أهمية تعليم الثالوث الأقدس


أهمية تعليم الثالوث الأقدس في معرفة الله ونوال الخلاص

بعد كل ما ذكرناه في هذا الكتاب توضيحاً لتعليم الثالوث وإثباته، ربما يسأل القارئ الكريم "هل من الضروري معرفة هذه العقيدة الغامضة وقبولها؟ وهل ينشأ ضرر لو افتكرت في الله سبحانه وتعالى القادر على كل شيء بأي طريقة كانت ما دمت أسلم بوجوده وأعبده عبادة توافق العقل والإدراك؟"
أيها الأخ العزيز، هل تظن أنه سيان عندك أن تعبد الله بحسب ما هو معلن في كلامه المقدس أو أن تعبده بحسب تصورك وإدراكك؟ إن ذلك الإنسان الذي يتصور الله كما تصوره له أفكاره لابد وأن يكون عاجزاً عن معرفة الإله الحقيقي. وكل إنسان يصّور الله في مخيلته كما يمليه عليه عقله وأوهامه، ألا يعتبر كعابد الأوثان؟ ألا يكون ذلك الإنسان قد ضل عن عبادة الإله الحقيقي؟ يقول المثل السائر بين مسلمي مصر "كل ما خطر في بالك فهو حالك والله بخلاف ذلك." ومعنى ذلك أنه مستحيل على الإنسان أن يفتكر فكراً صحيحاً عن الله وأن الصورة التي يتصورها الإنسان في مخيلته عن الله ما هي إلا صورة من نفسه وليست بصورة الله أبداً ولو صدق هذا المثل (وهو الصواب لأن الوثنيين يعبدون آلهة شريرة كأنفسهم) يتضح أمامنا أن كل إنسان يعبد الله بغير الطريقة التي بينها الله في كتابه المقدس فهو عابد أوثان. فعلى كل من يرغب في معرفة الله الحي الحقيقي أن يعبده ويخدمه ويفتكر فيه حسب تعاليمه المختصة بذاته ومشيئته التي أعلنها لنا في كتابه وإلا فلا نعمة ولا بركة من هذه المعرفة ولا تكون هذه الخدمة غير مقبولة أمام الله ولكن رب سائل يقول "ما الفائدة التي تعود على الإنسان من هذا التعليم؟" ورداً على ذلك نقول أن الله أعلن في كتابه المقدس نفسه ووجوده بحسب هذا التعليم وفي هذا كفاية. لأن كل عاقل يفتش عن الحق يعرف تمام المعرفة أن الله الحكيم قد أحسن في كل ما عمل وعلم وقد أعلن لنا كل ما هو نافع ومفيد وأن كلامه وأعماله هي مظاهر الحكمة السامية العالية. نعم وإن كان الإنسان الواحد لا يقدر أن يدرك هذه الحكمة كلها ولا يمكن لأحد من الناس أن يدرك عمق سر الله ولكن من يدرس الكتاب المقدس درساً وافياً ويعرف تعاليمه معرفة تامة يتأكد بعد ذلك أن في هذا التعليم تعليم الثالوث في الوحدة معرفة الله ونوال الخلاص وإن كان الإيمان لا يكون بالمعرفة إلا أن معرفة ما أعلنه لنا الله ضروري لإرشادنا إلى هذا الإيمان الصحيح لكي نجعل كل اعتمادنا واتكالنا على المخلص الوحيد معترفين به أنه الطريق والحق والحياة وكل هذا مستحيل ما لم نقبل تعليم الثالوث في الوحدة ولزيادة إيضاح هذا السؤال نقول:


أولاً- إن فائدة وأهمية معرفة تعليم الثالوث وقبوله ظاهرة مما قد بيناه لأنه بغير ذلك لا يمكن الحصول على معرفة ذات الله التي بواسطتها نجد السلام والخلاص وفي بشارة الإنجيل وأن نسير في طريق الخلاص المعلنة فيه ويتضح ذلك مما قاله المسيح "وليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له" (متى 11: 27). وقال أيضاً "أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي" (يوحنا 14: 6). وقال أيضاً "هذا هو ضد المسيح الذي ينكر الآب والابن كل من ينكر الابن ليس له الآب أيضاً ومن يعترف بالابن فله الآب أيضاً" (1يوحنا 2: 22و23). وهذا قليل من كثير من آيات العهد الجديد التي لا يفهمها كل من يجهل تعليم الثالوث. وهنا نرى يوحنا الرسول بواسطة إعلان الله يبين أن إنكار الآب والابن أي بنوة المسيح الإلهية إنما هو بدعة الدجال وهذه الآية وحدها التي ذكرها الرسول بولس تظهر أهمية هذا التعليم وتحذر كل إنسان خائف الله من أن يرفض تعليم الثالوث لئلا يكون من ضمن فئة أولئك الدجالين الذين سيقع عليهم عقاب الرب يسوع المسيح عند مجيئه الثاني "هوذا يأتي مع السحاب وستنظره كل عين والذين طعنوه وتنوح عليه جميع قبائل الأرض" (رؤيا 1: 7) "لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه" (1كورنثوس 15: 25).
ثانياً- إن معرفة قداسة الله وعدله ورحمته ومحبته تتفق مع الإيمان بتعليم الثالوث اتفاقً تاماً حتى أن كل من يرفض هذا التعليم يرفض كل الصفات التي لله. فإخواننا المسلمون وإن كانوا يقولون أن الله قدوس وعادل رحيم ومحب إلى غير ذلك من صفات الكمال ولكنهم لا يجدونها إلا مجرد ألفاظ يظهرون بها ما لله من القوة والعظمة والتأمل في هذه الصفات ينسدل وراء حجاب الفكر أن الله مطلق وغير محدود. قال القرآن "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون" (سورة النحل آية 95) وقال أيضاً "إن الله على كل شيء قدير" (سورة البقرة آية 19). ولكن الإيمان بالله القدير فقط لا يعطي الإنسان خلاصاً أبدياً لأنك "أنت تؤمن أن الله واحد حسناً تفعل والشياطين يؤمنون ويقشعرون" (يعقوب 2: 19). نعم أن الإيمان بقوة الله يرعب قلب الإنسان ولكن لا يربطه بصلة المحبة مع الله ولكن هي محبة الله التي تلين قلب الإنسان الحجري فيختم بالروح القدس ويتجدد "حسب صورة خالقه" وفاديه القدوس (كورنثوس 3: 1). وهذا التغير نسميه نحن معشر المسيحيين بالولادة الثانية وقد تكلم عنها المسيح في الإنجيل قائلاً "الحق الحق أقول لكم إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله" (يوحنا 3: 3). وهذه الولادة الجديدة هي الخلاص من محبة الخطية ومن قوتها، الخلاص من خدمة العالم والجسد والشيطان. إن إيمانك بحقيقة الثالوث فقط لا يمكن أن يغيرك كما قلنا. إن المعرفة الحقة ليست كل الإيمان ولكن من أهم الفوائد الناجمة عن الإيمان الصادق بما يعلمنا إياه الكتاب المقدس عن تعليم الثالوث هي أن يتأكد المؤمن بالمسيح من قداسة الله ومحبته ورحمته وأيضاً عدله وحكمته وقدرته ويكون بعدئذ قادراً ومستعداً أن يغير قلبه وطباعه كما بيَّنا. وما نوال الخلاص إلا بالإيمان بعقيدة الثالوث ولكي يخلص الإنسان من خطاياه يجب أن يتأكد أن الله طاهر وقدوس وقد كره وسيكره كل نجاسة وشر وأن غضبه ولعنته على الخطية سرية كانت أو علنية وما لم تنسكب نعمة الله على الخطاة وما لم يتغيروا أو يتطهروا بواسطة دم الحمل الذي ذبح منذ تأسيس العالم فسيهلكون هلاكاً أبدياً.


إن تعليم الثالوث لا يعلمنا فقط أن قداسة الله غير محدودة ولكنه يعلمنا أيضاً أن محبته ورحمته لا حد لهما. ونؤمن أن الله لا يحب هلاك الإنسان بل يرغب في خلاصه وسعادته الأبدية وهو يعمل دواماً كل ما هو صالح لأن صفاته الصلاح والرحمة والعدل ويحب أن يقود الجميع إلى السعادة والقداسة الأبدية الحقة. وأنه وإن كان عقل الإنسان وضميره يشهدان بعدل الله ورحمته ومحبته ولطفه وقد أعلنت صفاته الإلهية في أعمال الطبيعة كتغيير الفصول مثلاً وغير ذلك إلا أننا نلاحظ في هذا العالم أن الظلم يسود لوقت ما والشرير يعيش سعيداً مغبوطاً والصالح التقي يعيش فقيراً بائساً متألماً محتقراً ومن لا يعرف عن كتاب الله شيئاً وينظر إلى أحوال هذا العالم بمرأى العين فقط يشك في عدل ورحمة الله بل كثيراً ما يقوده جهله إلى القول بعدم اهتمام الخالق بالإنسان سَعِد أم شقي وأن الله لا يفرق بين الصالح والطالح. ولكن إذ قد أعلن الله الرحيم نفسه بواسطة الكلمة الأبدية يسوع المسيح وبواسطة روحه القدوس مكلماً أنبياء ومظهراً لهم إرادته وأوامره مبيناً لنا نتائج الخطية المفزعة ناصحاً إيانا بالابتعاد عن الشر والتحلي بالبر يكون الله قد أظهر لنا رحمته وعدله في الكتاب المقدس. ومن يتصفح هذا الكتاب يجد أن الله لا يقبل الخاطئ والشرير وأن كان لا يعاقبه في هذا العالم الحاضر على شره الذي فعل فلابد وأن يعاقبه في العالم الآتي وفوق كل ذلك فقد أعلن الله محبته في ابنه يسوع المسيح الذي صلب ومات أي البار لأجل الخاطئ ولو كان مخلصنا المسيح إنساناً مخلوقاً كباقي البشر لأظهرت آلامه وموته حسناته فقط وليس حسنات الله. وهنا كان يمكن أن يظن البعض سوءاً في الله لأنه كيف يتألم ويموت على الصليب أشرف الناس وأحسنهم حباً في خلاص كل المؤمنين به ولكن لا، فتعليم الثالوث يعلمنا "أن الله المسيح مصالحاً العالم في نفسه" فلم تقع الآلام على مخلوق برئ ولكنها وقعت على الله في شخص كلمته الأبدية هذا سر عجيب عظيم. فإنه قد يمكن للإنسان أن يضحي بنفسه لأجل منفعة الآخرين ألا يكون ذلك بالحري في الله ويكون هو مثال لهذه الصفات المقدسة. فتعليم الثالوث يعلمنا إمكانية ذلك والكتاب المقدس يعلمنا أنه ما دام جميع البشر خطاة لا يمكنهم أن يتطهروا من نجاسات قلوبهم وهم عاجزون عن أن يخلصوا أنفسهم من سلاسل الخطية التي هم مقيدون بها ولا من الهلاك الأبدي والتعاسة الأبدية ولو كان الله قد قبل الخاطئ النجس لكان ذلك مناقضاً لما له من صفات العدل والقداسة. ولكن أرادت محبته أن لا يترك الإنسان غريقا في بحار الخطية فتكون أخرته الموت الأبدي فجاء كلمة الله الأبدي الذي هو واحد مع أبيه إلى هذا العالم واتخذ لنفسه طبيعة بشرية وتجسد في شخص يسوع المسيح وقد خضع للإرادة الإلهية وتحمل الصلب والموت. هو البار تحمل لأجل الخطاة فاكتسب محبة المؤمنين لكي يتوبوا عن خطاياهم التي هي سبب آلامه وأعطاهم غفراناً بلا ثمن وإن كانوا هم على الأرض غير معتوقين من الأتعاب ومن الموت إلا أن "كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده" (روميه 8: 28). وهذه الأتعاب الوقتية والآلام والاضطهادات التي تقع على المسيحيين من أعداء الله ما هي إلا نصر وغلبة تقربهم أكثر إلى الله حيث يجدون الراحة والسلام وإذ قد تحصلوا على الولادة الثانية ورجعوا عن طريق الشيطان فصاروا أبناء لله فقد خلصوا من ذلك الهلاك الأبدي الأخير ومن الظلمة الخارجية التي كانت نصيبهم في اليوم الأخير (متى 25: 41و46) وأصبحوا ورثة مع الله بواسطة نعمته وقداسته وبركاته التي لا تحد وحق لهم إن يسكنوا في ذلك المنزل السماوي الذي لا يدخله شيء دنس (رؤيا 21: 26). قال يوحنا المعمدان الذي كان يعرف أن يسوع المسيح هو مخلص العالم "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يوحنا 1: 29). وهنا عنى يوحنا بذلك أن المسيح هو الذبيحة الحقيقية لأجل خطايا البشر الذي وضع نفسه الثمينة فدية لأجل الخطاة لكي يتوبوا ويتطهروا من خطاياهم. قال أيضاً يوحنا الرسول في رسالته "يا أولادي أكتب لكم هذا لكي لا تخطئوا وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً" (2: 1و2). وفي أفسس 1: 5-7 يقول بولس الرسول "إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته".


والآن لا توجد إلا طريقة واحدة للخلاص من الخطية ولا يمكن للإنسان أن يكون وارثاً للخلاص الأبدي متمتعاً بالسعادة الكاملة الطاهرة إلا بطريقة واحدة وهذه الطريقة قد أعلنها الله في كتابه لتكون إرشاداً لهم للخلاص كما قال المسيح عن نفسه "أنا هو الطريق والحق والحياة" ولأن المسيح كان بلا خطية وكانت له الإنسانية الكاملة والألوهية الكاملة أيضاً بل هو أحسن من كل الخلائق وأسمى من السموات "حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر" (1بطرس 2: 24). وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا (أشعياء 53: 5). وهنا تظهر فظاعة خطايانا التي كانت سببا في صلب الرب يسوع المسيح، فمحبة الله ورحمته الغير محدودتين ظهرتا في تجسد المسيح في حياته وفي موته كما يقول يوحنا الرسول في رسالته ( 4: 9 و 10 ) " فبهذا أُظهرت محبة الله فينا أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به في هذا هي المحبة ليس أننا نحن أحببنا الله بل انه هو احبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا" وقال المسيح " لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16) فلا يقدر أحد من الناس أن يخلّص نفسه من الخطية وجهنم ولكن بما أن عدل الله يقضي بالكفارة وسفك الدم لغفران الخطية فلهذا السبب عينه تجسد كلمة الله الذي هو واحد مع أبيه واتخذ طبيعتنا وتحمل الآلام لأجل خطايانا لكي نسامح ونتطهر منها ومن نتائجها المفزعة. أفلا يظهر لنا هنا مقدار محبة الله ورحمته وقداسته وكارهته للخطية وما من طريقة يعلن الله بها نفسه افضل من هذه أن أولئك الذين ذاقوا محبة الله ورحمته المعلنين في المسيح يسوع وقبلوا نعمة الله بخشوع وخضوع أولئك رغماً عما ارتكبوه من المعاصي عرفوا وتأكدوا انهم نالوا من إلههم الرحيم البار مغفرة الخطايا ونالوا قبولا منه تعالى من اجل المسيح الذي يتراءى ويشفع فيهم. أولئك عرفوا أن الله بمحبته ورحمته يعمل كل ما فيه الخلاص والسعادة الأبدية. إن المسيحي الحقيقي يعرف أن عين الله لا تغفل عنه فيطمئن باله ويلقي كل رجائه واعتماده على الله قائلا مع تلاميذ المسيح الحقيقيين " إن كان الله معنا فمن علينا الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضا معه كل شيء" ( روميه 8: 31 و 32)


أولئك الذين اختبروا محبة الله في المسيح يسوع وقبلوها بكل قلوبهم لابد أن يحبوه ويطيعوا أوامره. ولان محبة الله قد انسكبت في قلوبهم بواسطة الروح القدس وبواسطة إيمانهم بيسوع المسيح فهم لا يشعرون بعد أن عبادة الله وخدمته عبئاً ثقيلا متعباً على كواهلهم بل فيها فرح قلوبهم لان الروح القدس نور يضيء للمؤمنين فيرشدهم إلى معرفة الله الحقة ويسكب عليهم النعمة والقوة لكي يقدروا أن يعملوا مشيئة الله ويطيعوا أوامره ويشعروا بالسلام والفرح والراحة الدائمة في دواخلهم ولكن كيف يتسنى للإنسان أن يؤمن بألوهية يسوع المسيح ما دام يرفض تعاليم الكتاب المختصة بذاته المقدسة؟ فكل من يرفضها فقد رفض المخلّص الوحيد الذي هو الطريق الوحيد بين الله والناس ولا يمكنه أن يتأكد من قداسة الله وعدله ومحبته الكاملة ولا يمكنه أن يحب الله بل يؤمن ويرتعب كالشياطين "والشياطين يؤمنون ويقشعرون" وهذا الارتعاب لا يعطيه السلام والراحة بل يجعله تعيسا بائسا فلا يشعر بقيمة الخلاص ولا يفرح بمعرفة الله ومحبته ونور الرجوع عن الخطية وسعادة الولادة الثانية ولا بقبول الله له. فهو إما لا رجاء له مثقل بالمعاصي مهدد بالخوف من الموت وجهنم وإما يتوهم انه رجل صالح يصوم ويحج (يذهب إلى مكة) ويعمل أعمالاً أخرى يظن فيها الكفاية وهي لا تطهر قلبه النجس، وعلى مثل هذا الإنسان أن يصدق قول المسيح "فان كان النور الذي فيك ظلاما فالظلام كم يكون" (متى 6: 23) "ولا تريدون أن تأتوا إلىَ لتكون لكم حياة" ( يوحنا 5: 40)
ثالثا- حيث أن بني البشر خطاة فلا يقدر أحد ولو كان نبياً أن يخلّص نفسه أو غيره من الخطية ومن فظائع نتائجها وحيث أن الخطية هي ابتعاد عن الله بل هي داء عضال في الروح فالإنسان لا يقدر أبدا أن يصير سعيدا ما لم ينج من هذا الداء ويتحرر منه لان قداسة الله وعدله لا يسمحان بقبول إنسان ملوث بالذنوب والمعاصي. إذا فالكفارة ضرورية لكي تتم عدالة الله في إعلان محبته ورحمته. وهذه الكفارة تلين القلوب الحجرية وتقود الخطاة إلى التوبة باتضاع وخضوع. هذه الكفارة يجب أن تتم بإنسان معصوم من الخطية طاهر كامل غير مرفوض عليه خدمة الله حتى يتسنى له القيامة بخدمة الآخرين وأداء الفرائض المطلوبة منهم ويعينهم في سقطاتهم ونقائصهم وينيلهم أجرا واستحقاقا لان كل من هو خاضع تحت خدمة ما فعليه أن يقوم بتأديتها ولا يقدر أن يؤدي شيئا مما على الآخرين. يجب أن يكون مخلص العالم شخصا كاملا في الطهارة والعظمة كاملا في المجد لكي تناسب خدمته وطاعته وفضله وشفاعته عدالة الله وقداسته وتكون كفارته لخطايا العالم أجمع. يجب أن يكون المخلص الحقيقي والوسيط الوحيد كاملا بمعنى الكلمة وأن تكون ذاته إلهية. أن المسيح لو لم تكن له هذه الألوهية أي انه كلمة الله أو ابن الله واحد مع أبيه فلا يمكن أن يكون المخلص والوسيط الحق ولو لم يكن الكلمة قد صار جسدا وحل بيننا (يوحنا 1: 14) ولو لم يكن عمل الكفارة لأجل خطايانا وأطاع حتى الموت موت الصليب (فيلبي 2: 8) فلا يمكن أن يكون لنا سعادة ولا خلاص نحن البشر. ولكن حيث أن المسيح المعصوم الكامل الذي له الذات الإلهية قد صار كفارة لأجل خطايا العالم فكل من يؤمن به من صميم قلبه لابد أن يحصل على الغفران والفداء والخلاص. قال الرسول في (2كورنثوس 5: 19- 21) "أن الله كان في المسيح مصالحا العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم وواضعا فينا كلمة المصالحة. إذا نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بِر الله فيه" ومعنى هذه الآيات أن المسيح بواسطة موته الثمين صار ذبيحة وكفارة تامة كاملة كافية لأجل خطايا العالم أجمع والله يغفر خطايا أولئك الذين يتوبوا توبة قلبية وينيبون إليه بالإيمان الحقيقي بواسطة يسوع المسيح الإنسان المعصوم الكامل الذي حمل خطايانا محبة في خلاصنا وكل الذين قبلوه مبررون فيه والله لا يقبلنا إلا في المسيح وفيه يمنحنا كل نعمة وبركة روحية. إن المؤمنين لا ينالون بركة الله والحياة الأبدية بواسطة ما يعملونه من الحسنات ولكن بواسطة محبته ورحمته في ابنه يسوع المسيح لأنه يستحيل على الخاطي أن ينال خلاصا لنفسه باستحقاقاته وأعماله الصالحة كما قال الرسول في (رومية 4: 3- 5) "لأنه ماذا يقول الكتاب فآمن إبراهيم بالله فحسب له بِرا أما الذي يعمل فلا تحسب له الأجرة على سبيل نعمة بل على سبيل دين وأما الذي لا يعمل ولكن يؤمن بالذي يبرر الفاجر فإيمانه يحسب له برا" كل من يؤمن بالمسيح فقد نال خلاصا ويعمل الصلاح بعد ذلك ليس لكي ينال الخلاص ولكن لأنه ناله واحب الله واحب أن يسير حسب دعوته والمحبة والمعروف تؤثر على الإنسان لعمل الصلاح اكثر من تخويفه من العقاب أو تشويقه إلى حسن الجزاء والخلاص هذا لا يمكن أن يبتاع لأنه يعطي من الله مجانا وبلا ثمن. من يحصل علبه يعتبره كهبة من الله "لأن أجرة الخطية هي موت وأما هبه الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا" (رومية 6: 23) "لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه... وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودا له من الناموس والأنبياء بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون. لأنه لا فرق إذ الجميع أخطئوا وأعوزهم مجد الله متبررين مجاناً بنعمة الفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره... ليكون بارا ويبرر من هو من الإيمان بيسوع (رومية 3: 20- 26) وقال الكتاب أيضا عن المؤمنين بالمسيح إيمانا صادقا "لأنكم بالنعمة مُخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم هو عطية الله ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد" (أفسس 3: 8و9). ولذلك فكل من يؤمن إيماناً قلبياً مخلصاً بالمسيح يسوع ربنا ويقبله مخلصاً ووسيطاً وحيداً تغفر له خطاياه بمجرد هذا الإيمان ويعتق من الخطية ومن غضب الله ومن خوف جهنم النار الذي يرتعب منها الإنسان نفساً وجسداً عند ذكرها. ويكون قد عرف أن الله قبله وهو لا يستحق رحمته ومحبته وتأكد خلاصه المجاني في المسيح يسوع فيلهج قلبه بالشكر لله ويقول مع داود
"كما يترأف الآب على البنين يترأف الرب على خائفيه" (مزمور 103: 13). ويتأكد بعد ذلك أن كل ما يعمله أبوه السماوي يعمله لخيره ومنفعته وأن الصعوبات والآلام التي تقابله هي غلبة وفرح وسعادة ويكون اتكاله على الله تعالى كاملاً وصلواته وتضرعاته مقبولة أمام عرش الله. إن المؤمن عندما يذوق لذة الخلاص عطية المسيح، يمتلئ قلبه فرحاً ويتأكد أنه سيدخل في السماء حيث يتمتع بالحياة الأبدية والمجد الأبدي كما قال الرسول في (رومية 5: 1-8) "فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح الذي به أيضاً قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون ونفتخر على رجاء مجد الله وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضاً في الضيقات عالمين أن الضيق ينشئ صبراً والصبر تزكية والتزكية رجاء والرجاء لا يخزي لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعين لأجل الفجار فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار ربما لأجل الصالح يجسُر أحد أيضاً أن يموت ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا." وقال أيضاً في (غلاطية 3: 26) "لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع" وقال في (رومية 8: 15-17) "إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب. الروح نفسه أيضاً يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله فإن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضاً ورثة الله ووارثون مع المسيح. إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضاً معه." ومعنى "ورثة الله" أن المؤمنين يشتركون مع الله في المجد والبركة التي يمنحها لهم هناك. وقد قال الرسول في (رومية 8: 18) "فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا." وقال في (1كورنثوس 2: 9) "ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه."
إن أبانا السماوي لا يمنحنا هذه البركات فقط في العالم الآتي ولكنه يمنحنا منها شيئاً هنا على الأرض كالمغفرة والسلام بل وأكثر من كل ذلك يمنحنا عطية روحه القدوس فتمتلئ قلوبنا بمحبة الله وبواسطة هذا الروح يمكن للمؤمن الحقيقي أن يعمل الصلاح والبر. يقول في (غلاطية 5: 22و23) "وأما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان وداعة تعفف ضد أمثال هذه ليس ناموس." إن النعمة التي يمنحها الله على المؤمنين بواسطة الروح القدس تُوجِد في نفوسهم الاشتياق لعمل الصالحات وتبعدهم عن الشر كما قال الرسول في (تيطس 2: 11-14) "لأنه قد ظهرت نعمة الله المخلصة لجميع الناس معلمة إيانا أن ننكر الفجور والشهوات العالمية ونعيش بالتعقل والبر والتقوى في العالم الحاضر منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح الذي بذل نفسه لأجلنا لكي يفدينا من كل إثم ويطهر لنفسه شعباً خاصاً غيوراً في أعمال حسنة."


وحيث أن تعليم الثالوث في وحدة الذات الإلهية يقودنا إلى فهم تجسد المسيح وطريقة الخلاص بواسطة وتأثير الروح القدس في قلوب وحياة أولئك الذين يؤمنون به وحيث أن الله قد أعلن لنا بهذا التعليم في كتابه الكريم قداسته ورحمته ومحبته، فالواجب أن نؤمن بهذه الحقيقة الظاهرة ظهور الشمس في رابعة النهار ونعتقد أنها مطابقة لعظمة الله ومجده وبدونها لا يمكن للإنسان أن يحصل على خلاصه وعلى السعادة الحقيقية في العالم الآتي.
وفي الختام يجب أن نبين لقرائنا الكرام أن نكران تعليم الثالوث يقود الإنسان إلى عدم الإيمان بألوهية كلمة الله يسوع المسيح ربنا ولكن من ينكر هذه الحقيقة فهو لا يعرف الله حق المعرفة لأن المسيح نفسه قال "أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي. لو كنتم عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً" (يوحنا 14: 6و7).
وكل من لا يؤمن بكلام المسيح في الإنجيل فهو لا يؤمن به مطلقاً وكل من لا يؤمن بألوهيته لا يمكن أبداً أن يصل على معرفة قداسة الله وعدله ورحمته ومحبته ولا يمكنه أن يجد المخلص المعصوم والوسيط الوحيد ليخلصه من خطاياه ويمنحه الخلاص الأبدي والحياة الأبدية كما يقول الكتاب "كل من ينكر الابن ليس له الآب أيضاً ومن يعترف بالابن فله الآب أيضاً" (1يوحنا 2: 23). وقال أيضاً "الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله" (يوحنا 3: 36). والإنجيل يعلمنا أن الله أعلن نفسه لشعبه بواسطة كلمته يسوع المسيح الذي فيه ظهرت رحمته وعدله بطريقة عجيبة والله لا يريد أن يهلك أحد من بني البشر بل "يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" (1تيموثاوس 2: 4). "لا يتباطأ الرب عن وعده… لكنه يأتي علينا وهو لا يشاء أن يهلك أناس بل أن يُقبل الجميع إلى التوبة ولكن سيأتي كلص في الليل يوم الرب الذي فيه تزول السموات بضجيج وتنحل العناصر محترقة وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها" (2بطرس 3: 9و10).
وصلواتنا من أجلكم أيها الأخوة الأحباء الذين مات المسيح من أجلكم وقام من الأموات أن يقودكم الله بواسطة روحه القدوس إلى نور إرشاداته وأن يقدركم على فهم ما دوناه من الآيات في هذا الكتاب وبواسطة هذه المعرفة الحقيقية الواضحة في الإنجيل والإيمان بالرب يسوع المسيح وحده تنالون الخلاص والسعادة الحقيقية والحياة الأبدية والله يهديكم إلى هذا الإيمان وينيلكم هذا الخلاص فهو محب رحيم. والغرض الذي تصبو إليه نفوسنا من تأليف هذا الكتاب هو أن نزيل الصعوبات والعوائق التي تحول دون قبول إخواننا المسلمين لكلام الله والإيمان بما أعلنه عن ذاته المقدسة وطريقة الخلاص بيسوع المسيح "لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص" (أعمال 4: 12). وليتمجد اسم الله له المجد والإكرام والحمد من الآن وإلى الأبد. آمين.

-انتهى-

  • عدد الزيارات: 11201
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.