ترتيب الآيات في السورة - الواقع القرآني

الصفحة 2 من 2: الواقع القرآني

ثانيا : الواقع القرآني

وواقع القرآن في المصحف العثماني الباقي الى اليوم – بعد النشرة الثانية للحجاج – يشهد بأن ترتيب الآيات في السور كان بتوفيق الصحابة واجتهادهم .

1) إن جمع سورة (براءة) ، وهي من آخر القرآن نزولا ، الى سورة (الانفال) وهي الثانية نزولا في المدينة ، بدون فاصل البسملة يدل على انهم اعتبروها سورة واحدة من السبع الطوال . "أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حيان والحاكم – أي

جامعو الحديث جميعهم – عن ابن عباس قال : قلتُ لعثمان : ما حملكم على أن عمدتم الى (الأنفال) وهي من المثاني ، والى (براءِة) وهي من المئين ، فقرنتم بينهما ، ولم تكتبوا بينهما سطر "باسم الله الرحمان الرحيم" ووصفتموها في السبع الطوال ؟ فقال عثمان : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزل عليه السورة ذات العدد ، فكان اذا أُنزل عليه شئ دعا بعض من كان يكتب فيقول : صفوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا . وكانت (الأنفال) من أوائل ما نزل بالمدينة ، وكانت (براءَة) من آخر القرآن نزولا ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننتُ أنها منها ، فقُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبيّن لنا أنها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر "باسم الله الرحمان الرحيم" . ووضعها في السبع الطوال" .

فاعتبار السورتين واحدة لأن "قصتها شبيهة بقصتها" دليل على أن ترتيب السورة كان باجتهاد الصحابة .

2) المناقلة الظاهرة بين سورة (آل عمران) وسورة (المائدة) ؛ بين حديث آل عمران في جدال الوفد المسيحي النجراني ، وحديث جدال اليهود في (المائدة) دليل آخر . ان سورة (المائدة) نزلت بعد تصفية اليهود من المدينة – فلا جدال معهم بعد – وبعد خضوعهم المطلق في شمال الحجاز ، وبعد فتح مكة الأكبر والسيطرة عل الحجاز كله : فلا مجال لجدال اليهود في زمن نزول سورة المائدة . ثم أن جدال وفد نجران كان من عام الوفود سنة 631م ، فلا مكان له في زمن نزول ما أسموه (آل عمران) من عام 624م . لذلك فإن الآيات (33 – 64) من سورة آل عمران ، وهي مقحمة اقحاما(1) على جدال اليهود في السورة كلها ، ليست من السورة ، بل كان اقحامها على السورة باجتهاد الجامعين ، لجمعهم في جدال النبي ، كجمعهم في الفتح الاسلامي القائم على قدم وساق . ولذلك فإن الآيات (12 – 89) من سورة المائدة في جدال اليهود والمنافقين وموالاتهم بعضهم لبعض ، وهي مقحمة اقحاما على جدال المسيحيّين في السورة ، ليست من السورة ولا من زمانها . والحديث ان ذلك كان بأمر النبي وتوقيفه هو حديث غير مثبت . فتلك المناقلة المفضوحة برهان على أن جمع الآيات في السور كان باجتهاد الجامعين .

3) ويشهد أن جمع الآيات في السورة كان باجتهادهم ، ما نقلوه في "معرفة أول ما نزل" (الاتقان 24:1) . فهناك شبه اجماع على أنه مطلع سورة (العلق) : "إقرأ" (1 – 5) .

يقول الجلالان : "وهي أول ما نزل من القرآن ، وذلك بغار حراء – رواه البخاري) . والقسم الثاني (العلق 6 – 19) تنديد بردع عمه أبي جهل للنبي عن الصلاة ، فقد نزل بعد سورة (المدثر) : "فبيّن ان سورة (المدير) نزلت بكمالها قبل نزول تمام سورة "إقرأ" "فإن أول ما نزل منها صدرها" .

فجمع قصة أبي جهل الى مطلع نزول القرآن في سورة واحدة كان باجتهاد الجامعين ، كما يدل عليه أيضا اختلاف الفاصلة .

4) وكان القرآن يعتمد الفواصل المتقاربة في السورة الواحدة ، كما يدل على ذلك أطول سورة فيها (البقرة) . لذلك نستطيع أن نقرّر بأن اختلاف الفاصلة المتقاربة في السورة الواحدة دليل جمع المتفرّقات ، الذي لم يكن بأمر النبي وتوقيفه لأنه يخل بنظم القرآن ، والنظم أم الاعجاز البياني فيه . ومثال صارخ على ذلك سورة (مريم) فإنها كلها على روي واحد . لكن يقطع قصة مريم وابنها على روي واحد متواتر ، حديث مقحم من زمن آخر (مريم 34 – 39) بفاصلة مختلفة ، وبموضوع مختلف . فجمع سورة مريم أو سواها كان باجتهاد الجامعين ، كما يدل عليه اختلاف الفاصلة ، وهي ركن في إعجاز النظم . فالآيات التي تأتي بفاصلة مختلفة عن فاصلة السورة هي مقحمة على السورة ، وسلكُها في السورة من الجامعين لا من الرسول .

5) وبما أن النظم أم الإعجاز في السورة والقرآن كله ، فاختلاف النظم أيضا في السورة الواحدة هو عنوان جمع المتفرقات في وحدة مختلفة . وهذا واقع "المفصل" كله تقريبا .

فالسورة التي تأتي بأقسام على فاصلة مختلفة ، هي وحدة مصطنعة من اصطناع الجامعين ، لا من أمر النبي وتوقيفه . خذ مثالا على ذلك سورة (الغاشية) ، وسورة (الانشقاق) ، وسورة (الطارق) ، وسورة (الفجر) ، وسورة (البلد) الخ . ومثال واضح على الجمع المتفاوت في النظم ، سورة (المزمّل) ، فإنها تأتي بنظم واحد ، وفاصلة متقاربة واحدة ، وتشعر بختام السورة في قوله : "إن هذه تذكرة ، فمن شاء اتخذ الى ربه سبيلا" (19) . ثم يأتونك بآية واحدة (20) تكاد تكون على قدر السورة لطولها : فهذه الآية الطويلة تختلف نظما وفاصلة وموضوعا عن السورة كلها فهي ليست منها ، بل من زمن آخر ألحقت فيها باجتهاد الجامعين . وهذا الاختلاف في الجمع ليس من الاعجاز في تأليف السورة .

6) ويشهد أيضا أن جمع الآيات في السورة كان باجتهاد الجامعين ، قولهم "في أوائل مخصوصة" (الاتقان 27:1) .

أول ما نزل في القتال . روى الحاكم في (المستدرك) عن ابن عباس قال : أول آية نزلت في القتال "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا" – وهي في سورة (الحج) ، فجعلتهم يختلفون هل السورة مكية أم مدنية لذكر القتال والحج فيها ؛ وهي متبعضة ، بعضها مكي وبعضها مدني كما هو ظاهر . وجمعها اصطناعي من عمل الجامعين .

ثم اختلفوا في أول ما نزل في القتال بالمدينة . أخرج ابن جرير – الطبري – عن أبي العالية قال : أول آية نزلت في القتال بالمدينة "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم" . وفي (الاكليل) للحاكم : أن أول ما نزل في القتال "أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم" . فتأمل : إن الأولى هي الآية (190) من البقرة ، وفي (أسباب النزول) للسيوطي ، كما أخرج الواحدي عن ابن عباس ، والطبري عن قتادة أنها نزلت في صلح الحديبية : فكيف تكون أول آية في القتال بالمدينة ؟ وكيف يضعونها في سورة (البقرة) ؟ والآية الثانية "إن الله اشترى ..." هي الآية (111) من سورة التوبة ، فكيف تكون أول آية في القتال ، وكيف يضعونها في آخر سورة ؟

ففي (أسباب النزول) دلائل يؤيدها واقع القرآن على أن الآيات في السور جُمعت باجتهاد الجامعين .

وفي اختلافهم على أول آية نزلت من سورة (براءة) برهان كاشف على أن سورة براءة ، مثل غيرها ، كان جمعها باجتهاد الجامعين : عن مجاهد أول ما أنزل الله من سورة براءة قوله "لقد نصركم الله في مواطن كثيرة" (25) ؛ وعن أبي الضحى قال : أول ما نزل من براءة "انفروا خفافا وثقالا" ثم نزل أولها (في فتح مكة) ثم نزل آخرها (في غزوة تبوك) . وأخرج ابن أشته في كتاب (المصاحف) عن أبي مالك قال : كان أول براءة "انفروا خفافا وثقالا" سنوات ، ثم أُنزلت براءة أول السورة فألفت فيها أربعون آية . وأخرج أيضا من طريق داود عن عامر في قوله "انفروا خفافا وثقالا قال : وهي أول آية نزلت في (براءة) في غزوة تبوك ؛ فلما رجع من تبوك نزلت (براءة) إلاّ ثمانيا وثلاثين آية من أولها" . فيستثني آية البراءة (1) وآية الأذان يوم الحج الأكبر (3) . وهذا شاهد ماثل للعيان على أن ترتيب

الآيات في سورة براءة ليس على ترتيب النزول ، وبين أقسامها "سنوات" : فالنتيجة الحاسمة على أن ترتيب الآيات فيها ، وتصديرها بآية براءة أو قطع الآية بآية الأذان (3) ، ليس من ترتيب الرسول بل باجتهاد الجامعين .

وإذا كان هذا الأمر الواضح في آخر السور نزولا ، فكم بالحري في ما سبقها ؟

7) ويشهد أيضا على اجتهادهم في جمع الآيات في السورة ، وفي ترتيب الآيات في السورة ، ما رووه "في معرفة آخر ما نزل" (الاتقان 27:1) ، مثل آية الربا "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا" (البقرة 278) . فقد أخرج البخاري عن ابن عباس قال : آخر آية نزلت آية الربا . وروى البيهقي عن عمر مثله . وعند أحمد وابن ماجه عن عمر : من آخر ما نزل آية الربا . وعند ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : خطبنا عمر فقال : "إن من آخر القرآن نزولا آية الربا" – فكيف جعلوها في سورة البقرة ؟ لقد نزل أولا تحريم الربا الذي جعل المرابين من "أصحاب النار هم فيها خالدون" (البقرة 275) . ثم استثنى من أصحاب النار المرابين الذين آمنوا وعملوا الصالحات (البقرة 277) . فالحقوا بهما آخر آية نزلت ! وهذا دليل اجتهادهم في جمعه .

وهناك اجماع أشمل على أن آخر آية نزلت هي "واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله" (البقرة 281) ، "وكان بين نزولها وبين موت النبي صلى الله عليه وسلم أحد وثمانون يوما" أو "وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال ، ثم مات ليلة الاثنين ، لليلتين خلتا من ربيع الأول " . ويقولون : كأنه نعيت اليه نفسه . ونقول : إذا كانت آخر آية نزلت فما داعي الإعجاز لوضعها في أول سورة نزلت بالمدينة ؟ وما داعي الإعجاز لوضعها بين آية الربا (278) وبين آية الكاتب بالعدل (282) ؟ هذ1 الواقع القرآني المشهود شاهد عدل على أن تأليف الآيات في السورة كان باجتهاد الجامعين .

وهناك أيضا روايات أخرى عن آيات أخرى كانت آخر ما نزل ، وهي منثورة في السور ، ممّا يشهد شهادة قاطعة بأن تأليفها في سورها من جمع الجامعين .

وهكذا فالواقع التاريخي ، والواقع القرآني ، يشهدان جميعا بأن ترتيب الآيات في السور لم يكن كله من توقيف النبي عليه ، بل كان أيضا باجتهاد الجامعين . وبما أن ترتيب الآيات في السورة ناحية من اعجازها البياني في التأليف ، فهذا التأليف والجمع الذي تمّ باجتهاد الجامعين ، فيه شبهة قائمة على الإعجاز في التأليف .

الصفحة
  • عدد الزيارات: 6636
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.