القرآن والشريعة

الناسخ والمنسوخ

القسم: تعليقات على القرآن

فهرس المقال

الناسخ والمنسوخ

ينفرد الإسلام بمسألة الناسخ والمنسوخ، فلا تكاد تخلو سورة في القرآن منه، فكان ذلك موجباً لتشويش الفكر. فإذا طالع الإنسان بقصد الفائدة تاه في الالتباسات، وصعُب عليه التمييز بين الأحكام واجبة التنفيذ والأحكام التي لا يجوز الاعتماد عليها. وقد رُوي عن عليّ بن أبي طالب أنه دخل يوماً مسجد الجامع بالكوفة فرأى فيه رجلاً يُعرف بعبد الرحمن، وقد اجتمع عليه الناس يسألونه وهو يخلط الأمر بالنهي والإباحة بالحظر، فسأله عليّ: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا . قال: هلكت وأهلكت . أخذ أذنه ففتلها، وقال: لا تقضِ في مسجدنا بعد . وعبد الرحمن هذا كان صاحباً لأبي موسى الأشعري. فإذا كان هذا الرجل مع تقدمه في العلم وقربه من الصحابة جهل الناسخ والمنسوخ، حتى كاد أن يقع في الضلالة ويُضل غيره، أو كما قال عليّ: يَهلك ويُهلك غيره فما بالك بمن لم يكن عالماً أو لم يكن قريب عهد بالصحابة؟ (كتاب الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس باب الترغيب في تعلم الناسخ والمنسوخ).

أنّ الناسخ والمنسوخ إذا وُجدا في قانون أو دستور كانا أعظم وصمة عار له، ولذا كانت الديانة الصحيحة الحقيقية وكُتبها المُنزَّلة مُنزّهة عن هذه الوصمة، لأنه لما كان الله سبحانه عالماً بالماضي والحاضر والمستقبل، ويعلم السر والجهر، وما استتر وظهر من عواطف الناس وأميالهم وأقوالهم وأفعالهم، أنزل كتابه المقدس منزَّهاً عن الناسخ والمنسوخ. ومن أتى في قوله وفعله بالناسخ والمنسوخ كان من أقوى الأدلة على جهله وعدم اختباره وعدم معرفته بالضار من النافع. فماذا نقول في ملك أرضي سنّ قانوناً وأمر رعاياه أن يطيعوا أوامره، وبعد أشهر سنّ قانوناً آخر ينسخ أحكام القانون الأول، وأمرهم أيضاً بطاعته، وهكذا كانت أعماله دائرة بين ناسخ ومنسوخ ونقض وإبرام. ولما اعترض الناس عليه قال لهم: ما ننسخ من قانون أو ننساه نأت بخير منه أو مثله .

أما كان يجب عليه قبل أن يُقدِم على سنّ قانون أن يتروّى ويتحرّى حتى يكون قانونه محبوك الطرفين. فماذا نقول في ملك الملوك ورب الأرباب العليم الحكيم؟ هل يُعقل أن يأتي بقانون قابل للنسخ والنقض والتغيير والتبديل؟ لئن جاز هذا من ملك فهو معذور، لأنه إنسان قاصر، ولكن لا يجوز أن نقول ذلك عن العليم الحكيم، لأنه هو العارف بالكليات والجزئيات، وهو الذي خلق الإنسان وكل شيء، ويعرف المناسب وغير المناسب له.

فيتضح من هذا الاعتقاد بأن الناسخ والمنسوخ منافٍ لحكمة الله وعلمه وكمالاته، بل نقول إنه أقوى مساعد لكل من ادّعى النبوة، فساعد الجاهل والكذاب والمحتال. ونعذر المختار بن عبيد على دعواه النبوة لأنه كان من مذهبه أنه يجوز البدء على الله تعالى. والبدء له معانٍ، منها البدء في العلم وهو أن يَظهر له خلاف ما علم، ومنها البدء في الإرادة وهو أن يَظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم. ومنها البدء في الأمر، وهو أن يأمر بشيء ثم يأمر بعده بخلاف ذلك. وإنما صار المختار إلى اختيار القول بالبدء لأنه كان يدَّعي علم ما يحدث من الأحوال، إما بوحي إليه يوحَى إليه، وإما برسالة من قِبَل الإمام محمد بن الحنفية. فكان إذا وعد أصحابه بحدوث شيء، وحدث، جعله دليلاً على صدق دعواه، وإن لم يحدث قال: قد بدا لربكم . وكان لا يفرّق بين النسخ والبدء. قال: إذا جاز النسخ في الأحكام جاز البدء في الأخبار.

وكان للمختار كرسي قديم غشاه بالديباج وزيَّنه بأنواع الزينة، وقال: هذا من ذخائر عليّ، وهو عندنا بمنزلة التابوت لبني إسرائيل . فكان إذا حارب خصومه يضعه في براح الصف ويقول: قاتلوا ولكم الظفر والنصرة، وهذا الكرسي محله فيكم محل التابوت في بني إسرائيل، وفيه السكينة والبقية، والملائكة من فوقكم ينزلون مدداً لكم . وحديث الحمامات البيض التي ظهرت في الهواء وقد أخبرهم قبل ذلك بأن الملائكة تنزل على صورة الحمامات البيض معروف. والأسجاع التي ألّفها مشهور أمرها. وسبب ادّعاء الكذبة بالنبوة هو الناسخ والمنسوخ، فإن الكاذب إذا تنبأ عن حادثة ولم تحصل اعتذر بالنسخ، كما فعل المختار ولذا أنكر اليهود في عصر محمد الناسخ والمنسوخ وقالوا: إنه بدا كالذي يرى الرأي، ثم يبدو له . وهم مصيبون أيضاً (الملل والنحل للشهرستاني فصل المختاريه).

إستمع واقرأ الإنجيل