طريقة الوحي القرآني أدنى طرق الوحي

الصفحة 1 من 6

طريقة الوحي القرآني أدنى طرق الوحي

للقرآن نظرية جامعة في طرق الوحي ، وتحديد منزلة الوحي القرآني منها : "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ وحيا – أو من وراء حجاب – أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ، إنه عليٌّ حكيم" ؛ "وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ، ولكن جعلناه نورا نهدي به مَن نشاء من عبادنا ، وإنك لتُهدَى الى صراط مستقيم" (الشورى 51 – 52 )

أولا : القرآن وحي بالواسطة

بحسب القرآن نفسه ، طُرق الوحي الإلهي ثلاث : الوحي المباشر من الله للنبي ؛ والوحي من وراء حجاب ؛ والوحي بواسطة رسول يوحي بإذنه تعالى ما يشاء .

أما الوحي بواسطة رسول فهو طريقة الوحي لمحمد ، كما يشهد بذلك القرآن كله مع آية (الشورى 52) : "نزل به الروح الأمين ، على قلبك لتكون من المنذرين" (الشعراء 193 – 194) ؛ "قل : نزَّله روح القدس من ربك بالحق" (النحل 102) ؛ "قل : مَنْ كان عدوًا لجبريل ؟ فإنه نزّله على قلبك ، بإذن الله ، مصدقا لما بين يديه ، وهدى وبشرى للمؤمنين" (البقرة 97) . فالروح الأمين ، روح القدس ، جبريل هو "روح من أمرنا" الذي بتنزيل القرآن على قلب محمد هداه الى الايمان بالكتاب الذي جعله الله نورا يهدي به مَن يشاء من عباده . فتعبير "روح من أمرنا" لا يعني القرآن ، بسبب قوله "أوحينا" – الذي ورد على المشاكلة مع قوله السابق : "أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء" – بل "روح" من عالم الأمر والخلق الذي تذكره سائر الآيات : فلو كان "روح من أمرنا" يعني القرآن ، لكان القرآن مخلوقا من عالم الأمر . مع ذلك فالقرآن وحي بالواسطة .

أما الوحي "من وراء حجاب" فهو ميزة الوحي الموسوي الذي كان تكليما من الله مباشرا ، لكن بدون رؤية ولا مشاهدة : "وكلّم الله موسى تكليما" (النساء 164) ؛ فهو يفضل الأنبياء بهذا التكليم المباشر (البقرة 253) "من وراء حجاب" (51:42) .

أما الوحي المباشر ، القائم على الرؤية ، فيبقى من نصيب السيد المسيح من حيث هو "كلمة الله" القائم في ذات الله قبل أن يُلقى الى مريم . فصار كلام الله فيه عينَ "كلمة الله" . فالوحي المسيحي الانجيلي هو وحي مباشر من الله بدون حجاب . فهو فوق التنزيل القرآني بالواسطة ، وفوق التكليم الموسوي "من وراء حجاب" : إنه ذروة الوحي والتنزيل ، بالاتصال المباشر بالله ، والمشاهدة بالعيان .

جاء في الصحيحين حديث مشهور على لسان عائشة : "مَن زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية" ! واستشهدت بالآية : "لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار" (الأنعام 103) . فلم ير محمد ربه في تنزيل ، ولا في اسراء ، ولا في غيرهما . وكان الوحي اليه تنزيلا بواسطة الروح الأمين ، روح القدس ، جبريل .

وجاء في فاتحة الانجيل بحسب يوحنا : "في البدء كان الكلمة ، والكلمة كان في الله ، والله كان الكلمة ، فهو منذ البدء في الله ... والكلمة صار بشرًا وسكن فيما بيننا ، وقد شاهدنا مجده ، مجد الآب على ابنه الوحيد ... إن الله لم يره أحد قط ، إلاّ الابن الوحيد القائم في ذات الله ، وهو الذي كشف عنه" (1 و14 و18) . قال السيد المسيح لعلاّمة اسرائيل نيقوديم : "الحق الحق أقول لك : إننا ننطق بما نعلم ، ونشهد بما رأينا ... فإنه لم يصعد أحد الى السماء إلاّ الذي نزل من السماء ، ابن البشر (لقب المسيح) الكائن في السماء" (يوحنا 11:3-13) .

فالوحي الانجيلي كشف ؛ والوحي التوراتي تكليم ؛ والوحي القرآني تنزيل بالواسطة ، لذلك فهو ، بحسب نظرية القرآن نفسها (الشورى 51–52) أدنى طرق الوحي .

لذلك يسمي القرآن نفسه تنزيلا (السجدة 2 ؛ الزمر 1 ؛ الجاثية 2 ؛ الأحقاف 2) . فهو يصرح : "إنّا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلا" (الانسان 23) . انه تنزيل رب العالمين ، ولكن بواسطة الروح الأمين جبريل : "وانه لتنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الأمين ، على قلبك لتكون من المنذرين" (الشعراء 192–194) . وهذا التنزيل هو من الروح الأمين مباشرة ، لا من الله نفسه : "أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء" (الشورى 51) ؛ فالوحي القرآني هو من الروح الأمين مباشرة ، بإذنه تعالى وان سماه "كلام الله" ؛ فليس من اتصال مباشر في التنزيل القرآني بين الله ومحمد . فالله لم يكلّم بنفسه محمدا ، بل كلّمه ، بإذنه ملاك الوحي .

أجل ينسب القرآن تعابير الوحي والتنزيل الى التوراة والانجيل والقرآن على السواء (آل عمران 3–4) ؛ ولكن على طريق المشاكلة ، لا على طريق المقابلة ؛ فإن تعابير الوحي والتنزيل هي ، كما رأينا ، من متشابهات القرآن التي لا يُعرف مدلولها إلاّ بالقرائن القرآنية . وكل التصاريح والقرائن القرآنية تشهد بأن الوحي القرآني تنزيل بالواسطة ، ومن ملاك الوحي نفسه ، باسم الله واذنه . وهذه أدنى طرق الوحي : فكيف يكون معجزا بالنسبة الى التكليم التوراتي من وراء حجاب ؟ وخصوصا كيف يكون معجزا بالنسبة الى الكشف الانجيلي المباشر بدون حجاب ؟

فليس الوحي القرآني ، من حيث هو تنزيل بالواسطة ، وبتصديق القرآن ، من الاعجاز في التنزيل .

التنزيل القرآني بِوَسَط ووسيط
الصفحة
  • عدد الزيارات: 17429
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.