تلقائياً. فإن طبَّقنا الشريعة في بيئة يسودها جّوٌ جاهلي لفظتها جماهير الناس. وإن طبقنا قانوناً جاهلياً في بيئة إسلامية لفظ الجماهير أحدهما. فالتكامل بين البيئة والشريعة حتمي وضروري.

وبموجب هذا الفهم لشمولية الإسلام وتكامله، يعتقد قادة الحركات الإسلامية أن تطبيق الإسلام في حياة أبنائها وهم يعيشون في بيئة غير إسلامية دعوة تخالف جوهر الإسلام، كما أنها مستحيلة التطبيق.

فالمجتمع الإسلامي (بحسب سيد قطب) لا يقوم حتى تنشأ جماعةٌ من الناس تقرر أن عبوديتها الكاملة هي للَّه وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله، ثم تأخذ بالفعل في تنظيم حياتها كلها على أساس هذه العبودية الخالصة، تنقي ضمائرها من الاعتقاد في ألوهية أحد غير الله، وتنقّي شرائعها من التلقي عن أحد غير الله!!

ويقول سيد قطب: "لا بد أن تتمثل القاعدة النظرية للإسلام في مجتمع عضوي حركي منذ اللحظة الأولى، منفصل ومستقل عن التجمّع الجاهلي، الذي يستهدف الإسلام إلغاءه. عندئذ فقط تكون هذه الجماعة مسلمة، خلصت ضمائرها من العبودية لغير الله اعتقاداً وعبادة وشريعة، وهي التي ينشأ منها وبها المجتمع الإسلامي (عن كتاب معالم في الطريق).

فلكي تعود دولة الإسلام لا بد من قيام جماعة تربّي نفسها على منهجه وأخلاقه وتعيش به وتدعو إليه - أي يتمثل الإسلام في تجمع عضوي حركي بتعبير سيد قطب.

تطبيق هذا التجمع للمنهج الإسلامي مستحيل في ظل الهيمنة الجاهلية
الصفحة
  • أنشأ بتاريخ .
  • عدد الزيارات: 6666
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.