مصادر الإسلام

إنجـيل القس ورقة و قرآنه

فهرس المقال

نذكر بمهمة ورقة التي عرف بها ولم يعرف بغيرها وهي كما جاء على لسان المحدثين وفي صحيح مسلم وصحيح البخاري وأغاني أبي فرج الأصفهاني وابن كثير وغيرهم ... أن القس ورقة كان ينقل الانجيل العبراني إلى العربية. ما هو الانجيل العبراني ؟ ما هي تعاليمه ؟ هل وجد فعلا في التاريخ ؟ من يحدثنا عنه غير القس ورقة ؟

الجواب عن هذه الأسئلة عند آباء الكنيسة ومؤرخيها وهم خير شاهد على تراث الكنيسة وكتبها المقدسة وبالفعل نرى عندهم الكثير من الاشارات على ما يسمى في تاريخ الكنيسة ب الانجيل حسب العبرانيين وعلينا أن نستعرضها ونقابل بين انجيل ورقة وبين تعاليمها

وإذا صحت المقابلة نكون اكتشفنا قصة اللوح المحفوظ الذي نزل القرآن منه

نقل عن أوسابيوس 340 م الملقب بأبي التاريخ الكنسي وهيرودس المسيحية قوله عن هجسيب وهو من أوائل القرن الثاني أنه كان ينقل أشياء من الانجيل حسب العبرانيين الانجيل الآرامي الذي هو بالحرف العبراني

ويشهد أوسابيوس نفسه على أن الانجيل حسب العبرانيين هو الأصح في نظر العبرانيين الذين أمنوا بالمسيح ويقول عن الابيونيين أنهم كانوا يستخدمون فقط الانجيل المسمى بحسب العبرانيين وقلما يكترثون بغيره

ويقول عن عقيدتهم : أنهم كانوا يحفظون السبت وسائر العادات اليهودية ويغارون على إقامة أحكام التوراة ويعتبرون أن الخلاص يقوم لا على الايمان بالمسيح وحده بل على إقامة شريعة موسى أيضا ويقول في مكان آخر أن المسيح ذكر الشقاق الذي ستتعرض له النفوس في العائلات كما نجده في الانجيل بحسب العبرانيين

أما أوريجينوس 253 م فيذكر هذا الانجيل في جملة كتب من كتبه التفسيرية يقول في تفسيره على انجيل يوحنا : من يقبل الانجيل بحسب العبرانيين يجد فيه هذه الآية إن أمي الروح القدس خطفني بشعرة من رأسي وأصعدني جبل ثيور العظيم

وفي تفسيره على انجيل متى يقول أن الشاب الغني بحسب الانجيل العبراني حك رأسه ولم يرض بعرض المسيح له وقال له يسوع كيف تقول أتممت الناموس والأنبياء وأنت ترى اخوتك أبناء ابراهيم يموتون جوعا وتخنقهم المذلة وبيتك مملوء خيرات ؟!

وقرأ أكليمندوس الأسكندري 216 م في هذا الانجيل قولا منسوبا إلى المسيح فقال كما هو مكتوب في الانجيل حسب العبرانيين من يعجب يملك ومن يملك يستريح

أما أبيفان 403 م أسقف قبرص يستفيض في الكلام عن الابيونيين وانجيلهم العبراني أنهم يأخذون انجيل متى ويعتمدون عليه وحده دون سواه ويسمونه الانجيل حسب العبرانيين وانجيل متى هذا الذي بحوزتهم ليس كاملا بل هو محرف وناقص

وكلام أبيفان هذا تردد لكلام القديس إيريناوس أسقف ليون 208 م الذي يقول أن الابيونيين يستخدمون انجيل متى وحده ولكنهم لا يعتقدون الاعتقاد الصحيح في الرب

ةيذكر القديس جيروم 420 م هذا الانجيل ضمن جملة كتب في تفسيره لأشعياء وحزقيال وتفسيره لأفسس ومتى وفي حواره مع البلاجيين ويقول في الانجيل حسب العبرانيين الذي يستخدمه النصارى أيضا والموضوع في الآرامية .. وهو قريب المشابهة بأنجيل متى محفوظ في مكتبة قيصرية

ويقول في كتابه مشاهير الرجال أن الانجيل المسمى حسب العبرانيين الذي نقلته حديثا إلى اليونانية واللاتينية والذي استخدمه أوريجينوس

أن يعقوب حلف بألا يأكل خبزا منذ الساعة التي شرب فيها كأس الرب إلى الوقت الذي رآه يقوم من بين الأموات وقال له الرب خذ المائدة والخبز وأضاف كل خبزك لأن ابن الانسان قام من بين الأموات

وغير هذه الشهادات كثير تجدها في مقالة الآب لاغرانج في المجلة الكتابية وهو يحقق في أصل الانجيل حسب العبرانيين وحول تعاليمه وصحة نسبته إلى الابيونيين والجدير بالذكر أنه لم يبق لنا من نصوص هذا الانجيل إلا الشئ القليل في بعض كتابات الآباء والمؤرخين ولكن في الشئ القليل عبرة كبرى

ويبدو أن هذا الانجيل كان واسع الانتشار وبشهادات الآباء الذين نقلنا عنهم ولقد كان بين يدي أغناطيوس الأنطاكي في أنطاكيا وأوريجين وأكليمنضوس في الأسكندرية وجيروم في حلب وإيريناوس في اسيا الصغرى وربما في مكة أيضا ويبدو أيضا أنه ترجم للغات متعددة وضع في الأصل باللغة الآرامية ثم نقل إلى اليونانية واللاتينية وربما أيضا إلى العربية

وجال في عصور متتالية منذ أوائل القرن الثاني حتى أواخر القرن الخامس وربما إلى يومنا هذا أيضا في ترجمته العربية وكثر الكلام عليه عند معظم آباء الكنيسة و اعتمد عليه الأبيونيين فتارة ما كان يسمى انجيل النصارى وطورا انجيل الأبيونيين وآخرى انجيل الأثني عشر وربما بأنجيل العرب كما مع الحمس من أهل قريش

ومن الجائز القول أن وجود الأبيونيين في مكة والحجاز يفرض حتما وجود الانجيل حسب العبرانيين وبمعنى آخر وجود الانجيل العبراني هذا في مكة والحجاز يفرض وجود الأبيونيين وما يشير إلى ذلك اعتماد القرآن على تعاليم هذا الانجيل في ما يخص المسيح وأمه والروح القدس والحسنات والصدقات وأحوال الميعاد الآخير ... وغيرها وهي هي نفسها في القرآن وهي أيضا نفسها عند الحمس من قريش كما عند الأبيونيين من النصارى

ويوجز جواد علي عقيدة الأبيونيين بقوله عنهم يعتقدون بوجود الله الواحد خالق الكون وينكرون رأى بولس الرسول في المسيح ويحافظون على حرمة السبت ويوم الرب ويعتقد أكثرهم أن المسيح بشر مثلنا امتاز على غيره بالنبوة وبأنه رسول الله وهو نبي كبقية من سبقه من الأنبياء المرسلين ... وبعضهم أنكر الصلب المعروف وذهبوا إلى أن من صلب كان غير المسيح وقد شبه على من صلبه وظن أنه المسيح حقا ورجعوا إلى انجيل متى بالعبرانية ..المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام جزء 6 : 635

أما النقل الذي كان معتمدا في ذلك الحين وكان يقوم به القس ورقة في تعريبه فلا يعني نقلا حرفيا ودقيقا كما هو المتبع في ترجمة اليوم بل كان في الحقيقة كما يقول القرآن تفصيلا وتيسيرا وتذكيرا .. وهذه الطريقة كانت متبعة في القديم وفي الأوساط النصرانية والكتب المقدسة نفسها وللدلالة على ذلك يكفي أن نقابل بين متى 4 : 15 وأشعيا 8 : 23 و 9 : 1 ومتى 12 : 17 وأشعيا 42 : 1

وهذه الطريقة في النقل هي أقرب ما تكون إلى التفسير اللاهوتي والدفاع عن الدين منها إلى النقل بالمعنى الصحيح وبلا ريب أنها طريقة الأقدمين في النقل كما هي طريقة القس ورقة في نقله أيضا للانجيل بحسب العبرانيين إلى الغربية

وقد كان هناك مدرستان للنقل أو نوعان من المدارس التفسيرية مدرسة حرفية midrachim darchani تتبع آيات التوراة آية فآية والمدرسة التفصيلية midrachim parchani تتبع المعنى الموجود في مقاطع الكتاب

بقي لنا أن نعرف شيئا عن الترجمة العربية نفسها وهذا رهن بفرصة يوفرها لنا التاريخ فيتاح للمنقبين في آثار مكة وتحت رمالها اكتشاف تلك الترجمة الثمينة وطالما ظل ذلك مستحيلا يبقى لنا التحسر عليها وعلى صاحبها إلى الأبد

ومع هذا يفيدنا النظر في الأثر الذي خلفه القس في سنبه الآخيرة وقد يكون القرآن العربي هو نفسه هذا الأثر فلننظر فيه جادين واضعين نصب أعيننا ما تبقى من نصوص الانجيل العبراني وما وصل إلينا من عقيدة الأبيونيين

 


القـــــــــــــــرآن العربي

لم يكن محمد يدري ما الكتاب وما الايمان لولا وجود من يهديه إليهما ليضعه على الطريق القويم : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ... وانك تهدي إلى صراط مستقيم القرآن 42 : 52 ولم يكن يعرف ما في الكتاب من علم لولا وجود معلم يعلمه ما لم يكن يعلم : وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم 4 : 113

ويوم يشك محمد بما يعلم عليه أن يسأل من عنده علم الكتاب : فأسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك 10 : 94

وعليه إن حقيقة كتاب محمد تأتي من حقيقة نسبته إلى كتاب سابق وعلم محمد هو علم لكتاب سابق وقد يكون قرآن محمد قراءة لهذا الكتاب السابق ولننظر في القرآن العربي نفسه فنرى شهادته خير شهادة

المقصود في هذا الفصل ليس اظهار التقارب بين الانجيل العبراني والقرآن العربي من حيث التعاليم التي سنراها في الفصل الآخير بل من حيث تعابير بها نستدل على اعتماد القرآن على مصدر أعجمي

القراءة العربية للكتاب العبراني

القرآن لغة يعني قراءة وهو مصدر آرامي للفعل قرو نقري قريونو ويعني قراءة أو تلاوة نص مكتوب وقد ورد معرفا بالألف واللام 58 مرة وفي صيغة النكرة 12 مرة والجدير بالذكر أن صفة عربي تتبع صيغة النكرة وهي ضرورية للدلالة على أن القرآن في ترجمته العربية هو منزل أيضا كما في أصله : أ أعجمي وعربي ! قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء القرآن 41 : 44

ألا أنه وضع بلسان عربي ليعقله العرب : وأنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون 12 : 2 وإنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وأنه في أم الكتاب لدينا 43 : 3 - 4 وليتبينوا تفاصيله : كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون 41 : 3 ويتعرفوا على أخباره وقصصه : نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن 12 : 3 ويهتدوا به من كل عوج وضلال : وقرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون القرآن 79 : 28

أعطي في اللغة العربية ليتمكن محمد من قراءته وحده دون الاتكال على سواه : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا 17 : 14 وليتمكن أيضا من أن يبشر به مكة وسائر القرى وينذرها ويبلغها رسالة ربه :

أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى وما حولها 42 : 7 ولو حصل العرب عليه بلغته الأعجمية لما أدركوا تفاصيله وأخباره ولكانوا قد تمنوا نقله إلى لغتهم : ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته 41 : 44 وبالعكس أيضا : لو حصل عليه العجم بلغة عربية لما آمنوا به : ولو نزلناه على بعض الأعجميين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين 26 : 199

نستنتج : أن القرآن العربي هو قراءة عربية للكتاب الأعجمي نقلت أخباره وفصلت بلسان عربي مبين ليدركها العرب ويؤمنوا بها

القراءة المفصلة للكتاب الأعجمي

التفصيل بحسب مفهوم القرآن يعني أمرين أولهما يعني تعريبا ونقلا من لغة إلى لغة ليدرك السامعون مضمونه ويعملوا بموجبه وقد تمنى المكيون أن يعرب لهم الكتاب فلبى محمد ( ؟ ) أمنيتهم وبقوله القاطع : ولو جعلناه قرآنا أعجميا ( كما هو عليه الكتاب العبراني ) لقالوا لولا فصلت آياته 41 : 44

أى لولا ترجمت آياته إلى لغتهم ! وأكد لهم أن الكتاب الأعجمي نقل إلى العربية بواسطة خبير حكيم نقل آيات الكتاب الأعجمي إلى لغة عربية بينة : كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا 41 : 3 كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير 11 : 1

والأمر الثاني يعني تفريق آيات الكتاب وتبويبها وجعلها فصلا فصلا وسورة سورة وتقديمها للناس بحسب مقتضي الأحداث والمناسبات ولأجل حفظها بسهولة وتذكرها بيسر وسرعة وقد ردد محمد ( ؟ ) قصده هذا مرارا وقال : وكذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون أنظر القرآن 7 : 32 9 : 11 30 : 28 10 : 5 وغيرها

وهو الذي أنزل عليكم الكتاب مفصلا 6 : 114 ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم 7 : 52 وقد فصلنا الآيات لقوم يذكرون 6 : 126 وكل شئ فصلناه تفصيلا 17 : 12

وهذا يعني أن الكتاب العربي تصرف بآيات الكتاب العبراني تيسيرا للذكر : ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا 17 : 41 ولقد صرفناه بينهم ليذكروا 25 : 50 ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل 17 : 89

وأنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه أنظر أيضا 20 : 113 18 : 154 46 : 27 6 : 46 6 : 65 6 : 105

نستنتج أن القرآن العربي هو تفصيل الكتاب ( العبراني ) لا ريب فيه 10 : 37

القراءة المصدقة للكتاب العبراني

لئن تصرف القرآن العربي بتفصيل آيات الكتاب الأعجمي بحسب مقتضى الظروف والأحوال : أنظر كيف نصرف الآيات 6 : 46 فأنه يبقى مصدقا للكتاب الأصل

ولئن غير فيه التفصيل بعض الشئ لكن تعليمه يبقى أيضا مصدقا لتعليم الكتاب الأصل وقد ردد محمد ( ؟ ) هاجسه هذا مرارا ليبرهن للناس صدق ما ينقل إليهم من الكتاب الذي بين يديه وليشهد لهم أن كتابه العربي إنما هو بالفعل تصديق للكتاب العبراني وهو الحق مصدقا لما بين يديه 3 : 3

فلنسمع ولو كان فيما نسمع ترداد وتكرار قال : هذا كتاب مصدق لسانا عربيا 46 : 12 هذا كتاب أنزلناه مبارك ومصدق الذي بين يديه 6 : 92 نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه 3 : 3

أنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه 2 : 97 ومصدقا لما بين يدي من التوراة 3 :50 5 : 46 إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة 61 : 6 والسامعون يعرفون ذلك تمام المعرفة خاصة الكتابيين منهم : لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم .... 2 : 89

يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما أنزلنا مصدقا لما معكم 4 : 47 يكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم 2 : 91

نستنتج أن التوراة والانجيل أو بعضا منها كان بين يدي محمد ( ؟ ) يفصلها بالحق ويتصرف بها لتيسير الذكر وينقلها بالصدق ولم يكن هذا الكتاب العربي لمحمد حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه 12 : 111

القراءة الميسرة للكتاب العبراني

من مميزات القراءة العربية للكتاب العبراني أنها ميسرة أى أنها تدرك بسهولة وتفهم بسهولة وتحفظ بسهولة وهي ميسرة لمحمد ولجماعته معا يسرها الله له ليقوم برسالته على أكمل وجه ويسرها لجماعته بلسان عربي مبين ليفهموا تعاليمه ويتذكروها ويرتلوها وهذا قصد محمد ( ؟ ) وقد أعلنه مرارا فلنسمع ولو في السمع تكرار وسأم

وقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر 54 : 17 ويسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون 44 : 58 ويسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما 19 : 97

وعلى المتقين أن يقرأوا ما تيسر لهم من الآيات فدعاهم بقوله : إقرأوا ما تيسر من القرآن 73 : 20 وقد يساعد الترتيل على تيسر القرآن فيكون أسهل حفظا وأقرب منالا وأيسر تذكرا

فطلب الله ( ؟ ) من نبيه أن يقوم بالترتيل : رتل القرآن ترتيلا 73 : 4 وطلب ( ؟ ) إليه أيضا أن يقوم بتلاوة الآيات ليعرف الذين عندهم الكتاب _ الأصل إذا ما تلي عليهم القرآن أنه من عند الله فيخرون ساجدين : والذين أوتوا العلم من قبله إذ يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا 17 : 107

أن فضل القراءة العربية على الكتاب الأعجمي أنها أصبحت ميسرة بلسان عربي مبين يفهمها العرب ويحفظونها بسهولة ولا غرابة في الأمر فالله لا يرسل رسولا إلا بلسان قومه ليتبين لهم الحق واضحا :

وما أرسلتا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم 14 : 4 ولا مبرر للناس ألا يفهموا إذ لو بقي الكتاب أعجميا لرفعت عنهم وعن صاحبه كل كلفة : لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين 16 : 103

نستنتج أن محمدا ( ؟ ) رغب في أن يكون للعرب كتاب بلسانهم ليتبينوا تعاليمه ويؤمنوا بآياته وبذلك زالت الحجة عنهم عندما تيسر لهم بلغتهم كل شئ

القرآن العربي تذكرة للكتاب العبراني

التذكرة بحسب مفهوم القرآن تعني أمرين : الأول خلاصة أخبار الأنبياء السابقين وقصصهم وتعاليمهم وأمثالهم والثاني يعني تذكيرا لما ورد في التوراة والانجيل

بالنسبة إلى المعنى الأول نقول لم يكن هم محمد ( ؟ ) أن ينقل إلى المتقين من العرب الذين تجاوبوا مع دعوته كل أسفار العهدين القديم والجديد بل بعضا منها ما يناسب حالهم وعقيدتهم ومقدرتهم وأكد ذلك بقوله المتكرر كلا أنه تذكرة 74 : 54 وكلا أنها تذكرة 80 : 11 وأنه تذكرة للمتقين 69 : 48

أما الذين أوتوا العلم والراسخون فيه فليسوا بحاجة إلى تذكرة لأنهم يعرفون كل الكتاب بآياته المحكمات كما بآياته المتشابهات 3 : 7 في حين أنه تذكرة كافية للعرب ليحصلوا على الخلاص : أن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا 73 : 19 لآن العرب لم يؤتوا من العلم إلا قليلا 17 : 85 ولا يؤمنون إلا قليلا 2 : 88 4 : 46

كما لا يذكرون الله إلا قليلا 4 : 142 7 : 3 27 : 62 40 : 58

ولبساطته وسهولة تعاليمه وقصصه حفظه النبي دون تعب ولا عناء : وما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ألا تذكرة لمن يخشى 20 : 2- 3

ينتج عن هذا المعنى أن القرآن العربي هو ملخص سهل أو خلاصة كافية للتذكير بالتوراة والانجيل وقد أعطيت هذه الخلاصة للعرب دون سواهم من أهل العلم قصد التخفيف عليهم : وذلك تخفيف من ربكم ورحمة 2 : 178

والمقصود هو هذا التخفيف : يريد الله أن يخفف عنكم 4 : 28 الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا 8 : 66

لأن العلم الكثير لمن لا يتمكن منه يؤدي إلى القنوط : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا 17 : 85 ومن أعرض عن هذه التذكرة لا يكون بغير لوم : فما لهم عن التذكرة معرضين ؟ 74 : 49

أما بالنسبة للمعنى الثاني فأن دور محمد ( ؟ ) يقوم على أن يذكر الناس بأنبياء الله وتعاليمهم : ذكر إنما أنت مذكر 88 : 21 وراح محمد يذكر : وأذكر في الكتاب ابراهيم 19 : 54 وأذكر في الكتاب موسى 19 : 51 وأذكر في الكتاب إسماعيل 19 : 54 وادريس 19 : 56 وعبدنا ايوب 38 : 41 وأليشع وذا الكفل وكل من الأحبار 38 : 48 وابراهيم واسحاق ويعقوب 38 : 45 وأذكر أخا عاد 46 : 21 وأذكر في الكتاب مريم 19 : 16

أذكر ... لعل الذكرى تنفع : ذكر إن الذكرى تنفع المؤمنين 51 : 55 وغلب على القرآن العربي اسم الذكر الحكيم وردت كلمة ذكر بمعنى القرآن للدلالة عليه أكثر من 60 مرة

وكم كان يوجه محمد ( ؟ ) لومه إلى الذين لا يتذكرون وكان يعاتبهم : أ فلا تتذكرون 6 : 80 32 : 4 وغيرها

الأمران يعنيان أن القرآن العربي هو ذكر لكتاب سابق يعتمد محمد عليه في كل حين وكلاهما يعني أن مضمون الكتاب العربي هو نفسه مضمون الكتاب السابق عليه وقد استوحى منه محمدا كل شئ

والكتاب السابق على ما رأينا في كتب السير وعلى ما سيتضح أمره هو ذاك الكتاب الذي كان بين يدي القس ورقة يعمل على نقله وتفصيله وقد كان محمد يحضر نقله طوال 44 عاما

الحقيقة تقضي أن نقول : أن محمدا لم يكن يعرف أية لغة أجنبية وأظن أن المذهولين يقبلون ذلك دون صعوبة لأنهم يذهبون إلى أبعد من ذلك ويحكمون بجهل محمد القراءة نفسها

هذا يعني إذا صح أن ليس محمد هو الذي فصل الكتاب العبراني وليس هو من بين آياته وليس هو من يسره بلسان عربي مبين جل ما كان لمحمد أن يصنعه هو أن يكون للعرب نذيرا ولجماعته بشيرا وللكتاب مبلغا

جاء في القرآن : وما أرسلناك إلا بشيرا ونذيرا 25 : 56 34 : 28 17 : 105 وتردد هذا القول : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا 2 : 119 33 : 45 35 : 24 48 : 8 يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك 5 : 67

وهل على الرسل إلا البلاغ 16 : 35 5 : 92 13 : 40 24 : 54 29 :18 36 : 17 42 : 48 وغيرها

فما ينسب إلى محمد إذن هو بالحقيقة إلى القس ورقة الذي فصل آيات الكتاب ويسرها بلسان عربي ولخص مضمون الكتاب والحكمة لتستطع جماعة مكة النصرانية العربية أن تكون على مستوى اليهود _ المتنصرين ولقد حقق القس العظيم نجاحا باهرا لما وقع اختياره على محمد التلميذ البالغ الذكاء

ومع هذا ما نزال نسأل : أين هو هذا الكتاب السابق الذي اعتمده القس والنبي ؟ وما هو هذا الكتاب ؟ وما هي تعاليمه ؟ أهو التوراة والانجيل معا ؟ وأى توراة وأى انجيل ؟

ونحن نعلم أن هناك كتبا كثيرة في التوراة وحول التوراة منها ما هو رسمي ومنها ما هو منحول ونعلم أيضا أن نسخا كثيرة من الانجيل وعن الانجيل منها ما هو رسمي ومنها ما هو منحول

إلا أن القرآن العربي يذكر الانجيل كأنه واحد لا غير يذكره معرفا بالألف واللام 12 مرة وأن كتب السيرة تذكره أيضا بيت يدي القس ورقة وتسميه انجيل العبرانيين والقرآن العربي يأخذ مجمل تعاليمه منه

ولكننا نجد في القرآن العربي ما لا نجده في الانجيل العبراني ؟ فما الحجة إذن ؟ الحقيقة أننا نخطأ في الجزم إن قلنا أن قس مكة كان يعتمد الانجيل العبراني وحسب دون التوراة وسائر الاناجيل والتعاليم النصرانية اللاهوتية المقتبسة من التقليد الشفهي والتراث الكنسي العام

الواقع أن القرآن جمع معلومات متعددة ومن مصادر كثيرة ولابد لنا من التريث إلى أن تنجلي الحقيقة كاملة لأن الشيع النصرانية في مكة تتعدى ما في الانجيل إلى التوراة والحكمة والتقليد والتلمود وغير ذلك ...


إستمرارية الوحي والتنزيل

ليس في مسيرة الله عبر التاريخ انقطاع أن الله يستمر في ملاحقة الأحداث المتعاقبة فلا يتخلى عن خلائقه وعن رعايتها لكن الانسان يطمع في المزيد من النعمة ويطلب من الله الخلاص شأن الخلاص كالخلق فعل دائم وكلمة الخلاص مرهونة بالله مباشرة ككلمة كن الخالقة في الخلق لم يكلف الله بديلا له وفي الخلاص أيضا الله هو الذي خلق والله أيضا هو الذي يخلص

والخلق يستمر بموجب نظام بالغ في الدقة هكذا الخلاص يكون بموجب استمرارية في كلمة الله الموحاة إلى جميع الأنبياء فالله هو هو وكلمته هي نفسها ووحيه هو ذاته وخلاصه للعالم كما خلقه إياه

لا تبديل فيه وبالتالي لابد من أن يكون الوحي اللاحق استمرارا للوحي السابق

والأنبياء اللاحقون يكملون رسالة الأنبياء السابقون والكتب في العهد الجديد تعتمد على الكتب في العهد القديم وغير ذلك يحلنا من كل ارتباط بالله

وقد عبر القرآن العربي عن هذا خير تعبير وفي تعابيره هذه مجموعة ثانية من البراهين الدالة على وحدة مصدره وغايته

وحدة الوحي

لقد كان محمد يعي استمرارية الوحي وعيا كاملا وهو لم يأت بوحي جديد من لاشئ لقد نزل الوحي عليه كما نزل على الأنبياء السابقين : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين ....

القرآن 4 : 163

ووحي الله على محمد كوحيه على من سبقه سواء بسواء : كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم 42 : 3

وأيضا لقد أوحي إليك وإلى الين من قبلك 39 : 65

ولكن إذا كان الوحي على محمد كالوحي على الأنبياء السابقين فيكون الوحي المحمدي تابع لا محالة للوحي السابق تماما كما هو كتاب محمد من كتاب سابق كان من قبل من اللوح المحفوظ 85 : 22

والكتاب المكنون 56 : 78 وقد عبر القرآن العربي عن مصدر الوحي

فيه بصراحة ووضوح وردده قائلا

ذلك مما أوحي إليك ربك من الحكمة 17 : 39 أوحينا إليك من الكتاب الذي هو الحق مصدقا لما بين يديه 35 : 31 وأتلي ما أوحي إليك من الكتاب 29 : 45 18 : 27

ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك 11 : 49 وغيرها

ينتج من ذلك أن وحي محمد هو من وحي سابق ومن كتاب كان قبله ومن أنباء سالفة اعتمد عليها محمدا

ومحمد من جهة أنه لا يعلم الغيب : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب 6 : 50 11 : 31

ولا يعلم الغيب إلا الله 27 : 65

ومن جهة ثانية يوحي إليه الله من الغيب وهذا التناقض الظاهر هو دليل على أن الغيب السابق هو المصدر الثابت لغيب محمد

وحدة التنزيل

والتنزيل القرآني هو أيضا عن تنزيل سابق أو هو تبيان لما أنزل من قبل وكان هم محمد أن يظهر للناس كل ما أنزل على الأنبياء الأقدمين وهو يأخذ منهم ويعتمد عليهم وينقل عنهم ويستوحي أخبارهم وقصصهم وأمثالهم وذلك ليبين للعرب كل شئ : نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ 16 :89

أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم 16 :44

يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين قبلكم 4 : 26

وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينه للناس 3 : 187

فالقرآن العربي إذن يبين في صفحاته كل ما في آيات الكتاب السابق وهو تنزيل منه مباشر ويستشهد بأهله ويعتبر النصارى على علم بما فيه : والذين أتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق 6 : 114 ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق 34 : 6

والجميع كتابيين كانوا أو أميين يؤمنون بالكتاب السابق والقرآن العربي معا ومن لا يؤمن بذلك فهو ليس من أتباع النبي

والراسخون في العلم منهم ( النصارى) والمؤمنون ( من العرب ) يؤمنون بما أنزل إليك ( القرآن ) وبما أنزل من قبلك ( التوراة والانجيل ) 4 : 162

والمسلمون حقا هم القائلون أمنا بالله وبما أنزل إلينا وما أنزل من قبل 5 : 59 أنظر أيضا 4 : 162 2 : 4

ينتج من ذلك أن تنزيل القرآن العربي هو من تنزيل سابق والذين يقرأون التنزيل السابق يشهدون على صحة التنزيل العربي : إن كنت في شك مما أنزلنا إليك فأسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك 10 : 94

وحدة الكتاب

وما يؤكد استمرارية الوحي والتنزيل دعوة محمد جماعته للأخذ ب الكتاب كله 3 : 119

أي بحسب تفسير الجلالين ب الكتب كلها وبتفسير القرآن نفسه ب الكتاب الذي نزله على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل 4 : 136 وليس على النصارى الذين من أصل يهودي أن يحزنوا بما أنزل إلى محمد : الذين أتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك 13 : 36 كما ليس على العرب الأميين أن يحتجوا على الرسول بأنه أعطاهم كتابا بغير لغتهم حتى قال لهم محذرا : لا تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين 6 : 156 أى غافلين عن قراءته لعدم معرفتنا لها إذ هي ليست بلغتنا الجلالين

لقد وعى محمد مهمته هذه إذ لم يترك من الكتاب السابق شيئا إلا وأخذ به : ما فرطنا في الكتاب من شئ 6 : 38

وعرف أن الايمان والخلاص منوطان باقامة الانجيل والتوراة والقرآن

لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والانجيل وما أنزل إليكم 5 : 68

ولكن طبعا بحسب مقدور أهل مكة والحجاز الذين لم يؤتوا من العلم إلا قليلا

وحدة الشريعة

وما يدل على استمرارية الوحي والتنزيل استمرار الشريعة ووحدتها من نوح إلى ابراهيم .... إلى عيسى ومحمد

وهذه الشريعة لم تتبدل : لن تجد لسنة الله تبديلا 35 : 43

أنظر أيضا 6 : 34 48 : 23 18 : 27 10 : 64

وهي نفسها التي أتى بها نوح القرآن 42 : 13 وجاء بها الرسل والأنبياء سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا 17 : 77

ولم يكن دور محمد إلا أن يبين لأتباعه سنن الأولين ويهديهم إليها

القرآن 4 : 26

بيد أن فرقا بين سنة محمد وسنة من سبقه يقوم هذا الفرق على خفة الشريعة المحمدية ولقد أرادها الله كذلك لضعف الانسان ووهنه

قال : الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا 8 : 66

ويريد الله بكم اليسر لا العسر 2 : 185

ويريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا 4 : 28

وحجة ذلك أت محمدا هو رسول لأمة معينة لها ظروفها الخاصة لقد بعثنا في كل أمة رسولا 16 : 36 لكل أمة رسول 10 : 47

ورسول العرب يجب ألا يكون كرسول اليهود ولا يسن شريعة كشريعة اليهود لأن الله يجعل لكل أمة رسالة خاصة بها

والله أعلم حيث يجعل رسالته 6 : 124

وحدة المؤمنيين

التنزيل العربي والتنزيل العبراني متلازمان العربي يفسر العبراني ويعتمد عليه والعبراني أصل العربي وشاهد عليه

ومن يؤمن بواحد منهما دون الآخر لا يكون على الصراط المستقيم

على بني إسرائيل أن يؤمنوا بالتنزيل العربي لأنه تذكرة للتنزيل العبراني وعلى المتقين من العرب أن يؤمنوا بالتنزيل العبراني لأنه أصل العربي ومصدق له

يقول للمتقين من العرب قولوا أمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب 2 : 136 3 : 84

ويقول قولوا أمنا بالذي أنزل إلينا والذي أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد 29 : 46

ويقول أيضا عن بني إسرائيل ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق 34 : 6

والذين أتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق 6 : 114

وإذ سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق 5 : 83

ويقول للجميع : يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والانجيل وما أنزل إليكم من ربكم 5 : 68

ويحدد إيمان الجميع في التسليم بالتنزيل كله : 4 : 162 5 : 92

وكل من التنزيل العبراني والعربي هو إذن ضروري فعلى العرب وعلى بني إسرائيل أن يأخذوا بالتوراة والانجيل والقرآن سواء بسواء وبهذا يكون الجميع مسلمين لله ومؤمنيين به حقا

ومن يأخذ بالتوراة وحدها دون سواها فهو من اليهود الظالمين أنظر القرآن في أكثر من 90 مرة ينعت اليهود بالظلم لإنكارهم المسيح

ومن يأخذ بالانجيل وحده دون سواه فهو من المسيحيين المغالين في دينهم 4 : 171 5 : 77

ومن يأخذ بالقرآن العربي وحده دون سواه فهو من مسلمي مصحف عثمان وليس من أتباع محمد

لأن أتباع محمد يخضعون لأمره النافذ : آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل 4 : 136

أما من يأخذ بالكل معا فهو من المسلمين الطيبين الذين يعلنون قائلين أمتا بالله وما انزل إلينا وما انزل من قبل 5 : 59

وهم الذين يعرفون حقا أن لا إله إلا الذي أمنت به بنو إسرائيل

القرآن 10 : 90

ينتج من ذلك كله أن وحي الله على أنبيائه هو هو وأن تنزيل القرآن العربي هو نفسه تنزيل الكتاب العبراني والتنزيل اللاحق هو من تنزيل سابق وأن كل ما له صلة بخلاص الانسان مستمر هو أياه منذ البدء حتى النهاية

أما السؤال فهو : كيف تعرف محمد على التنزيل السابق ؟

إهو الله الذي دخل مباشرة على النبي محمد وعلمه ما لم يكن يعلم ؟

أم هو ملاك من الله وافى محمد ولقنه ما لم يكن بوسعه اكتشافه وحده ؟

أم هو أخيرا أمرا حدث له كما يحدث للملهمين من العالم ؟

واحد من إثنين : إما أن يكون محمد اكتشف التنزيل السابق بذاته وتعلمه بلغته الأصلية وهي العبرانية ونقله أو أخذ منه ما يناسب أحوال مدعويه

أو يكون قد تلقن التنزيل السابق على يد خبير حكيم علمه ما لم يكن يعلم !

ولا يمكننا افتراض شئ آخر فلا الله يتدخل بأمور الناس متخطيا كل معطيات الانسان فيعلمه بعد جهل ويظهر عليه متجليا مرارا ومرارا

ولا الملاك جبريل تتفتح له أبواب السماء ليلازم صديقه على الأرض على مدى 60 ستة ونيف ويظهر له أكثر من 26 ألف مرة السيرة الحلبية 1 : 269

وما أدراك إن شك معظم الناس بوجود جنس ملائكي !

فالأمر الأول لا يمكننا إفتراضه حيث لم يعرف عن محمد أنه كان يعرف العبرانية أو الآرامية لينقل عنها قصص الأنبياء وأمثال الانجيل أو ليس بمقدوره أن يتلقن التنزيل السابق بدون الحاجة إلى معلم أو كتاب أو هداية .....

أما ما يؤكد لنا الأمر الثاني اعتماد محمد المستمر على من عنده علم الكتاب يسألهم ويستشهد بهم وتكفيه شهادتهم : قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب 13 : 43

بقي إذن أن يكون محمد تعلم ما لم يكن يعلم من خبير حكيم ولسنا نجد في كتب السيرة والأخبار غير القس ورقة بن نوفل

وقد يكون غيره ولكن عوامل كثيرة توجهنا إلى القس ورقة : صلة القربى بينهما وبين القس وخديجة ودور القس في زواج النبي وتدريبه على العبادة والتحنث في غار حراء وملازمته إياه أكثر من 44 سنة واعلانات القس المتوالية فيما سيكون عليه محمدا وعلم القس الواسع بالكتاب ومقامه في مكة وبين العرب

كلها عوامل توجهنا إلى القس ورقة وهو الشخصية النصرانية البارزة في حياة محمد وكان القرآن العربي انجيل القس بالعربية وبقي على محمد أن يعلم بدوره ما تعلم ويبلغ ما تبلغ بعدما استوعب محمد ما في الكتاب من تعاليم وعقائد وتشريعات ...


محمد يعلم ما تعلم

بعدما تعلم محمد ما لم يكن يعلم راح يعلم بدوره ما قد تعلمه

وتعليم المتقين من العرب كان من مهامه الرئيسية

في حياته الرسولية شأنه شأن النبيين السابقين

والتلاميذ اللاحقين الذين أرسلهم عيسى ليكونوا معلمي الأمم متى 28 : 19

وكما ناشد بولس الرسول تلميذه تيموثاوس : أناشدك أن أعلن كلام الله وألح فيه بوقته وبغير وقته وبخ وأنذر وأعظ بصبر جميل ورغبة في التعليم

تيموثاوس الثانية 4 : 2

وكما قام القس ورقة بمهمته التعليمية هذه خير قيام

والتعليم في نظر رسل المسيح وصية منه أعلنها بطرس في عظنه في بيت كرينليوس : قد أوصانا الرب أن نعلم الشعب أعمال الرسل 10 : 42

هكذا راح محمد يعظ ويبشر ويعلم وينذر ويبلغ وقد عبر الرسول بولس عن مهمة المبشرين بقوله :

كيف يدعونه ( الله ) ولم يؤمنوا به ؟ وكيف يؤمنون به ولم يسمعوا به ؟ وكيف يسمعون به بلا مبشر ؟

وكيف يبشرون إن لم يرسلوا ؟ وخلص إلى القول : أن الايمان من البشارة روميه 10 : 12 - 15

فلا بد إذن من أن يكون الرسول بشيرا ونذيرا يفقه الناس ويردهم إلى الصراط المستقيم

ومحمد خليفة القس ورقة على كنيسة مكة أرسل لدعوة الناس إلى الايمان واندفع محمد يعلمهم كلام الله ويبين لهم الآيات ويزكيهم من خطاياهم ويهديهم إلى الصراط المستقيم وينشلهم من ضلال أمعنوا فيه

لقد علمهم ما لا يعلمون علمهم الكتاب والحكمة وتلا عليهم الآيات ليكونوا مؤمنين لأن الايمان إنما يكون بالسماع قال :

لقد من الله على المؤمنين ( من العرب ) إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين 3 : 164 وردد هذا القول مرارا 63 : 139

وقال أيضا أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ... 2 : 151 وردد القول 2 : 239

لقد وعي محمد دوره التعليمي هذا وعرف أنه أرسل للعرب رسولا وبشيرا ونذيرا ومبلغا رسالات ربه قال : إن أنا إلا بشير ونذير 11 : 2

ويعلم محمد حق العلم أن الله أرسله لأجل هذه المهمة أنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا 2 : 119

يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا 23 : 45

وليس على الناس أن يعجبوا ويتسائلوا عن مهمة صاحبهم أو عجبتم إن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم 7 : 63

عجبوا إن جاءهم منذر منهم 38 : 4

ووعي محمد أن كتابه هو الآخر كان بلاغا من الله لينذر به الناس ويبشرهم ويهديهم إلى الحق : أوحي لي هذا القرآن لأنذركم به 6 : 19

هذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذ أم القرى ومن حولها 6 : 92

وهو كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به 7 : 2 هذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا 46 : 12

وهذا بلاغ للناس ولينذروا به 14 : 52

لقد أصبح القرآن تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين 16 : 89

وإن لم يصدق المتقون والمؤمنون ما جاء به محمد فما عليهم إلا أن يطلبوا شهادة من عنده علم الكتاب ويسألوهم عن العلم الذي أتاهم به صاحبهم ليكونوا على بينة من الأمر وقال لهم مرارا : إسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون 16 : 43 21 : 7

وبهذه الوسيلة يتأكدون مما جاءهم به ستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن أهتدى 20 : 135

فالقرآن هو من عند الله بل كل من عند ربنا 3 : 7

وشهد محمد على صدق ما جاء به وما علم جاء بالصدق 39 : 33 أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين 7 : 68

وكم صلى محمد إلى الله ليكون صادقا أمينا : ربي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق 17 : 80

وأجعل لي لسان صدق في الآخرين26 : 84

واشتهر محمد بأمانته في مكة حتى صار يعرف بالأمين

أما التعاليم التي بشر بها محمد فنجدها في الفصل الآخير نجاح وفشل


خاتمـــــة

كما كان من الصعب علينا ألا نجد وراء النبي من كان يعلمه فمن الصعب أيضا ألا نجد وراء القرآن العربي كتابا آخر يعتمد عليه فكما كان قس مكة وراء النبي يهمس في أذته وحي الله من وراء الستار هكذا كان وراء قرآن محمد كتاب سابق يجود عليه بآياته وتعاليمه وأمثاله وقصصه

ولكن إذا كانت الهداية إلى القس ورقة سهلة المنال ولا تثير مشاكل نرى أن الخاود إلى انجيل العبرانيين وحده كمصدر وحيد لعلوم القرآن لن يمر بدون مشاكل

لأن القرآن نفسه كما وصل إلينا يثير عندنا المشاكل .. ولا أحد يستطيع التقدم خطوة إن لم ينكشف له القرآن الأصل كما تلقنه محمد

غير أننا إذا اعتمدنا على أبحاث المستشرقين هلى الاستاذ نولدكه مثلا في ترتيبه للسور القرآنية بحسب تاريخها في النزول ينكشف لدينا شئ هام جدا وهو أن تعاليم القرآن المكي هي نفسها تعاليم انجيل قس مكة العبراني هي تفصيل لها وتعريب وسنتأكد من ذلك

والحقيقة تقال أننا بعد اهتدائنا لهذا نستطيع أن نعتبر القرآن العربي كما في أصله المكي انجل العرب كما هو انجيل العبرانيين الذي بحوزة ورقة

انجيل النصارى الأبيونيين فكما كانت كل أمة تدعى إلى كتابها 45 : 28 وكل قرية لها كتاب 15 : 4 أصبح للعرب في مكة أيضا كتاب

وكما كان انجيل متى الأرامي والتقليد الرسولي أصلا لكل الاناجيل فيما بعد وعنهما أخذت الاناجيل الرسمية الأربعة والاناجيل المنحولة العديدة ... هكذا يكون انجيل العرب واحدا منها أو تابعا لهـــــا

التعليقات   
-2 #1 تولاي 2011-07-31 21:11
ما هذا يا أخ ومن تريد أن تقنع بهذا التخبيص ؟؟لو كان ورقة بن نوفل استطاع أن يأتي بإنجيل جديد كما تقول وبكلام فيه من العبر والأحكام والقصص والتنبؤات التي يحويها القرآن الكريم لاستأثر بها لنفسه ..ثم لما انتظر الرسول عليه الصلاة والسلام كل هذا الوقت ليظهر القرآن بعد وفاة ورقة ..ثم لكان القرآن تشابه باللغة والأسلوب مع التوراة والانجيل وهذا غير صحيح فالقرآن المحكم آياته لا يشبه أي كتاب من كتبكم لا بشكله ولا مادته ولا أسلوبه أنت تكذب على السذج من أهل ديانتك ..والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام لم يكذب يوما حتى بشهادة الكفار وغير المسلمين وأخلاقه كانت منارة يهتدي بها العالم فاستح ويكفي كذبا
-5 #2 فادي 2011-08-02 15:33
حضرة الزائر العزيز : لقد كان ورقة بن نوفل من أركان كتاّب القرأن وهذا الأمر مؤرخ تارخيا وكل المصادر التي استعملها كانت معروفة جيدا وكان للكتاب المقدس الحصّة الأكبر لهذا العمل ولو كان بطريقة مشوشة بعد الشي, وعن سؤالك لماذا لم ينسب ورقة هذا العمل اليه , اقول لك هناك الكثير من الأمثال عبر التاريخ عن قيادين كانوا يأخذون المعلومات ليلقوها على المنبر او على شعبهم من مساعيدهم دون ان يظهر احد من هؤلاء الذين كتبوا هذا الأمر , فهذا يعود لشخصية الإنسان , فمحمد كان عنده الشخصية القيادية ولكن ضعيف في المعلومات فقام ورقة بتجهيز هذه المعلومات أمام محمد ومن ثم طرحها ككتاب جديد من لدن الله .
وأما عن مسألة التشابه فهناك الكثير من الحوادث التي ذكرت بالقرأن تشبه تماما ما ذكر في العهد القديم ولكن تم تغيّر الأسماء وقلب بعض الأحداث وهذا يعود ليظهر محمد انه يقدّم شيئا جديدا وليس منسوخا كما يفعل كل من يستعين بمراجع دون ان يذكرها فيقوم بشيء اسمه بتصرّف اي بتعديل لما يتوافق مع الفكر والطرح الجديد وهذا ما حصل عند كتابة القرأن ,
لهذا يا صديقي العزيز ادعوك للرجوع الى الجذور الحقيقية حيث الله تنفس بكلام عبر رجالاته وبقوّة الروح القدس فكان الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد الذي من خلاله ستتعرف على كل الحقائق الروحية واهمها خلاص النفس البشرية عبر يسوع المسيح الذي قال " أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي الى الأب الا بي " فتعال اليه واعترف بأنك إنسان خاطيء وبأنك لا تستطيع ان تمحي خطاياك أمام دينونة الأب العادلة و الحتمية " وكما وضع للناس أن يموتوا مرّة ثم بعد ذلك الدينونة " (عبرانيين 27:9 ) , فالمسيح يهتم بك ويريد أن يعطيك غفران لخطاياك , ولكن انت عليك ان تؤمن به كمخلص وغافر لكل خطاياك .
سنظل بمعونة الرب على تواصل , واذا كان لديك أي استفسار أو ايضاح حول المواضيع التي تناقشنا فيها فأنت مرحب بك في أي وقت , فنحن ليست غايتنا التحقير بالديانات بل بتوضيح الأمور الروحية حول الغفران وخلاص الإنسان من الخطايا عبر يسوع المسيح .
0 #3 ahmed naciri 2019-08-26 05:08
شكرا على ما تقومون من ارشاد وتفقهيهم للخروج من الظلمة الى نور الرب يسوع المسيحي، الإنجيلي احمد الناصري
أضف تعليق


إستمع واقرأ الإنجيل