النبي الصادق

ولكن فلندع الآن ذكر هذا ونأخذ في ذكر أعلام النبوة التي يجب معها الإقرار لمن أتى بها أن يُسمَّى نبياً ورسولاً، وننظر في ما أتى به صاحبك، وهل يوافق أو يشبه شيئاً مما جاءت به الأنبياء، وهل يجب علينا قبول ذلك منه أو ردّه عليه؟

فنقول إن النبي معناه المنبئ أي المخبر بالأمر الذي لم يكن أتى به مخبرٌ قبله، فيخبر به قبل وقوعه، أو بالأمر الذي كان ولم يُعرف كيف حدث، ثم أنه يوثّق ما يخبر به بالآيات التي تصدِّق حكايته وتشهد على صحة أخباره، وذلك مثل موسى نبي الله الذي أخبرنا في سفر التكوين كيف كان خَلْق السموات والأرض وما فيهما، وكيف كان خلق آدم وحواء وما كان من قصتهما، وقصة قوم نوح والطوفان، وقصة إبراهيم وولده. ولم يزل ينسق تلك الأخبار خبراً بعد خبر حتى انتهى إلى خبره هو، وكيف تجلى الله في العوسجة، ثم ما جرى مع بني إسرائيل وفرعون مصر، إلى أن توفاه الله. ويتنبأ موسى بما وعد الله من إدخال بني إسرائيل أرض الميعاد، وأنه مزمع أن يورّثهم أرض الجبابرة التي هي بلاد الشام، وتحقق ما أنبأ به. وبرهن موسى ما أخبرنا به بالآيات والأعاجيب التي فعلها، فعلمنا أنهكان صادقاً بكل حكاياته وما جاء به عن الله. فهذه شروط المنبئ بما كان وما يكون من الأمور. وعرفنا صدق ما تنبأ به من حدوثه.

ويصح القول إن إشعياء نبي الله، أيام الملك حزقيا. فقد هاجم سنحاريب ملكُ الموصل بجيشه الملكَ حزقيا وشعبَه فحاصره، وكاتبه بما كاتبه به من البغي عليه والوعيد، فشكا حزقيا إلى الرب، فأوحى الله إلى إشعياء النبي: أني سمعتُ دعاء حزقيا، فامضِ إليه وقل له يقول لك الرب إله إسرائيل: الليلة سينجيك من سنحاريب. فبعث الله ملاكه فقتل من عسكر سنحاريب 185 ألف رجل مدجج. فلما أصبح سنحاريب ورأى ما نزل بجيشه ولّى هارباً. ومثل قول إشعياء أيضاً لحزقيا حين كان مريضاً وصلى طالباً الشفاء، فأرسل الله رسالة بواسطة إشعياء تقول لحزقيا إن الله سيشفيه، وقد زاد في أَجَله 15 سنة، ودليلاً على ذلك ترجع الشمس في مسيرها عشر درجات. وتحقق ما قاله النبي، فرجعت الشمس وشُفي حزقيا من مرضه وعاش بعد ذلك 15 سنة. فهذا إنباء مع آية ودليل في وقت واحد (إشعياء 37 ، 2أخبار 32). ومثله ما أنبأ به إشعياء عن أمر المسيح أنه يولد من العذراء، ويُدعى اسمه عمانوئيل الذي تفسيره: الله معنا (إشعياء 7:14) وأنبأ أيضاً بأشياء كثيرة وأخبر بها على بُعد العهد وطول الأيام، من خراب بيت المقدس وسبي بني إسرائيل إلى بابل، وكان ذلك على بُعد العهد وتأخّره، وصحّ كله وتم كما قال.

ومثل ذلك ما أخبر به إرميا النبي عن خراب بيت المقدس أيضاً ودخول بختنصر إليه وهدمه، وسبيه بني إسرائيل ونقله إياهم إلى بابل، وأنهم يبقون مسبيين ببابل سبعين سنة ثم يرجعون فيبنون بيت المقدس ويقيمون في مساكنهم. وقد تمت نبوته وظهر صدق قوله عند تمام السبعين سنة التي حددها (إرميا 25).

ومثلما تنبأ دانيال النبي عن رجوع بني إسرائيل إلى بيت المقدس، وكان ذلك على ما حكاه. وتنبأ لبيلشاصر الملك عن الرؤيا التي رآها بيلشاصر، فخبَّره عما كان مزمعاً أن يحل به، فحل به ودانيال حاضر (دانيال 5). ومثلما تنبأ أيضاً على قتل المسيح وأنه لا تقوم لليهود بعد قتله قائمة، وأنهم يتفرَّقون في البلاد ويبطل ملكهم وتضمحل رئاستهم وكان ذلك كما قال (دانيال 9:26-28).

وكذلك فعل جميع الأنبياء ومن استحق اسم النبوة بالحقيقة. وكذلك كانت الملوك والأمم يطالبون من ادّعى عندهم النبوّة بالدليل والبراهين. فمن جاء بدليل صحيح وحجة مقنعة قبلوا ذلك منه، ومن لم يأت كذَّبوه.


 

المسيح مخلّص العالم

أما المسيح الرب مخلِّص العالم فإن قدْره يجل على النبوة، لأن مرتبته أعلى وأشرف وأرفع من مرتبة الأنبياء، فإن الأنبياء هم عبيد الله، والمسيح هو كلمة الله الخالقة، وهو باعث الأنبياء والموحي إليهم. وقد تنبأ بما يدل على أنه يعلم الغيب والضمائر، ولا يخفَى عليه ما هو مزمع أن يكون قبل كونه، مثل قوله لهم وقد اجتمعوا حوله يُرُونه بناء هيكل بيت المقدس ويعجبونه من جودة بنائه وحسنه: اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لَا يُتْرَكُ ه هُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لَا يُنْقَضُ (متى 24:2). ومثل إخبارهم بما سيصيبهم من القتل والسبي قبل صعوده ممجداً إلى السماء بأربعين سنة، وتحقق ذلك كله. ومثلما كان يخبرهم أيضاً بما في ضمائرهم وما يكتمونه في أنفسهم من تدبيرهم في قتله. ومثل قوله لتلاميذه وهم مقيمون في بيت المقدس إن لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ. ل كِنِّي أَذْهَبُ لِأُوقِظَهُ (يوحنا 11:11) وكان لعازر في قرية بيت عنيا على بُعد فراسخ من بيت المقدس. فقال له تلاميذه: يا سيد، إن كان قد نام فهو يُشفى . فلما لم يفهموا كلامه قال لهم: لعازر مات . فمضى وهم معه فبعثه حياً، ودفعه إلى أختيه مريم ومرثا، وذلك بعد أربعة أيام من موته. وكقوله لسمعان الصفا ولتلاميذه: جميعكم في هذه الليلة تشكّون فيَّ، فقال له سمعان: إنْ شكّ فيك الجميع فأنا لا أشك . فقال له المسيح: الحق أقول لك إنك في هذه الليلة، قبل أن يصيح ديك، تنكرني ثلاث مرات . فجزع سمعان لذلك ولكن لم يصح الديك في تلك الليلة حتى جحد سمعان معرفته بالمسيح ثلاث مرات. ونظر المسيح إليه، فافتكر كلامه فبكى وندم على ما كان منه في جحوده وإنكاره (راجع متى 26).

  • عدد الزيارات: 7905

تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.