الحوار مع الامير

أ - مقدمة

1) طرح موضوع الحوار وحَذَر الراهب

سأله الأمير: فأيّ الأديان أخْيَر وأفضل، وأية الأمم على الله أكرم؟.

قال الراهب: جُعلت فداك! إن لكل مَقام مقالاً، ولكل كلام جواباً. وهذا مَقامٌ ليس لمثلي فيه مقال، ولا لكلامي جواب، لأني أرى بحضرة الأمير إمامَي النصارى، ومعهما عصبة لا أشك أنهم يعلمون ما سألتَ عنه. فاكتَفِ بهم.

2) وعد الأمير بالأمان وبحرية التعبير

قال له الأمير: لا، ولكنني أجعل لك في المقام مقالاً، وآذن لك بالكلام، وآمرك بالجواب، وأعطيك الأمان. واعلمْ أني في موضع الفضل والكرامة والاحتمال، وباحث عن البيان.

3) مدح الراهب للأمير ولأهل بيته

قال الراهب: ذكرت، أكرمك الله! دون ما يُعرف لكم، جميع أهل البيت، من الفخر والشرف. وذلك أنّ الله قد جعلكم قواعد الإسلام ونور ظلمته وقمر عزّه، وسيف سلطانه وزهرة فخره وبهاء شرفه، وعلم يمينه وأمان رعيته وفردوس ثماره، وعماد فرائضه وقوام سننه وأهل الفضيلة، وهو قادر على إتمامه ودوامه.


ب - نقطة الانطلاق: مسألة الدين الحق

1) موقف الراهب

أ - صفات الدين الحق

وقال الراهب: أما ما سألت عن الدين، فإن الدين الفاضل عند الله هو الدين الذي اختاره لعزته، وأفرح به ملائكته، ورضيه لعباده، وخصَّ به أولياءه وأهل طاعته، وبشرت به أنبياؤه، وختمت عليه رسله، وذخرته في خزائنه الطاهرة أصفياؤه، وقاد إليه الشعوب والأمم بلا سيف ولا قهر ولا مواراةِ باطلٍ، وطهَّر فرائضه من الدنس، وزيَّنه بالمحاسن كلها، وجعله علماً وأماناً وهدىً ونوراً للعباد في كل البلاد.

ب - صفات المؤمن الحق

والأمة الفاضلة هم الذين يُدْمنون الصيام، ويقيمون الصلاة، ويكثرون الصدقات، ويتلون آيات الحق بالليل والنهار، الباذلون أنفسهم وأموالهم، مع احتمال الضيم الشديد وسفك دمائهم في أنواع العذاب المختلف، طاعة لسيدهم وحباً له.

ج - تطابق صفات الدين الحق ودين المسيح

قال الأمير عند ذلك: فإذ قد عرفت أن هذا هو دين الحق، فما بالك مقيم على غيره؟.

قال الراهب: لا! ما أنا مقيم على غيره، بل إنّي به متمسك وله حافظ وعليه مقيم. لأنّي فيه زُرعت وطلع نباتي، وفيه ظهرت ثماري وفنيت أيام حياتي، ومَعادي إلى ترابي، ومنه أُبعث إلى خالقي.

سأله الأمير: فأيّ الأديان والأمم قصدت؟.

قال الراهب: قصدت دين المسيح وأمة النصارى.

2) موقف الأمير

أ - إعتراض الأمير: المسيح حنيف ومسلم

قال له الأمير: أبطلت، ونسبْتَ المسيح إلى الشرك، وما كان المسيح يهودياً ولا نصرانياً، ولكنه كان حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين. ونسبْتَ نفسك إليه، وأنت منه بعيد وهو منك بريء. وذلك أنّك تعبده دون الله، وهو مخلوق من مخلوقةٍ، نبي الله وعبد خاضع، أيّده الله بكلمته وروحه، آية للناس ورحمة لهم.

ب - دعوة الراهب للأمير إلى تفريغ النفس لقبول البيان

قال الراهب: أيها الأمير، أمْرُ المسيح وأمْرُنا له جواب عتيد كالنار في الحطب، يريد عقلاً دقيقاً، ورأياً رشيداً يؤمن بالوقوف يوم القيامة. ففرِّغ نفسك إذا أردت البيان لذلك.

قال له الأمير: ما طلبنا هذا الأمر إلا وقد فرّغنا أنفسنا له.

ج - تطابق صفات الدين الحق والإسلام

وقال الأميرولكن قد أخطأت فيما وصفت. وما هذه الصفة لكم ولا لدينكم. ولكنها صفة الإسلام، دين الحق الذي قال: ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً، فلن يُقبَل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين.

وهي صفة محمد خاتم النبيين وسيد المرسَلين. وهي صفة الأمة المرحومة المُحبّة لنبيها وأهل بيته، البارة الطاهرة من كل دنس. وتعرف ذلك من أمة المؤمنين أنّ الله أعزَّه ونصَره من الوجوه كلها، وأمّن ليله ونهاره. وعهده القرآن الذي أنزله نوراً وهدى، وبيَّنه لأصحاب رسول الله الذين لا يؤمنون بكذب، المظهرين شهادة أنّ الله لا إله إلا هو، وأن محمداً عبده ورسوله. فماذا تقول يا راهب؟.


د - كيفية الحوار

1) الاستعدادات الأولية للشروع في أيّ حوار

أ - ضرورة الإصغاء إلى جميع الأطراف

قال الراهب: صدق الأمير. ولكن قد قيل إنّ من انطلق إلى قاض، بعين دامعةٍ، يبكي ويستغيث به، فرحمه القاضي وقضى له بغير تحقيق - فإذا اجتمع الخصمان جميعاً، افتضح مدّعي الباطل وصار بكاؤه آفةً عليه. فليس من الكلام شيء إلا وله جواب.

ب - اختيار الأسلوب المناسب

من أهل الكلام من لا ينبغي أن يُجاوَبوا. أولئك هم الأخيار أهل العقل والفهم والحلم والتقوى. فأولئك لا يُجاوَبون، بل يُستمع إليهم ويُقبل منهم.

ومن أهل الكلام مَن ينبغي أن يُجاوبوا، ويُناظَروا أشدّ مناظرة. أولئك أهل العقل والفضل والاحتمال والعدل والإنصاف.

ومن أهل الكلام من ينبغي أن يُهابوا ولا يُجاوبوا، إكراما لهم وإجلالاً واتقاءً منهم. أولئك أهل الملك والسلطة والعزّ، وأهل العجلة والضجر وقلة الصبر والاحتمال.

ومن أهل الكلام من لا ينبغي أن يُجاوَبوا أصلاً، بل يُحقرون ويُرذلون. أولئك أهل الضلالة والكفر، والجهالة والغشّ، وأهل المعصية واللعنة.

والأمير قد برئ من الخصلة الرابعة. فاختر لنفسك من أيّ أهل الثلاث خصال تحب أن تكون، فأجيبك على قدر ذلك.

2) أولى مبادرات الأمير

أ - دعوة الأمير للراهب إلى اعتناق الإسلام

قال الأمير: ما أحسن كلامك يا راهب، وما أجهل فعالك. فإنك تتكلم بكلام عقل، وأنت من معرفة الله من أهل الجهل. فدع المزاح ومناقلة الصبيان، واتق الله الذي إليه تصير، وأسلِم على يديَّ حتى أجعلك في أرفع المنازل.

فسكت الراهب ولم يرد عليه جواباً. قال له الأمير: ما لي أراك صامتاً؟ هل عجزت عن الكلام ورد الجواب؟.

ب - تعجّب الراهب ومطالبته بحرية التعبير

قال الراهب: لم أعجز عن الكلام، لأن مَرْجي واسع وعشبه كثير، وسبلي سهلة وفَرَسي جواد، لا تخاف من عثرة ولا نكبة. وإنني لمعرفة الله في روضة وهدىً ونور وافر غير عسير.

ولكني عجبت من قول الأمير! يجعلني من أهل الجهل، ويجعل الكلام بيننا مزاحاً كمناقلة الصبيان! وكيف لا يكون ذلك وأنا قدام ليْثٍ ضارٍ تتخوفنّ منه العجول! أما تعلم أيها الأمير، أنّ الليث إذا ظهر على مواش في مرجٍ، تشتّتت وضلت عن الطريق؟.

ج - تأكيد الأمير لتعهداته

قال الأمير: صدقت يا راهب فيما ذكرت من أمر الليث والمواشي، وهو كذلك لا محالة. غير أننا رأينا من الليوث ما يظفر بفريسته ولا يبدو منه شيء تكرهه، إمّا اتقاءً من الله فَيَحْرَج، وإمّا حياءً من الناس. الآن فاعلَمْ يا راهب وأيقِنْ أن هذا الليث الذي تحذر جانبه وتتخوف من صولته قد أوسع المرج لهذه المواشي التي ذكرْتَ بالاحتمال، وسهَّل لها السبيل بالعدل والإنصاف. واتّق الله، ولا تكن من الذين ختم الله على أسماعهم وأبصارهم، فهم لا يصدقون ولا يؤمنون.

د - رفض الراهب اعتناق الإسلام

قال الراهب: أيها الأمير، الذين ختم الله على قلوبهم وأبصارهم هم اليهود والأعراب أيضاً، الذين يشهد عليهم كتابكم ويبرئهم من الإيمان. فأنا لا لهؤلاء ولا لأولئك. بل أنا من عبيد المسيح وأصحابه.

لكن، أيها الأمير، ما لي فيما دعوتني إليه حاجة ولا رغبة، لأني لا أرى لي فيه الغبطة. ولولا كراهية الغضب لقلت: إنّ الله يعلم خلاف كل ما قد ذكرته. فخلِّ سبيلي، جُعلتُ لك الفداء!.

3) ثانية مبادرات الأمير

أ - تحذير الأمير ومطالبته بالمزيد من البيان

قال له الأمير: ما أعجب أمرك أيها الراهب! ترشقني بالسهام المسمومة، وتقول لي بعد هذا: خلِّ سبيلي. كذَّبْتَ الله الذي بعث محمداً بالحق. لا تبرح حتى تُسلِم، طائعاً أم كارهاً. أو تجيبني عن قولي وقولكم في المسيح، وجميع ما وصفت به ديني ومدحت به دينكم، باباً باباً وحرفاً حرفاً. فلا تطمَع نفسُك في غير هذا.

ب - اعتذار الراهب وتحديد موقفه الإيماني

قال الراهب: وأما الإسلام، فلو قطعتني عضواً عضواً لما كفرتُ بالمسيح أبداً. وأما أمر الأقانيم والمسيح، فسَلْني عما بدا لك، فآتيك منه بنور يُطفئ كل مصباح.

وأما الذي سألتَ عنه، من أمر دينك وأمر أمة نبيك، فإنّه يُتَّقى ذكر ذلك من صغاركم، لإجلال المُلك والعز. فاعفني من هذا الأمر.


4) التوصل الى بعض نقاط التفاهم في كيفية الحوار

أ - وجوب الحرية الدينية

قال الأمير: صدقت يا راهب، من كان على غير دين الحق ولم يتركه فهو ظالم لنفسه. ومن كان على دين الحق وتركه، رغبةً في المال وعزّ الدنيا أو فزعاً من الموت، فإنّه شقيّ في الدارين. ومن كتم دينه فإنه هالك.

فأما إسلامك فلا حاجة لي فيه. وأما الأقانيم والمسيح فلا بد أن تأتينا بتصحيح ما تقولون. وأما قولك: إنه يُتَّقى من صغارنا، فإنه كذلك. ولكن ليس عندكم بأس ولا مكروه.

قال الراهب: الحكماء يقولون: احذر من مخالطة الملوك. فإن ابتُليتَ وأردت السلامة منهم فغُضَّ طرفك عن محارمهم، وأقصر لسانك عن مجاوبتهم، وصُمَّ أذنيك عن حديثهم، واكتم في المجالس سرهم، واتبع بالتلطف هواهم، تأمن غضبهم. فإنهم ليس بينهم وبين أحد قرابة - فاعفني من هذا الأمر.

ب - الإلتزام بمنح الأمان وحرية الكلام

فقال له الأمير: قد أشعلَ قولك في قلبي ناراً لِمَا قلتَ. واعلم يا راهب أنني قد أرخيتُ لك أطناب ملكي وسلطاني من كل جانب، وفتحت لك أربعة أبواب. فادخل من أيِّها شئتَ بأمان الله وأماني. ولا ترى بأساً ولا مكروهاً.

قال الراهب: إنّ لأهل الإسلام يميناً ليس لها كفارة، وهي الطلاق. فإن أردت فاحلف لي به، وإلا فخلّ سبيلي.

فحلف له بالطلاق أنه لا يرى مكروهاً ولا بأساً، وانصرفوا.


ه - ردود الراهب

1) في الحنيفية

فلما كان الغد، أقبل الراهب وقال: قولك أيها الأمير،إن المسيح حنيف مسلم وإني ألزمتُه الشرك - اعلم أن جميع الكتب ينسبون عبادة الأصنام والمشركين إلى اسم الحنيفية. وقد أوصى المسيح في كتابه المقدس: مُدن السامرة لا تدخلوا.

2) في لاهوت المسيح وناسوته

وأما قولك: إنني منه بعيد وهو مني بريء - فكيف يكون هذا وهو يقول للحواريين: أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي، صدّقوني أني في الآب والآب فيَّ. أنا في أبي، وأنتم فيَّ، وأنا فيكم - فأنا أومن كما آمن الحواريون.

وأما قولك: إنني أعبده دون الله - فمعاذ الله أن يكون هذا. ولكني أعبده بالله، وأعبد الله به، وقد قال: أنا والآب واحد، الذي رآني فقد رأى الآب. وتحقيقاً لهذا القول قولك: إن الله أيَّده بكلمته وروحه، فمن كان كذلك كيف يكون نبياً أو عبداً؟ بل إنه إله معبود وديّان الدين.

3) في رسالة محمد وأمته

قال الراهب: وأما قولك في نبيك: إنه خاتم الأنبياء - فليس هو نبياً، وإنما هو مَلِك ارتضاه الله، وأوفى به وعده لإبراهيم في إسماعيل.

وأما قولك في أمته إنها أمة مرحومة - فإن رحمة الله سابغة على جميع خلقه. فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين، ما لأحدٍ منهم فضل على صاحبه. فأما في العاجل، فإن رحمته على جميع خلقه. فإذا كان في الآجل، فهو أوْلى بخلقه. فإن عفا فبفضله، وإن عاقب فبذنب.

أما قولك.الأمة المحبة لنبيِّها وأهل بيته - فلو شئتَ، تكلمتُ بالحق. إنهم سفكوا دماء أهل بيته وأخربوا أوطانهم ونهبوا أموالهم. وأنت تعرف ذلك. وأية أمة أشرّ من هذه، إذ جاء رجلٌ إليهم وأعطاهم مُلْك الدنيا وضمن لهم الجنة بشفاعته، ثم فعلوا بأهل بيته ما فعلوه؟.

وما يسمع أحد من الأمم بما فعلوه، إلا حكم عليهم بأنهم قوم قد استبان لهم كذب صاحبهم، فاستحلّوا هذا منه ومن أهل بيته؛ أو قوم ليس على الأرض أشرّ منهم. فقد كافأوا الذي ضمن لهم الجنة، بالسيئات.

يا سيدي، انظر إلى قلّة عقولهم! كيف يُحرِّمون على نفوسهم الدخول إلى الجنة، ويدعون الناس إلى دينهم ويَعِدُونهم بالجنة! قال لهم: وأنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين. وقال: ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم. وقال: ما لكم من دونه من وليّ ولا شفيع. وقال: اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تُفلحون. وقال: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم.

4) في عزّ أمير المؤمنين

قال الراهب: وأما قولك في أمير المؤمنين: إنّ الله قد أعزَّه - فقد أعزّ من كان قبله من الكفار والمشركين. فانظر إلى مُلك الأعاجم وإلى كفرهم بالله. وإنّ الله يحفظهم، وهو يدبر خلقه كيف يشاء.

وأما قولك: إنّه أمن ليله ونهاره - لو أن أمير المؤمنين قائم مع ولده وبني عمه وإخوته، لخشي على نفسه الموت. وتحقيق هذا أنّ لكم منذ ملكتم أقل من مائتي سنة، وقد قتلتم سبعة من الخلفاء، ما فيهم عدو ولا مخالف للإسلام.

5) في القرآن والشهادة

ثم قال الراهب: وأما القرآن، فإني أخبرك أن هذا القرآن جاء به محمد، وكتَبَه أصحابه بعد موته، واسم بعضهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله ابن العباس، ومعاوية بن أبي سفيان كاتب الوحي. والحجاج بن يوسف، بعد هؤلاء، ألفَّه ورتبَّه.

وأُخبرك بما تعلمه يقيناً أن طائفة منكم تزعم أن النبوّة لم تكن لمحمد وإنما كانت لعلي، فأخطأ جبريل. أراد أن يدفعها إلى علي فدفعها إلى محمد! وتحقيق ذلك أنهم يسمّون أولاد عليٍّ أولاد رسول الله، فأيّ قوم يُنسَبون إلى أمهاتهم؟ طائفة منكم تقول إن النبوّة كانت لعلي، وطائفة منكم يلعنون علياً وعثمان من على المنابر. وطائفة منكم يزعمون أن الأمر كان لأبي بكر وعلي وعمر وعثمان. وطائفة منكم يرون قتل أولاد العباس. وثلاثة أرباعكم ترون اللعنة على معاوية صَدَقَةً، وكلكم تشهدون على الحجاج أنه من أهل جهنم. فأيّ قاضي عدل يشهد بهذا الكتاب لهذه الأمة، إذا كان هذا قولكم في نبيكم وأهل بيته وأصحابه؟.

وأما شهادته أن الله لا إله إلا هو، فإنما أظهر الله هذه الكلمات على يد موسى، نبيه وصفيّه المبارك.


و - الخاتمة: ردود فعل الأمير

فلما فرغ الراهب من أقواله نظر إليه الأمير بغضب، وتفرس ساعة وقال: لقد جئتَ بعظائم! أيقنتَ بالموت، وتجلدْتَ وقلتَ: أبيِّن للأمير ما عندي. فإن أفلتُّ اشتفيت، وإن قُتلت متّ شهيداً. ولولا حذرك وحيلتك، لكانت المنيّة قد حلَّت بك.

قال الراهب: أيها الأمير، ما ذكرتُ الذي ذكرته ازدراءً بالإسلام ولا تقصيراً به. ولقد حاولت الانفلات منك كما يفر الإنسان من الحية فما وجدت سبيلاً.

قال له الأمير: دع عنك ما مضى وخذ ما كنا فيه، فإني أرجو أن يصرعك الله عاجلاً.

قال الراهب: جُعِلتُ فداك. إنك رمقتني بنظرة قامت منها ناصيتي فَرقاً، وهطلت إبطي عرقاً. قد قال الحكيم: لا تلُم رجلاً يحرس لسانه قدام الملوك. فإن الرُّكب بين أيديهم ترتعد، وتقشعر النواصي وتظلم الأبصار، وتطير القلوب وتضلّ العقول، وتختلط الحنك وتتلجلج الألسن. وذلك لما وُهب لهم من الكرامة والهيبة. والأمير أعزه الله! ممن فضّله الله على جميع الملوك.

  • عدد الزيارات: 10008
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.