اشتراك منظور بن غطفان العَبْسي

الفصل الثالث
اشتراك منظور بن غطفان العَبْسي

في الحوار

أ - المقدمة

1) اعتداد كل متحاور بموقفه

ثم قال الراهب: فإذا أردتُ أوضح لك ما نحن عليه، فادْعُ رجلاً يناظرني وأناظره بين يديك.

فدعا الأميرُ المنظورَ بنَ غفطانَ العبسي. فأخبره بما كان من الراهب. وأوفى إلى الراهب وقال: أنت، أيها النصراني، المتقوِّل على الله الكذب، اجمع الآن عقلك، وانظر كيف تكون. واعلم أنك قد لقيتَ ناراً لا يُطاق ضِرامُها.

قال الراهب: أراك عكازَ أخا عبلة الذي ترك أخته في الغُربة ونجا بنفسه من الورطة، ولا أرى فيك من طرائف عنتر شيئاً. وأظنك ممن إذا حلت به الصيحة قال: أبادر بالصياح فيفرون. ثق بالله واطمئن، فإنك في أمن وخير. فاعلم أنك إن سُمِّيتَ ناراً لا يُطاق ضِرامها فإني بحرٌ لا يُطاق زفيره، فمتى لقي بحري حرَّ نارك أخمده وأهلكه.

قال المسلم: لا قوة إلا بالله. هات قولك في الله.

2) أساس الحوار: الكتب المقدسة والمسيح

قال الراهب: كل بناء لا يكون له أساس لا يتم.

قال المسلم: وما أساس بنائك؟.

قال الراهب: كُتب الأنبياء والرسل.

قال اليهودي: نحن لا نقبل من الكتب الحديثة شيئاً.

قال المسلم: ما نقبل شيئاً من العتيقة ولا من الحديثة، لأننا لا نعرفها.

قال الراهب لهما: إن شئتما كفيتماني أنفسكما، لأنكما لي خصمان بالحق.

قال المسلم: وكيف ذلك؟.

قال الراهب: أمَا تشهد يا منظور أن المسيح كلمة الله وروحه، وأنه وُلد من مريم العذراء البتول، من بنات إسرائيل، من غير مجامعة ولا زرع بشر، وأنه أظهر الآيات والعجائب، وطلع إلى السماء، ويأتي ثانية فيدين الدجّال وكل من معه، ولا مسيح حق غيره؟.

قال المسلم: صدقْتَ، يا راهب، هو كما قلت في المسيح.

ثم قال الراهب لليهودي: بحق أَهْيَا أَشِرْ أَهْيَا، وبحق العشر الكلمات التي نُزّلت على يد موسى وهرون وجميع الأنبياء، هل تعلم أن الله أوعد إسماعيل النبوّة، أو قال إنه يُخرج من نسله نبياً أو رسولاً، أو هل لمحمدٍ ذِكْرٌ في شيء من الكتب؟.

قال اليهودي: لا والله، ما له ذكر في شيء من الكتب، ولا لأحد من نسله، ولا وَهَبَ اللهُ له غيرَ المُلك والسلطان.

قال الامير: كذبت، يا عاصٍ. ثم قال له: خذوا فيما كنا فيه.

قال المسلم: مِن أين قبلت يا راهب أن الله ثلاثة أقانيم؟.


ب - المسألة الأولى: الثالوث القدوس

1) التمهيد: مبادئ أساسية وتعريفات لاهوتية

قال الراهب: قبلناه من الحواريين.

قال المسلم: وماذا قال الحواريون؟.

قال الراهب: نحن معشر الشعوب والأمم، كنا نعبد الأصنام وغيرها، حتى أتانا يوحنا بن زكريا خاتم الأنبياء والحواريين، ودعا إلى معمودية باسم الآب والابن والروح القدس، إله واحد. ففزعنا من هذه الأسماء، فقالوا لنا: لا تفزعوا، فإنها أقانيم الله الواحد.

وليس الأمر كما تُفكرون. إنما نعرف الله بكلمته وروحه جوهراً واحداً وإلهاً واحداً. إذ نقول: ابن الله، فليس هو كمثل الابن من الأب والأم. لكنّ كلمة الله مولودة منه بلا انفصال. ولا هو أقدم من كلمته وروحه، ولا كلمته وروحه بأحدث منه.

ولكنّ الكلمة من الله لم تزل نوراً من نور، إلهاً حقاً من إله حق، من جوهر أبيه، ابن مولود من أب غير مولود، ابن وحيد من أب ليس له والد، كامل غير مُحْدَث، من كامل غير ناقص. إله طاهر من إله طاهر.

والروح البرقليط روح مرفرف متعطف. روح حليم من أب حليم، روح محمود من أب معبود.

فإذا قلنا الآب، فهو الله القوي القادر الذي ليس له ابتداء ولا انتهاء، ولا تغيُّر ولا فناء. وإذا قلنا الابن، فهو الله الكلمة الأزلية الذي لم يزل ولا يزول. وإن قلنا روح القدس، فهو الله الخالق الرحمان الرحيم.

2) إثبات الكتاب المقدس

قال الراهب: ولا تظنوا أن هذه الأسماء لم تظهر إلا على أيدينا، لكن أظهرها الله على يد الأنبياء من قبلنا: اسم الآب في موضع، واسم الابن في موضع، واسم روح القدس في موضع.

وهذا كتابنا قد جئناكم به، فاقبلوه. فإنّا أَرسلنا إلى الشعوب والأمم رحمة من الله إلى العالم. واجمعوا التوراة وكتب الأنبياء، فإن رأيتم تحقيق ما نقول لكم بشهادات من التوراة وكتب الأنبياء فاقبلوه، وإلا فلا تقبلوه.

وجئنا بالإنجيل، فإذا فيه مكتوب: في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.

وفتحنا التوراة، فإذا في أولها: وكان روح الله يرفّ على وجه المياه.

وفتحنا الزبور، فإذا فيه: بكلمة الله خُلقت السماوات وبروحه أحيا جميع الملائكة، وبقوة الله وعلم قدرته، وبكلمته وروحه اجتمعت مياه البحار، وجمدت الجبال والآكام، ويبست الأرض، وأطلقت الأشجار والأثمار، وانعقد ما في البحر، وكل طير، وانجلت الظلمة وظهر نور المصابيح. وقال داود النبي: لماذا ارتجَّت الأمم وتفكَّر الشعوب في الباطل؟ قامت ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه، قائلين: لنقطع قيودهما، ولنطرح عنّا ربطهما. الساكن في السماء يضحك، والرب يستهزئ بهم. إنما قصد، بهذه: الأقانيم الأزلية. وقال أيضاً: أرسل كلمته فشفاهم. وقال أيضاً: أسبح لكلمة الله. وقال أيضاً: إلى الأبد يا رب، كلمتك مثبتة في السماوات وقال أيضاً: قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك

وقال الله لموسى: انطلق إلى فرعون وقل له: خلّ ابني بكري إسرائيل يعبدني في هذا الجبل. وقال موسى: يا رب، إن سألني فرعون: ما اسم إلهك؟ ماذا أقول له؟. فقال الله له: قل لفرعون: أَهْيَا أَشِرْ أَهْيَا أرسلني. أَهْيَا بعثني. وقال موسى أيضاً: ربنا وإلهنا إله واحد.

وقال داود: يباركنا الله وتخشاه كل أقاصي الأرض.

وقال الله: لنخلق الإنسان على صورتنا كشَبَهنا. وزرع الله في قلوب الملائكة أنه إله واحد. وقالت الملائكة: اليوم يرينا الله صورته ومثاله. افهم أيها السامع إلى قول الله، إذ يقول عن الثلاثة أقانيم إلهاً واحداً، إذ قال: نخلق إنساناً. وقالت الملائكة: اليوم يرينا الله صورته. فلما خلق الله آدم، أسكنه الجنة وقال: هوذا آدم قد صار مثل واحد منا. ليس أن آدم صار كذلك بذاته. لكن لسابق علم الله أنه شاء أن يكون من نسل آدمَ، آدمُ الثاني الذي هو أحد أقانيم الله الأزلي، ويطلع الى السماء ويجلس على الكرسي. من أجل هذا قال الله: هوذا قد صار آدم مثل واحد منا.

وقال الله: هلم ننزل ونبلبل لسانهم. افهم أيها السامع إلى قول الله: هلم ننزل، سبحانه وتعالى الذي لا يوصف لا بنزول ولا بصعود. ولكنه قال هذا ليعرف عباده أنه وكلمته وروحه جوهر واحد وإله واحد.

قال سليمان الحكيم: من صعد إلى السماوات ونزل؟ من جمع الريح في حفنتيه؟ من صرَّ المياه في ثوب؟ من ثبّت جميع أطراف الأرض؟ ما اسمه وما اسم ابنه إن عرفت؟.

قال أيوب الصدّيق: روح الله خلقني، وهو علَّمني الحكمة والفهم. وبحكمته ملك كل شيء، وبروحه يدين الخلائق.

وقال إرميا النبي: روح الله هو الناطق بلساني.

وقال إشعياء النبي: يبس العشب وذبل الزهر، أما كلمة الله فتثبت إلى الأبد.

وقال أيوب أيضاً: يمشي على أعالي البحر. فهل مشى على البحر إلا المسيح الذي تريد أنت أن تطفئ نوره، والله مُظْهره ومعظِّمه؟ له السبح والمجد إلى الأبد.

قال الأمير لمن حضر: أحقٌّ ما قال الراهب؟.

قالوا: نعم، أيها الأمير، وأكثر من هذا في الكتب.

قال الراهب لليهودي: ماذا تقول أنت حقاً؟ ماذا قال الله وما بلغت أنبياؤه ورسله؟.

أجاب اليهودي: لا يقاومك في أن الله وكلمته وروحه واحد، إلا من لا ينظر الكتب.

3) الإثباتات بالتشابيه

وسأل الراهب: ما تقول، أيها المسلم؟.

أجاب المسلم: آمنَا بالله ورسله. ولكننا نعلم أنه ليس والد إلا وهو أقدم من ولده.

قال له الراهب: صدقتَ أيها المسلم، كل والد أقدم من ولده، ما خلا الله وكلمته وروحه. الكلمة مولودة منه بلا حَدَث، ظاهرة منه بلا انفصال، إلا أننا نقول إن الله أب. فقد نعلم أن الشمس والقمر والنار مخلوقة، ونرى ضوء جميعها مولوداً منها بلا حَدَث. وحرارتها ظاهرة منها بلا انفصال. كذلك الله وروحه وكلمته بلا تفريق ولا انفصال. لا هم أقدم من كلمته وروحه، ولا كلمته وروحه بأحدث منه، ولا نعرف الله إلا بالكلمة والروح. ولو كان بين الله وبين كلمته وروحه انفصال، لكان له ابتداء وانتهاء.

قال الأمير: ويحك يا راهب! وما تُفرقون بين الله وبين كلمته وروحه؟.

قال الراهب: كما أنه لا يُفرَّق بين الضوء والحرارة وقرص الشمس، كذلك لا يُفرَّق بين الله وكلمته وروحه. لو عُزل عن قرص الشمس الضوءُ والحرارة لم تكن الشمس شمساً. كذلك لو فارق اللهَ كلمتُه وروحُه، لَعَدمَ ولم يكن إلهاً، وكان غير حي ولا ناطق. لأن داود يقول: سبحوا لكلمة الله. وقال: أرسل روحه فأحيا وجدَّد وجه الأرض. ولم يكن داود يسبح ولا يأمر بالتسبيح لمخلوق.

4) الموجز الختامي

وقال الراهب: إن كلمة الله عجيب، لأن الذي لا حدَّ له ولد الابنَ الذي لا ابتداء له، وأظهر الروح بلا انفصال ولا حد، أزلي من أزلي، خالق من غير مخلوق، متجسم من غير ذي جسم، إذ لا يفترق بعضهم من بعض، لأنها أقانيم غير محدودة ولا مدروكة ولا موصوفة.


ج - المسألة الثانية: المسيح

1) التجسد

قال المسلم: أخبرني يا راهب، ألم يكن الله قادراً على تنفيذ أمره، وهو جالس على عرشه، حتى اصطفى هذا الإنسان كما تقولون؟.

أ - كيفية التجسّد وغايته

قال الراهب: عجبتُ من قلة فطنتك إلى مذاهب الكلام. تقول: الرحمان على العرش استوى وبهذا تجعله جالساً وعلى العرش مستوياً، ثم تنفر من قولنا إنه حل في بشر حلولاً بلا حد ولا وصف. وأنت تصفه بالجلوس والاستواء! أتقول إنه كان بعيداً من العرش حيناً ثم استوى عليه؟ أو تقول إن العرش كان خالياً منه زماناً ثم استوى عليه من بعد ذلك؟ أم تقول إنه كان متكئاً (تبارك وتعالى)؟ أنصِفْنا الآن! واعلم أنه ما استوى شيء على شيء كما وصفت إلا وهو راكب، وكل راكب هو مركّب محدود، والذي ركَّبه وَحَدَّهُ أقوى وأعظم منه. فلا تصف الله بهذه الصفة.

نرجع إلى قولك: ألم يكن الله قادراً على تنفيذ أمره؟ - بل إنه قادر قويّ قاهر. ولكنه لا يُرى ولا يُوصف ولا يُدرك جوهره، يُسمع كلامه ولا يُنظر إليه، كما أخبرنا به موسى والأنبياء والحواريون.

فلما رأى الله جلّ اسمه! قلوب الناس قد فسدت، وضميرهم يزداد شراً وتمادياً في خلاف الحق، فطال زوغانهم عما دعاهم إليه من الإيمان به، ظهر الإله الأزلي في جسد البشر. فساق العباد بحكمته وفضله ورحمته، وأنقذهم من الضلالة والكفر التي كانوا عليها من عبادة إبليس، وهداهم إلى الحق. إذ لم يظهر الله الكلمة بجوهره ولم يتغير من جوهره، ولم ينزل من مكانه إلى مكان لم يكن فيه، ولم يَخْلُ العرش منه ولا السماوات والأرض، بل في أسفل القرار وأعلاه، خارج غير داخل وداخل غير خارج، بلا صفةٍ ولا حدٍّ ولا امتزاجٍ ولا افتراقٍ.

ب - قبول الناس للمسيح المتجسد

قال المسلم: فإن الناس لم يُطيعوا المسيح، لكنهم أذلوه بالصليب كقولك.

قال الراهب: بل قبله الناس الذين اصطفاهم ورحمهم وجعلهم يعرفون طرقه، وينتهون إلى طاعته. وأما الذين لم يقبلوه، فاليهود والكفرة.

ولكن انظر إلى تدبير المسيح جل ثناؤه! إنه أظهر فيهم الآيات والعجائب. ولم يَدْعُ الناس إلى أمرٍ دون أن يبرهنه لهم بما يُظهره من الآيات والأعاجيب. فبرهن أن كل أعماله أعمال إله، حتى أقروا أنه ابن الله الحي.

فمن عظيم شر بني إسرائيل وفساد قلوبهم وحسدهم لم يلتفتوا إلى صنيعه، ولم يفكروا في كتب الله، بل صلبوه. ولم يُسلّم نفسه في أيديهم تقصيراً منه ولا ضعفاً. لكنه فعل ذلك بحكمته وحلمه. ولم يعجل عليهم العقوبة، وهو يعلم أنهم لا يؤمنون به.

2) اللاهوت

قال المسلم: إنكم، يا معشر النصارى، لا تعظمون المسيح إلا لأنه أحيا الموتى، وقد أحيا الموتى من قبله أليشع وحزقيال وغيرهما من الأنبياء. وليس كل من أحيا الموتى بإذن الله ينبغي أن يُتَّخَذ إلهاً ورباً يُعبد.

أ - الإثبات الأول: المسيح هو الحياة

قال الراهب: لسنا نتخذ المسيح إلهاً لأنه أحيا الموتى فقط. لكنه أحيا الموتى وقال: أنا القيامة والحياة وأنا الطريق والحق والحياة وابن الله، ونور العالم، أنا الراعي الصالح، أنا أُميت وأنا أُحيي وأنا ديّان الدين.

ب - الإثبات الثاني: المسيح متفوّق على الأنبياء

1) في إجراء المعجزات

قال الراهب: وأظهر المسيح الآيات بأمر منه نافذ، لا يحتاج فيه إلى طلب ولا إلى تضرع، كما فعل الأنبياء. فمن صنع كما صنع المسيح، استأهل أن يُقبل منه ما قاله على نفسه وعلى غيره.

وأما ما ذكرتَه من الأنبياء، فلستُ أنكر ذلك. ولكن شتان بين ما صنع الأنبياء وما صنع المسيح من الآيات. لأن النبي كان، إذا أراد أن يفعل أمراً، صام وصلى وتضرع وطلب وزاد في صلاته، وتشفَّع بعد ذلك. والمسيح لم يكن بهذه المنزلة، ولكن كان يمشي في الأسواق وبين الناس ويُظهر الآيات بأمرٍ منه نافذ.

ولم يكن الأنبياء يعملون الآيات في كل وقت، أما المسيح فكان يُظهر الآيات إذا أحب وأراد: ميت يحييه، وأعمى يفتح عينيه، أو مريض يشفيه، وألوفاً من الناس جياعاً أشبع من الخبز اليسير. كل ذلك بقدرةٍ فيه حاضرة.

2) في علم الغيب

ولم يكن الأنبياء يطّلعون على الغيب ولا على ما في القلوب. وأما المسيح، فكان يخبر الناس بضمير قلوبهم، ويعلم الخفيات ويخبرهم بما كان ويكون.

3) في الوعي بلاهوته ورسالته

ولو قال الأنبياء للناس: إننا أبناء الله، لحقَّ للناس أن يقبلوا قولهم لِمَا كانوا يُظهرون من المعجزات. ولكنهم لم يكونوا يكذبون، ولا يدَّعون ما ليس لهم. ولكنهم قالوا: إنّا عبيد الله. وقال المسيح: أنا ابن الله. صدق المسيح، وصدق الأنبياء.

4) الصلب

أ - موقف العبسي: شُبِّه لهم

قال الأمير: ما أجرأك، يا راهب على الله! أنت تقول إن المسيح ابن الله، وتقول بعد ذلك إنه صُلب. أتُرى أن الله كان يسلّم ابنه للصلب؟ معاذ الله من ذلك! لكن شُبِّه لهم.

ب - رد الراهب: التشبيه مستحيل من قبل الله، وشهادة الرسل واضحة لا تُكذَّب

قال الراهب: أحسب أن الأمر يُشكل على اليهود الفَسَقة، فهل أُشكل على الحواريين، أنصار الله؟ فإن كان الله شَبّه ذلك للرسل، فإنما جاءت الضلالة من الله، وحاشا الله! لأن الرسل قالوا إنهم عاينوه مصلوباً، وذاق الموت ودُفن. وقام بعد ثلاثة أيام، وأتاهم مراراً بعد قيامته وكلمهم، ومكث على الأرض بعد قيامته أربعين يوماً، وطلع الى السماء أمامهم، وعاينوه صاعداً.

فكيف يكون شُبّه لهم؟ هل يُتَّهم الرسل بالكذب، ونبيُّك يشهد أنهم أنصار الله، ولم ينطقوا إلا بما لقنهم روح القدس؟ هل كان الله يلقنهم الشبه الباطل ليُضل عبادَه؟ معاذ الله من هذا القول! لا تقصر بالمسيح، ولا تكذب رسله.

قال المسلم: ما أُقصّر به، وإني أفضله أكثر منك وأنا أولى وأحق به منك أضعافاً.

قال الراهب: إذا سمَّيت الملك السيد عبداً، أو ألقيت الرجل الشريف من أبيه، فقد بالغت في التقصير. لأنك تُسمي المسيح، الذي تشهد عليه أنه كلمة الله وروحه، عبداً ذليلاً مثل سائر الناس. وتقول إنه ليس ابن الله، والكتب تشهد له بذلك وتوضحه لنا.


د - المسألة الثالثة: الإنجيل والكتب المقدسة

1) الزعم بتحريفها

قال المسلم: هذا القول الذي تقوله إنما هو في إنجيلكم المحرف وكتبكم المحرفة. وأما الإنجيل الأول، فهو عندنا. قبلناه من نبينا. لأن يوحنا وأصحابه كانوا قد فقدوا الإنجيل بعد طلوع المسيح الى السماء، ووضعوا ما أحبوا. خبَّرنا بهذا نبينا محمد.

2) إثباتات صحتها

أ - شهادة الرسل أنصار الله

قال الراهب: فإن يكن الأمر كما ذكرت، فَادْعوا بالإنجيل والكتب الصحيحة التي عارضتم بها كتبنا، حتى عرفتم واستبان لكم تحريفها، ونأخذ بالصحيحة ونبطل المحرَّفة. فهل عندكم الكتب الصحيحة، وقد كلَّف الله نبيكم بالهيمنة عليها؟! ثم كيف تزعم أن نبيك أخبرك بهذا، وهو شهد للحواريين أنهم أنصار الله، وأن الله أوحى إليهم؟.

ب - إلزاماتها الروحية والأخلاقية، وقبول الناس لها

ثم قال الراهب: ثم أخبرني: كيف قبل الملوك وجميع الناس هذا الكتاب المحرَّف من يوحنا وأصحابه، وأنت تزعم أنهم فيه شركاء؟ هل لأنهم طمعوا في أموالهم، أو خافوا من كثرة أجنادهم، أو فزعوا من حدّ أسيافهم، أو رغبوا في طاعة فرائضهم وسننهم؟ فإن ادَّعيت شيئاً من هذا، فقد عرف الناس حالهم، وما أُمروا به من الزهد والتواضع وتوزيع الأموال. فلا بدّ أن يكون لهؤلاء قدرة شريفة أظهروها للملوك والعامة، حتى قبلوا كتابهم ودينهم.

إن الملوك والناس لم يقبلوا هذا الإنجيل من يوحنا وأصحابه لرغبة في أموالهم، ولا حذراً من أجنادهم، ولا خوفاً من أسيافهم ولا طاعة لوصاياهم. بل لأنهم رأوا الآيات والعجائب، من إقامة الموتى وإخراج الشياطين وشفاء الأمراض المختلفة، من يوحنا وأصحابه.

ج - سمو تعليمها على الإنجيل المزعوم

ثم قرِّب هذا الإنجيل الذي تزعم أنه محرَّف، إلى قولك في الإنجيل الأول. وتنظر أيهما أقرب الى العدل، وأيهما أصح وصايا وأعمالاً. وصاياك وأعمالك، أم وصاياهم وأعمالهم من الصوم والصلاة والصدقة، والزهد في جميع اللذات، وتوزيع الأموال على أهل الحاجة والمسكنة؟ فتعرف النور الواضح، ويظهر لك فضله على ما تدَّعيه أنت وغيرك.

د - توافقها الداخلي الكامل: الوعد بالمسيح وتحقيقه

قال الراهب: وأخيراً، ألا تزعم، أن الله ذكر في جميع كتب الأنبياء ورسله أنه يُخرج من نسل آدم ومن نسل إبراهيم، ومن آل إسرائيل ومن صُلب داود رجلاً، يجعله الله فكاكاً وخلاصاً لعباده، ووسيطاً بينه وبين عبيده؟ فلم نزل نترجَّى ذلك حقباً بعد حقب حتى تمت الأيام التي فيها ظهر. فلما ظهر وأظهر الآيات، وتمَّت كتب الأنبياء، كفرتم أنتم به، وتزعمون أن محمداً أعزّ وأكرم على الله منه.

ه - الخاتمة: الرد على اعتراضين

1) حول تفوّق المسيح على أي نبي أو رسول آخر

قال له الأمير: ويحك يا راهب، ألا تعلم أن محمداً أعز وأكرم على الله من المسيح ومن آدم وذريته كلها؟.

قال الراهب: ما أعلم ذلك. ولكني أعلم أن السماء أشرف وأكرم عند الله من الأرض، وسكان السماء أشرف وأكرم عند الله من الآدميين. وأعلم أن المسيح في السماء العليا، ومحمداً وجميع الأنبياء تحت الثرى، وأن السماء كرسي الله وعرشه، وأن المسيح جالس على كرسي العزة عن يمين الآب فوق الملائكة والعباد. فكيف يكون مَنْ تحت الثرى أكرم على الله ممن هو في السماء على كرسي العز؟.

2) حول عِلم المسيح بالخفيات

قال المسلم: ألا تزعم أن المسيح يعلم الخفيات وما تضمره القلوب؟ فكيف عندما سأله تلاميذه عن موعد يوم القيامة، فقال لهم إنه لا يعلم ذلك إلا الله وحده؟.

قال الراهب: بل قد علم متى يكون ذلك، ولم يحب أن يُعْلِم أحداً عن ذلك اليوم. وأما قولك إلا الله وحده فإنما قال إنه لا يعلم ذلك إلا الآب وحده. فقد صدق. إن الله أبوه ولا يعلم أحد غيره، وليس بين المسيح وأبيه انفصال ولا خلاف.

قال المسلم: لا أقبل هذا القول منك حتى تجيئنا بتصحيحه.

قال الراهب: أرأيت إذ عصى آدم ربه في الجنة، وظهرت سوأته واختبأ، فصاح الله به: آدم، آدم، أين أنت؟. فقال: هاءنذا، أكان الله لا يعلم أين هو؟.

قال المسلم: نعم، قد علم.

قال الراهب: ما كان يعلم أين هو! ولو كان يعلم أين هو، ما ناداه! ولكنه ناداه كرجلٍ لا يعلم أين صاحبه! وكما علم الله أين آدم فناداه، كذلك علم المسيح موعد يوم القيامة. وكيف لم يعلم موعد القيامة، وقد أخبرهم بعلامات ذلك اليوم، وبالآيات التي فيه وقبله؟.

  • عدد الزيارات: 8442
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.