Skip to main content

قصة الناسخ و المنسوخ ، و الإعجاز فى التنزيل

قصة الناسخ و المنسوخ ، و الإعجاز فى التنزيل

إن قصة الناسخ و المنسوخ فى القرآن قضية واقع تاريخى ، و قضية مبدإ فى التنزيل القرآنى . و هى مشكل يحار فيه المؤمن و غير المؤمن . و النسخ فى التنزيل الواحد و الكتاب الواحد بلاء من الله عظيم ، خصوصا فى مطابقة النسخ مع التنزيل من اللوح المحفوظ ، حيث الناسخ

والمنسوخ معا حقيقة الهية واحدة . و " ان النسخ مما خص الله به هذه الأمة لحكم ، منها التيسير " (السيوطى : الاتقان 2 : 25) . و على وجود الناسخ و المنسوخ فى التنزيل ، ثم فى المصحف العثمانى الباقى ، إجماع فى الأمة . لكن ، تجاه شبهات النسخ على صحة التنزيل ، قام فريق ، منذ الزركشى فى ( البرهان ) حتى اليوم ، يقول بأن لا نسخ فى القرآن .


 

أولا : قصة النسخ وغرائبها و شبهاتها

1 – لكن النسخ فى التنزيل القرآنى امر واقع ، بإجماع الأئمة . قال السيوطى : و التأليف فى الناسخ و المنسوخ " أفرده بالتصنيف خلائق لا يحصون ... قال الأئمة ، لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ و المنسوخ . و قد قال على لقاض : أتعرف الناسخ و المنسوخ؟

قال : لا ! قال : هلكت و أهلكت " ! و قد عاد العلماء ، مثل النحاس و ابن حزم فى كتابيهما ( الناسخ و المنسوخ ) نيفا و مئتى آية فى المصحف العثمانى . و اقتصرها السيوطى فى ( الاتقان 1 : 23 ) على عشرين موضعا . و ذلك من دون الذى اسقطه عثمان عند جمع القرآن ، و من دون ما اسقطه جبريل و محمد عند معارضة القرآن كل سنة .

2 – و النسخ على أنواع

بمعنى الإزالة . و منه قوله : " فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته " .

و بمعنى التبديل . و منه قوله : " و اذا بدلنا آية مكان آية " .

و بمعنى التحويل ، كتناسخ المواريث ، بمعنى تحويل الميراث من واحد الى واحد .

و بمعنى النقل من موضع الى موضع . و منه ( نسخت الكتاب ) اذا نقلت ما فيه حاكيا للفظه و خطه – و فى وقوع النسخ بالنقل خلاف .

أما النسخ بالإزالة أو الرفع من التنزيل ، و التبديل فى التنزيل ، و التحويل فى أحكام القرآن ، بإبطال حكم و إقامة حكم مكانه ، فهو أمر واقع فى الأنواع الثلاثة .


3 – و تقسم سور القرآن باعتبار الناسخ و المنسوخ الى أربعة أقسام

قسم ليس فيه ناسخ و لا منسوخ ، و هو ثلاث و أربعون سورة .

و قسم فيه الناسخ و المنسوخ معا و هو خمس و عشرون سورة .

و قسم فيه الناسخ فقط و هو ستة .

و قسم فيه المنسوخ فقط و هو أربعون .

و هكذا يعدون الآيات الناسخة و المنسوخة ، على قول الزركشى (البرهان في علوم القرآن ج 2 ص 44) فى احدى و سبعين سورة .

4 – و الناسخ على أنواع

نقل السيوطى عن مكى : " فرض نسخ فرضا ، و لا يجوز العمل بالأول ، كنسخ الحبس للزوانى بالحد . و فرض نسخ فرضا ، و يجوز العمل بالأول كآية المصاهرة . و فرض نسخ ندبا كالقتال ، كان ندبا فصار فرضا . و ندب نسخ فرضا كقيام الليل نُسخ بالقراءة فى قوله : " فاقرأوا
ما تيسر من القرآن " .

5 – و المنسوخ على أضرب

أحدها : ما نُسخ تلاوته وحكمه – وهو نوع من القرآن نزل ثم رُفع .

الثاني : ما نُسخ حكمه دون تلاوته . وهذا الضرب هو الذي فيه الكتب المؤلفة .

الثالث : ما نُسخ تلاوته دون حكمه ... وأمثلة هذا الضرب كثيرة ، وهي التي نقلوا عنها قول ابن عمر : "قد ذهب منه قرآن كثير" ! وقول عائشة : "قبل ان يغيّر عثمان المصاحف" ! وقول ابي موسى الأشعري : "نزلت سورة نحو براءة ورفعت" ! وقول عمر وعبد الرحمان عوف : "اسقطت في ما اسقط من القرآن" ! وقول ابن عمر : "إنها ممّا نُسخ فالهوا عنها" ! ... " والسبب في رفع التلاوة هو الاختلاف"( الاتقان 1: 25 – 27) .

6 – ومن غرائب النسخ في التنزيل القرآني ما أورده السيوطي ايضا(الاتقان 1: 24) :

"قال بعضهم : ليس في القرآن ناسخ إلا والمنسوخ قبله في الترتيب إلا في آيتين : آية العدة في (البقرة) ، وقوله : "لا يحل لك النساء من بعد" . وزاد بعضهم ثالثة ورابعة .

"وقال ابن العربي : كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار والتولّي والاعراض والكف عنهم منسوخ بآية السيف (براءة 5) نسخت مائة وأربعا وعشرين آية ! ثم نسخ آخرها أولها" !

"وقال أيضا : من عجيب المنسوخ قله تعالى : "خذ العفو ..." فإن أولها وآخرها وهو (وأعرض عن الجاهلين) منسوخ ، ووسطها محكم ، وهو (أمر بالعرف) .

"وقال : من عجيبه أيضا آية أولها منسوخ ، وآخرها ناسخ ، ولا نظير لها وهي : "عليكم انفسكم ، لا يضركم مَن ضلّ إذا اهتديتم" ، يعني بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهذا ناسخ لقوله ؛ "عليكم أنفسكم" .

"وقال السعيدي : لم يمكث منسوخ مدة أكثر من قوله "قل : ما كنت بدعا من الرسل" ، مكثت ست عشرة سنة حتى نسخها أول الفتح عام الحديبية .

"وقال شيدلة : يجوز نسخ الناسخ فيصير منسوخا ... يمثل له بآخر سورة (المزمّل) فإنه ناسخ لأولها ، منسوخ بفرض الصلوات . وقوله "انفروا خفافا وثقالا فهو ناسخ لآيات الكهف ، منسوخ بآيات العذر .

7– والغرابة الكبرى أن يقع النسخ أثناء التنزيل القرآني ، فيضطر جبريل الى معارضة القرآن كل سنة ليرفع المنسوخ أحيانا ، ويضع الناسخ أحيانا . وفي العرضة الأخيرة "بيّن فيها ما نُسخ وما بقي" . ومع ذلك فقد بقي ناسخ ومنسوخ كثير كتبه علي في مصحفه ، واسقطه عثمان . ومع ذلك أيضا فقد بقي ناسخ ومنسوخ في المصحف العثماني : مما يدل على أن النسخ كان كثيرا في القرآن .

وهكذا فالظاهرة الكبرى ما قاله ابن حزم : "إعلم أن نزول المنسوخ بمكة كثير ، ونزول الناسخ بالمدينة كثير" ! وهذا يعني ان القرآن المدني نقض في أحكامه القرآن المكي .

فإن أول ما نُسخ من القرآن استقبال بيت المقدس بآية القبلة ، وصوم عاشوراء بصوم رمضان (في البقرة) كما نقلوا عن ابن عباس . "قال مكي : وعلى هذا فلم يقع في القرآن المكي ناسخ" .

والسر كل السر ، في القول بالناسخ والمنسوخ ، هو أكثر من تصريح القرآن بوجود النسخ (البقرة 106) ؛ انه بسبب وجود معارضة بيّنة في أحكامه . "قال ابن الحصار : إنما يُرجع في النسخ الى نقل صريح عن رسول الله ص ، أو عن صحابي . قال : وقد يُحكم به عند وجود التعارض المقطوع به ، مع علم التاريخ ليُعرف المتقدم والمتأخر . قال : ولا يُعتمد في النسخ قول عوام المفسرين ، بل ولا اجتهاد المجتهدين ، من غير نقل صريح ولا معارضة بيّنة"( الاتقان 1: 24) .

فيجب القول بالنسخ "عند وجود التعارض المقطوع به"

فهل القول المحتوم بالناسخ والمنسوخ ، لرفع التعارض المقطوع به فيه ، والمعارضة البينة ، هو من الاعجاز في التنزيل ؟

وتزيد الشبهة الضخمة القائمة ، لوجود الناسخ والمنسوخ في المصحف العثماني ، على صحة التنزيل واعجازه ، من اسقاط عثمان من القرآن ، كل ما جمعه علي في مصحفه من الناسخ والمنسوخ بعد إسقاط جبريل منه عند معارضته وهكذا بعد محاولة النبي ثم محاولة الصحابة لم يسلم النص العثماني من النسخ فيه .

وهذا الاسقاط من القرآن أولاعلى يد النبي ، ثم على يد جماعة عثمان ، للتخلّص من كثرة المنسوخ ، انما هو البرهان القاطع على أنه ليس في التنزيل القرآني اعجاز مانع .

وغرائب النسخ وعجائبه التي يلحظها الأئمة ، كما رأيت ، ليست من "دلائل الاعجاز" في التنزيل القرآني .

أجل "ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى" ؛ فإنما "تتبدّل الأحكام بتغيّر الأزمان" ما بين زمان وزمان ، وكتاب وكتاب ، ونبي ونبي . لكنّ مبدأ النسخ نفسه ، في التنزيل الواحد ، على يد النبي الواحد ، في الكتاب الواحد ، لا يصح من

الحكيم العليم . هذا ما يسميه أهل الكتاب : بَدَاءٌ كالذي يرى الرأي ثم يبدو له . واذا اعتبرنا أنّ النسخ بيان لمدة الحكم المنسوخ ، كان التنزيل مدعاة للتهكم ، لأن الناسخ والمنسوخ قد يحصلان ما بين ليلة وضحاها ، وفي آية واحدة قد ينسخ آخرها أولها ! وحاشا للحكيم العليم أن يلهو في التنزيل ، وأن يسخّره لأحوال عابرة .

فمهما قيل في تبرير النسخ القرآني ، فإنه شبهة ثابتة على الاعجاز في التنزيل . وهي شبهة مثلّثة : شبهة على رفع المنسوخ في عرضات القرآن المتواترة على جبريل ، شبهة على اسقاط الصحابة للمنسوخ الذي كان يحفظه مصحف علي بن أبي طالب ؛ شبهة على المنسوخ الموجود في المصحف العثماني ، والذي أفلت من رقابة عثمان وجماعته .

فكان المنسوخ سببا في ذهاب قرآن كثير على يد النبي ثم على يد صحابته .

والمشكل الأكبر ان الناسخ والمنسوخ كلاهما تنزيل من اللوح المحفوظ ، بواسطة جبريل ، على النبي : فكيف يكون "التعارض المقطوع به" بين الناسخ والمنسوخ مكتوبا منذ الأزل في اللوح المحفوظ؟ وكيف يليق بالحكيم العليم تنزيل المنسوخ والناسخ معا في كتاب واحد ، وفي سورة واحدة ، وفي آية واحدة ؟

إن النسخ القرآني ، كما وصفوه ، تحدّ للعقل وللنبوة وللتنزيل .


ثانيا : النسخ ميزة القرآن وحده

ومما يزيد في غرابته "أن النسخ مما خصّ الله به هذه الأمة" في كتابها .

1– فالنسخ القرآني يتعلق بآي القرآن نفسها ، لا يتعداها الى سواها من كتب الله ، كما تصرح آية النسخ : "ما ننسخ من آية – أو ننسها – نأت بخير منها ، أو مثلها" (البقرة 106) فالقرآن ينسخ بعضه بعضا ؛ ويرون في ذلك من "دلائل الاعجاز" في التنزيل !

"والقول بأن من القرآن ما نزل وتُلي ، ثم نسخ ، قول فيه تعسف شديد ، وفيه مدخل إلى الفتنة والتخرص . فإذا ساغ أن ينزل قرآن ويُتلى على المسلمين ثم يرفع ، ساغ لكل مبطل أن يقول أيّ قول ! ثم يدّعي له أنه كان قرآنا ثم نُسخ . وهكذا تتداعى على القرآن المُفتريات والتلبيسات ؛ ويكون لذلك ما يكون من فتنة وابتلاء !

"ثم من جهة أخرى ، ما حكمة هذا القرآن الذي ينزل لأيام أو شهور ، ثم يُرفع" ؟( السيوطي : الاتقان 25:2)
(1) 2– ومن الافتراء على القرآن الادّعاء "بأن الله نسخ التوراة والانجيل بالقرآن"( السيوطي : الاتقان 27:1) يدل على ذلك قولهم : شرع مَن قبلنا شرع لنا .
(2) ويدل عليه تصريح القرآن المتواتر : "يريد الله ليبيّن لكم ويهديكم سُنن الذين من قبلكم ، ويتوب عليكم ، والله عليم حكيم" (النساء 26) ؛ "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا – والذي أوحينا اليك – وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى : أن أقيموا الدين ولاتتفرقوا فيه " (الشورى 13) ؛ وفي آخر الأمر يقر التوراة والانجيل والقرآن كلا على شريعته في سورة المائدة : "وكيف يحكّمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله (43) ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" (45) – وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه ، ومَن لم يحكم بما أنزل الله ، فأولئك هم الفاسقون (47) – وأنزلنا اليك الكتاب بالحق ، مصدّقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ، فاحكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتّبع أهواءهم عما جاءك من الحق : "لكل جعلنا منكم شِرْعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة" (48) . وهذا هو القول الفصل : "أخرج الترمذي والحاكم عن عائشة : آخر سورة نزلت المائدة ، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه" . (السيوطي : الاتقان 22:1)

فهذا الحكم الأخير ، الذي لا ناسخ له : "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" ، يقضي على الافتراء بأن القرآن نسخ التوراة والانجيل . "قالوا : وانما حقّ الناسخ والمنسوخ أن تكون آية نسخت آيةً(اعجاز القرآن 1: 454 – 455) . والقول الفصل في دعوى القرآن للتوراة والانجيل أنه يوم الدين ، حتى بعد القرآن : "كل أمة تُدعى الى كتابها" (الجاثية 28) .

3– ويبرّرون النسخ في القرآن بالنسخ في الكتاب – وليس لهم سند من كتاب . يقول عبد الكريم الخطيب(5) : "وقد نسخ الله سبحانه كثيرا من الشرائع التي تقدّمت شريعة


الاسلام . يقول ابن كثير في تفسيره (الجزء الأول) : "والذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ هو الكفر والعناد . فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى ، لأنه يحكم ما يشاء ، كما انه يفعل ما يشاء . كما أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية : كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه ثم حرّم ذلك . وكما أباح لنوح عليه السلام بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات ثم نسخ حلّ بعضها . وكان نكاح الاختين مباحا لإسرائيل وبنيه ، وقد حرّم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها . وأمر ابراهيم عليه السلام بذبح ولده ثم نسخه قبل الفعل . وأمر جمهور بني اسرائيل قتل مَن عبد العجل منهم ثم رفع عنهم القتل كي لا يستأصلهم القتل"

وفات ابن كثير وتلميذه الخطيب أن النسخ المذكور وقع في عهود متباعدة آلاف السنين . وما جرى لآدم ثم لنوح ثم لابراهيم ثم لاسرائيل (يعقوب) لم يكن نسخا لحكم سابق ، بل تنزيل حكم مبتدئا . ففي التوراة شريعة موسى ، لا شريعة آدم ولا نوح ولا ابراهيم ولا اسرائيل (يعقوب) ؛ وليس فيها نسخ . وأمر الله في التوراة بقتل من عبد منهم العجل هو قضاء في الحال ، لا تشريع للاستقبال ، وقد نُفّذ .

فليس في ما يذكرون من نسخ في الشريعة الواحدة ؛ انما النسخ ميزة القرآن وحده .

وما ورد مما يشبه النسخ ما بين الانجيل والتوراة ، فهو ما بين كتابين وشريعتين ؛ والسيد المسيح مع ذلك لا يسميه نسخا ، بل تكميلا : "لا تظنّوا أني جئتُ لأنسخ التوراة أو النبيّين ! ما جئت لأنسخ بل لأكمّل" (متى 17:5) .

وهكذا فالقرآن ينسخ بعضه بعضا ؛ ولا يقتدي بغيره ، مع أنه أُمِر صريحا : "أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم (الحكمة) والنبوة ... اولئك الذين هدى الله ، فبهداهم اقتدهْ" (الانعام 89 – 90)


 

ثالثا : حجّة مَن قال لا نسخ في القرآن واهية متهافتة

هذا الواقع المرير في اختصاص القرآن بالنسخ في آيه ، فينسخ بعضه بعضا ، وما ينجم عنه من مدخل في الفتنة ومن حمل على الشبهات على التنزيل والاعجاز ، قام فريق يقول : لا نسخ في القرآن .

(1) تزعم هذا التيّار الزركشي في (البرهان في علوم القرآن) . وعنه ينقل الى اليوم مَن يذهب مذهبه ، مثل عبد الكريم الخطيب (اعجاز القرآن 1: 435 – 472) .

قال : "أكثر العلماء على أن في القرآن نسخا بدليل قوله تعالى "ما ننسخ من آية ، أو نُنسها ، نأت بخير منها أو مثلها" (البقرة 106) . ثم ان الذي ينظر في كتاب الله يرى آيات تعطي أحكاما خاصة ، ثم تأتي بعد ذلك آيات تعطي أحكاما تخالف هذه الأحكام ... ولا معنى لهذا التخالف بين الآيات في أحكامها إلا أن اللاحق قد نسخ السابق وأزال الحكم الذي تضمّنه وإن بقيت قرآنا متلوًا ...

"وكثير من العلماء أيضا يرى أن النسخ في القرآن ليس نسخا بمعنى الإزالة ، على ما فهم القائلون بالنسخ . وانما هو نسْأُ وتأخير ، أو مُجمل أُخّر بيانه لوقت الحاجة ، أو خطاب قد حال بينه وبين أوله خطاب آخر ، أو مخصوص من عموم ، أو حكم عام لخاص ، أو لمداخلة معنى في معنى ... وأنواع الخطاب كثيرة فظنوا ذلك نسخا ، وليس به . وانه الكتاب المهيمن على غيره ، وهو نفسه متعاضد" (الزركشي : البرهان 44:2) .

ويؤيّد رأيه بأن آية النسخ شرطية ، "وهل اذا جاء في القرآن الكريم شرط ، أيجب أن يقع هذا الشرط ، وأن يتحقق تبعا لذلك جوابه ؟ ... وعلى هذا يجوز في الآية الكريمة ألا يقع شرطها ولا جوابها" .

ويضيف الخطيب بأن آية النسخ ليست مبدأ عامًا في القرآن ، بل آية مخصوصة بنسخ القبلة من بيت المقدس الى المسجد الحرام : "وعلى هذا فإن أقرب مفهوم الى النسخ الذي تشير اليه الآية "ما ننسخ من آية" هو نسخ الأمر بالتوجه بالصلاة الى بيت المقدس وجعله الى المسجد الحرام" .

ثم يشرع في "تأويل ما يبدو فيه النسخ" تأويلا يجعل التشريع القرآني قوانين عابرة ، لحالات طارئة ، ليس عليه مسحة الشريعة الخالدة .

وخطأهم قائم على سوء فهم آية النسخ : "ما ننسخ من آية – أو نُنْسِها" وعلى تبنّي قراءة ثانية : "أو نَنْسَأها" أي نؤخرها . فالاختلاف في صحة القراءة لا يُبنى عليه عقيدة

أو مذهب . وليس حرف (او) عطف بيان للنسخ بالتاخير ؛ انما حرف (او) يدل على حالين مختلفتين : حالة النسخ وحالة النسيان أو التأخير . وليس في قوله : "ما ننسخ" شرط قد لا يتم وقوعه ، إنما هو تقرير واقع يصير مبدأ . وهب فيه شرطا ، فهو اسلوب قرآني في التقرير ، كما في قوله الصريح : "واذا بدّلنا آية مكان آية – والله أعلم بما ينزّل – قالوا : إنما أنت مفتر" (النحل 101) : فالشرط واقع يشهد عليه علم الله بالتبديل في التنزيل ، وتهمة النبي بالافتراء بسبب ذلك ، ومحنة ارتداد بعض المسلمين بسبب التبديل في القرآن (النحل 106) . فآية التبديل في القرآن تفسّر وتشهد لصحة النسخ في القرآن .

والنتيجة الحاسمة أن التبديل والنسخ في القرآن شبهة على الاعجاز في التنزيل .

فالتنزيل القرآني ، كما فيه تبديل آية مكان آية ، فيه أيضا نسخ آية بآية . وعليه شبه إجماع بين الأئمة مهما قال المكابرون . فقصة التبديل في القرآن ، مثل قصة النسخ في القرآن ، ليستا من "دلائل الاعجاز" في التنزيل . وتنزيل يعتريه النسخ والتبديل ليس من الاعجاز في التنزيل .

 

  • عدد الزيارات: 11847