اكتشفت الخبر السار

يا له من أمر مدهش، بالكاد استطعت أن أصدّق أني كنت وحيداً في المقبرة عند منتصف الليل.

نعم! كنت هناك في ليلة لن أنساها ما حييت.. لقد قصدت ذلك المكان الذي بدا لي أنه آمن ملجأ وسعني الاهتداء إليه، لأن معظم الناس يخافون الاقتراب من المقابر في الليل، ولم يكن عندي أدنى احتمال في أن يبحث أحد عني هناك. والأسوأ من لجوئي إلى المقبرة في ذلك الوقت من الليل، هو إدراكي الرهيب بأني قد غادرت بيتنا العائلي إلى غير رجعة. أو بالأحرى، قد أُرغمت على ذلك.

لم أتوقّع قط هذا الانقلاب الفجائي للأوضاع الذي بدّل حياتي تبديلاً جذرياً. إني ابن بيت نبيل.. ولم يقصر عليّ والدي بشيء، فقد كان معروفاً كرجل علم وصاحب ثروة مالية، لذلك كان له نفوذ مرموق في مجتمعنا. مع كل هذا، وبالرغم من الروابط الحميمة التي تشدني إلى عائلتي وجماعتي فقد أصبحت الآن منفصلاً، وبكيفية مؤلمة، عن كل من كنت أعزّ وأقدّر.

ومع أنه لا تفصلني اليوم أميال كثيرة عن مسقط رأسي، وهو قرية تبعد ثلاثة أميال عن 'كوجرات'، غير أن المسافة الاختبارية التي اجتزتها تشكّل بُعداً لا يمكن تقديره يفصل بيني وبين أهلي.

عندما كنت في السابعة عشرة من عمري، راحت جدتي تضغط على والدي ليزوّجني. والشرق ما يزال، بعكس الغرب، يتميّز بالسيطرة العائلية على قرارات الشباب، ولا سيما في أيامي آنذاك. لم يكن لي اختيار مستقلّ في هذه القضية، فقبلت بإذعان مشيئة جدتي. كان من الممكن لهذه الخطوة أن تثير مشكلة خطيرة في المستقبل، إلا أنها فتحت أمامي مجالاً للكشف عن قوة الله المدهشة لحياتي.

إن أهمّ اختبار حدث في أيام شبابي، هو عندما وقع الكتاب المقدس في يدي. فطفقت أدرسه بحرص لأسابيع. ولكن، في أحد الأيام، بينما كنت خارج المنزل، لاحظه والدي فوق مكتبي.. ولما عدت سألني عما إذا كنت أقرأ فيه. وإذ أخبرته أنني أفعل ذلك من مدة، استشاط غضباً، وسألني لماذا أقدم على أمر كهذا؛ ثم ألحّ عليّ أن أقلع عن قراءته. وقد فوجئت بالحقيقة عندما أخبرني أني، إذا ما داومت على قراءته، فسأصبح مسيحياً. وتصريحه هذا، ما زادني إلا إثارة لقراءته بأكثر اجتهاد.

لقد اندهشت لتحذير والدي الذي كان عالماً وحسن الاطلاع في الديانة الإسلامية.. اندهشت لتحذيره لي من قراءة الكتاب المقدس بحجة أنه يصيّرني مسيحياً في النهاية.

وهكذا رحت أفكر أنه لا بد من وجود أساس حقيقي للدين المسيحي، وإنه صحيح ولا يقبل الشك. وأدركت أن والدي كان متخوّفاً من قوة الكتاب المقدس المقنعة، الأمر الذي دفعه أن يطلب مني ألاّ أقرأه. في البداية، عندما كنت أتصفّحه، كنت أفعل ذلك بدافع من حب الإطلاع على المسيحية. غير أنه بعد المواجهة مع والدي طفقت أقرأه برغبة شديدة وعميقة لأقف على صحة الأمر.

إن رسالة الكتاب المقدس، عن محبة الله المعلنة في المسيح، قد لمستني ونفذت إلى صميم كياني. لم يكن الكتاب المقدس كتاباً من النوع الذي توقّعته سابقاً. لقد وجدت فيه الخبر السار، بل أروع خبر يمكن لإنسان أن يسمعه في حياته. فبقوة يسوع المسيح الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي على الصليب تغيّرت حياتي تغييراً جذرياً. كان هذا بفضل حقيقة قيامته من الأموات التي ظهرت بوضوح في قدرته الحية التي بها جعلني إنساناً جديداً.


لقد وضعت ثقتي وإيماني بالمسيح بدون تأثير مباشر من أي إنسان، وذلك بفضل قراءتي للكتاب المقدس التي قادتني لتسليم نفسي له بدون قيد أو شرط. وقد عرفت أنّ تصميمي هذا، يعني الانفصال عن عائلتي وأصدقائي الذين أحبهم. وعرفت أيضاً ما قاله المسيح أنه إذا أحب أحد عائلته أو أصدقاءه أكثر من المسيح فلا يستحقه. فقد ذرفت دموعاً سخية في ذلك اليوم، ولكن كان يغمرني أيضاً فرح عميق، وأدركت أنه نابع من الله.

وحلّ اليوم الذي علمت فيه أنه يجب عليّ أن أعلن جهراً حقيقة إيماني بالمسيح رباً ومخلصاً لحياتي.. وكانت خطوة صعبة للغاية. كنت قد سمعت عن رجل مسيحي مؤمن يقطن في بلدة تبعد عنا أربعين ميلاً، فانطلقت إليه طالباً منه المعمودية. وعندما وجدته رحّب بي بحرارة، فأخبرته أني نشأت مسلماً ولكني اقتنعت بأن المسيح هو الطريق الوحيد، وبناء على ذلك أرغب في المعمودية. وأوقفته أيضاً على رغبتي في الانضمام إلى عضوية الكنيسة بحيث أستطيع أن اعمل بحرية للرب.

أجاب بحذر مفهوم:

وكيف يمكنني أن أعمّدك وأنا لا أعرفك؟ ما الذي جاء بك إلى هنا؟

ذكّرته - بوصفه مسيحياً مؤمناً - بأنه معنيٌّ في إيصال الخبر السار عن المسيح إلى الآخرين. وأخبرته أيضاً أنني آمنت بالمسيح من غير أن يتصل بي أي مسيحي. وقلت:

لقد جئت؛ فينبغي أن تفرح إذا أرسلني الله إليك.

ومع ذلك فقد أصرّ عليّ أنه لا يقدر أن يعمّد أحداً لم يعرفه من قبل. قلت له إنني لم آتِ لأستقرض مالاً، ولكن لأعتمد فقط. وبعد حديث ثلاث ساعات، وافق أخيراً على إجراء المعمودية.

وعندما امتحنني بعض المؤمنين المسيحيين الشيوخ، سألوني أية أخطاء وجدت في الإسلام.

فقلت: 'ما دفعني إلى تسليم نفسي للمسيح لم يكن الخطأ الذي وجدته في الإسلام بقدر الحق الذي وجدته في المسيحية'. وبعد تصريحي بالأساس الذي عليه بنيت إيماني ورجائي في المسيح، اعتمدت علناً باسمه وبسرور.

ولما عدت إلى البيت اكتشفت أن والدي علم باعترافي العلني بإيماني بالمسيح في المعمودية.

إن الانحرافات عن المبادئ الدينية والثقافية في مجتمعنا، هي أمور يمكن احتمالها، أما اعتناق علنيّ للدين المسيحي، كما في المعمودية، فإنه يشكّل انسلاخاً فعلياً عن الإسلام، وهذا أمر لا يُغتفر.

لقد علم والدي بخطوتي الجريئة، إلا أنه لزم الصمت لثلاثة أيام بسبب الألم العميق والاستياء الشديد اللذين عقدا لسانه.

وفي أحد الأيام خرج عن صمته، لا في ثورة غضب، ولكن في تعبير مهيب: 'يا بنيّ سمعت أنك أصبحت مسيحياً'.

كنت أعلم أن والدي يكره أن ينطق بتلك الكلمات، ويكره التفوّه بكلمة 'مسيحي' دون احتقار وازدراء.

اعتصمت بالصمت. ولم يكن صمتي إنكاراً لصيرورتي مسيحياً، بل كان رد فعلي الوحيد الذي قدرت أن أظهره، إذ أنّ احترامي العميق لوالدي كان يقيّدني، ولم أشأ أن أؤلمه.

ثم قال بتعمّد بالغ: 'أنا أعلم أنك شاب وما زالت درايتك قليلة، وإني لمتأكد أن ثمّة تأثير خارجي جعلك تُقدم على هذه الخطوة؛ لكني متيقن من عودتك إلى الإسلام'.


كنت واثقاً أني لن أعود إلى الإسلام أبداً، لأن يسوع هو الذي قيّدني بمحبة فاقت أي شيء اختبرته أو سمعت به في العالم قاطبة. والتأكيد هذا، لم يعتمد على تصميمي، إنما هو مجرّد إدراك نابع بأنّ الرب لن يتركني أبداً. عرفت أنني ضعيف ولا يمكنني الاعتماد على أي من وسائلي الخاصة لتبقيني أمينا للحق، ولكن عرفت أيضاً أن يسوع قويّ ولن يتخلّى عني. ولم يخامرني شك أنه يستطيع أن ينصرني على كل تجربة تعترضني. فقد تغلّب على كل شيء وعنده النصرة على كل شيء. ولي كل اليقين أني إذا وثقت به فسينصرني ويثبتني بنعمته.ً

حالما أطلعت والدي على اتخاذي موقفاً علنياً من أجل المسيح، وإيماني به وبمحبته من كل قلبي، استشاط غضباً؛ فقبض على عصا كبيرة وبدأ ينهال عليّ ضرباً. كانت الضربات تقع على جسمي الواحدة تلو الأخرى بتعاقب سريع. راح يضربني بقسوة بحيث انكسرت العصا إلى نصفين، فأسرع إلى غرفة أخرى في المنزل، ربما ليبحث عن عصا أخرى يضربني بها. دخل أقربائي الغرفة والتمسوا مني أن أفرّ قبل أن يعود بشيء أسوأ من العصا. لقد تولاّهم الخوف على حياتي.

وقفت ورحت أفكر: كم أحببت والدي.. وكيف أمَّن لي كلّ ما هو أفضل في الحياة.. أما الآن فقد أسخط، ويبدو أن لا شيء يلطّف من ضراوة غضبه الذي صبه عليّ. ولم يبدُ لي في الأفق أي خيار، بل كنت مرغماً على ترك المنزل.

وقبل عودة والدي من القسم الآخر من البيت، كنت قد اندفعت خارج الباب.

ليس في وسعي أن أصوّر الألم الذي حزّ في نفسي آنئذ. لقد علمت أنني أترك البيت لغير رجعة وبصورة نهائية. في هذه المرة، لم يكن تركي المنزل كالمرات السابقة التي تركته فيها لرحلات قمت بها. هذه المرة، كانت انسلاخاً تاماً فُرض عليّ ضد أعمق رغباتي. وسألت نفسي: إلى أين أذهب؟ لم يكن في حوزتي مال، ولا متسع من الوقت لحمل أي شيء من أمتعتي. وشعرت أنني لا أستطيع اللجوء إلى أي من أصدقائي القدامى، لأنهم بلا شك، سيتخذون تجاهي موقفاً عدائياً حين يعرفون أنني علانية سلمت نفسي للمسيح. فعقدت النية على الخروج من المدينة كلياً، وذلك لأجل سلامتي.


وقتئذ، قررت أن أقصد المكان الوحيد الذي لا يمكن لأحد أن يجدني فيه، وهو المدفن، لأن معظم الناس يتحاشون ذلك المكان باحتراس حتى في رابعة النهار. مكثت هناك حتى منتصف الليل، إلا أن الجو صار بارداً للغاية بحيث بدأ جسمي يرتعش ولم أعد أتمالك نفسي. كان عليّ أن أجد ملجأ آخر من هواء الليل البارد.. وهكذا لم يعد أمامي من خيار إلا أن أعود إلى المدينة.

لم تكن المدينة مسوّرة بجدار بشكل كامل وحسب، بل إنّ أبوابها أيضاً كانت مقفلة في تلك الساعة من الليل، وكل باب تقوم على حراسته فرقة من الخفراء؛ وهكذا قصدت الباب الرئيسي وطفقت أقرع عليه.

عندما سمع الخفراء صوت الضربات القوية على الباب صرخوا 'ألا تعلم أنه لا يمكننا فتحه في هذه الساعة؟ لكنه سيُفتح في الخامسة صباحاً'.

وبالرغم من ذلك رحت ألحّ، وأطلب بعزم لا يلين. وفي النهاية وافق أحدهم على إدخالي، لكنه حذرني مسبقاً بأنني سأُحجز في قسم الشرطة طوال الليل. عندما فتح الباب وسار بي إلى الضوء عرفني للحال. كان صديقاً لوالدي، فقدّم لي اعتذاره الشديد وطلب مني ألاّ أخبر عنه أحد. أكدّت له وعدي وشكرته على صنيعه معي.

قصدت مباشرة إلى صديق من أصدقائي، لأرى إن كان في وسعي قضاء الليل عنده. لم يكن موجوداً في المنزل، فتوجهت إلى بيت آخر حيث تيقنت أنه سيكون هناك من يرحب بي. عندما عرفوني قالوا: 'سمعنا من خادمك كم كان والدك قاسياً، لهذا فإننا نتعاطف معك. تفضّل وادخل'.

وقبل كل شيء، تحققت منهم أنهم لن يرسلوا ويخبروا والدي عن نزولي عندهم. ثم قررت المكوث في بيتهم ثلاثة أيام وأنا متسلح بوعدهم لي.. أدركت أثناءها أنه ينبغي عليّ أن أجد عملاً أؤمِّن به عيشي. انطلقت إلى بلدة قريبة، وحيثما حللت كنت أبحث عن عمل ولكن دون جدوى. حينئذ صليت بجدية: 'أيها الرب، ليس في قدرتي أن أجد عملاً، ولم يسبق لي أن مددت يدي مستعطياً. إني الآن على استعداد للعمل. أرجوك افتح لي المجال.'

وبينما كنت أنتظر في تلك البلدة، جاءني ضابط في الجيش البريطاني وطلب مني ن أكون خادماً له. كان عملاً حقيراً ولا يتوقّع أن يقوم به إلا أفراد طبقات الأشد فقراً. لقد تحدّرت من عائلة بارزة وكنت أتمتع بجميع امتيازات الأسرة الثرية. في الواقع، كان لي خادمي الخاص، وعندما كنت تلميذاً في المدرسة كان يهتم بجميع أموري. وقد بدا من دوافع السخرية حقاً، أن يُطلب مني الآن أن أصبح خادماً خاصاً لإنسان آخر، فاشمأززت من الفكرة. كنت جائعاً، ولكن ظهر لي أن الجوع خير من الانحطاط بنفسي إلى ذلك الدرك.

الفكرة الوحيدة التي كانت تتملكني آنذاك هي أنه لن يكون أمامي مجال للفرار من نتائج تعهدي المسيحي. بدا لي أن النتيجة الحتمية للإيمان بالمسيح، هي أنّ الإنسان لا بدّ أن يمارس عملاً وضيعاً ويُصبح مجرد خادم. ولم يكن من السهل التخلص من الشعور بالحيرة والحزن اللذين انتاباني بهذا الخصوص. ولكن، وسط الصراع الداخلي الذي اجتزته، علمت أن الله كان يلقنني درساً هو في غاية الأهمية. فقد قال الرب يسوع أنه لم يأت ليُخدم بل ليَخْدِم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين. وأنا أيضاً، كان عليّ أن اختبر معنى الخدمة بتواضع ووداعة.

واستجابة للصلاة، منحني الله الإرادة والشجاعة للقبول بالعمل. إلاّ أنّ أفكاري تحوّلت آنذاك إلى والدي، الذي كان يشغل منصباً عالياً في الدولة. وعلمت أنه متى انكشف أمري وعرف أني أعمل كخادم.. فإن خبراً كهذا سيؤلمه ويأتي بالعار على اسم العائلة.

وفكرت.. إنه ليس جديراً بالابن المسيحي أن يسبب الألم لوالده. وهكذا أطلعت الضابط البريطاني على رفضي، وسألته إن كان ثمة عمل آخر يمكن توفره، فقال إنه لا يقدر أن يمدّ لي يد العون لأنه قد نقل من ذلك الموقع إلى مكان بعيد في باكستان. سرني الخبر وقلت إن ذلك ممتاز، لأن الجميع يعرفون والدي في هذه المنطقة المحلية.

وقبلت بالعمل كخادم للضابط، وعلى الفور غادرنا في رحلة طويلة إلى موقع تعيينه الجديد. فقد ساعدني الله أن أكون خادماً مخلصاً وكفؤاً، حتى طُلب إليّ أن أجلس إلى المائدة مع الضابط. وهذا شرف لم يُسمح به لخادم، لكنني علمت أن الله يعتني بي.

ثم قال الضابط: 'إن العلاقة بيننا لم تعد علاقة خادم ومخدوم بعد الآن، بل صرنا صديقين'. وأسرّ إليّ موضّحاً: 'أنا أعلم أنك لست مُعدّاً لتكون خادماً، إنما تقوم بهذا العمل من أجل يسوع. إني ابن لعائلة مسيحية، بيد أني لم ألج باب الكنيسة قط. هل تتفضل وتصلي لأجلي؟ أرجوك صلّ ليسوع حتى يقودني لمعرفة إرادته في حياتي'.

لقد أصبحنا صديقين حميمين. وهذا الضابط، أطلع الآخرين عن رغبتي في العيش لأجل يسوع. فبعض منهم، كانوا مؤمنين حقيقيين بالمسيح وطلبوا مني أن أتكلم في اجتماع مسيحي. انذهلت وصليت قائلاً: 'يا رب، لا يمكنني أن أتكلم، لكن ما يمكنني عمله هو إخبارهم عما فعله يسوع من أجلي'. كان ذلك شرفاً عظيماً بالنسبة لي. وعندماتكلمت بدأ التجاوب رائعاً، لأن الكثيرين من المسيحيين المؤمنين دعوني إلى بيوتهم وأظهروا محبة وصداقة حقيقيتين في طريقة استقبالهم لي.


 

حينما تركت المنزل تحت ظل غمامة من المرارة والتهديد بالموت، عمد والدي إلى إعادة زوجتي لذويها، ولم يخبرهم قط أني أصبحت مؤمناً بالمسيح. أما من جهتي فلم أكفّ عن الصلاة لأجله ولأجل بقية أفراد العائلة. وقد صليت لأجل زوجتي التي أحبها حباً شديداً. اتصلت بذويها وأخبرتهم أني أصبحت مؤمناً مسيحياً، ولكني أريدها أن تأتي وتعيش معي. وأكدت لهم أن بإمكانها أن تبقى مسلمة، ولن أتحدث إليها عن تغيير دينها، فوافقوا وأرسلوها إليّ.

عشت وزوجتي في غرفة واحدة. كنت أقرأ في كتابي المقدس وأصلي بصورة منتظمة. وقد انتابني إحساس بوجوب إطلاعها على الخبر المدهش عن الرب يسوع من أجل مصلحتها وخلاصها الأبدي، إلا أنني علمت أيضاً بعدم استطاعتي النكث بتعهدي، زد على ذلك أنها طلبت مني ألا أكلمها البتة بهذه الأمور. وفي أحد الأيام عقدت العزم على قراءة الكتاب بصوت عال، فسمعتني وسألتني عما أقرأ، فأجبت 'المفروض عليّ ألا أخبرك'.

قالت إنها أحبت ما سمعت. فأجبتها بأني لا أستطيع أن أخبرها، ولكن في وسعها أن تقرأ الكتاب لنفسها. وبعد ذلك بوقت قصير طفقت إحدى النساء المؤمنات تزور زوجتي بانتظام، فكان للطفها مع زوجتي وابنتي الصغيرة التأثير العميق عليها، وبواسطة طرقها الحكيمة وقراءة الكتاب المقدس انقادت زوجتي لوضع ثقتها في المسيح بعد ذلك بأشهر قليلة.

أربعون سنة مرّت على ذلك، وخلال تلك السنين كلها كانت لي المعوان الكبير والمشجع في الخدمة التي ائتمنني الله عليها. كانت زوجة، ومؤمنة مسيحية أمينة ومكرّمة طوال هذه السنوات، وغالباً ما كانت تظهر في حياتها شجاعة كبيرة وحكمة.

ومباشرة بعد تصميم زوجتي على الإيمان بالمسيح ، كان شروعنا في تكريس كامل وقتنا لنشر الخبر السار عن محبة الله للناس في كافة أنحاء البلاد. لم أكن أتقاضى أجراً مقابل ذلك ولم أكن مستخدماً من قبل أي أجنبي أو مؤسسة. لقد اعتمدت على الله وحده لسد كل إعوازنا، ولمدة ثلاث وأربعين سنة لم يفشلنا. وقد أجرى الله في حياتنا أموراً كثيرة مدهشة استجابة للصلاة.

ذات مرة، ونحن في رحلة تبشيرية، كنت والعاملون معي محاطين بحوالي ستمائة شخص، وهم في ثورة غضب شديد علينا لتبشيرنا بإنجيل المسيح. أحد صانعي الأذى الرئيسيين، ابتاع منا نسخة من العهد الجديد. وحالما أخذها بين يديه شرع يمزقها إرباً إرباً ويصرخ: 'احذروا هؤلاء المسيحيين. لقد خرجوا ليضلوكم. عندنا الدين الحقيقي الأوحد وهو الإسلام'.

انبرى يحرّض الناس على أذيتنا. لكني تيقنت أن الرب معنا وسيحمينا. تملك الخوف أحد العاملين معي وهو شاب صغير فقلت له: 'اطمئن واثقاً، الرب معنا، ولا يقدر أحد أن يؤذينا'.

وراح الناس يكيلون لنا اللعنات والتهديدات، وفيما كانوا على وشك الاعتداء علينا جسدياً، حدث تجلٍّ رائع لحضور المسيح معنا. شعرت بسلام وهدوء خارقين للطبيعة قد انسكبا من لدن الله.

وخلال بضع دقائق ظهرت رجال الشرطة، وتقدم إليّ الضابط وسألني: 'ما هي جنسيتك؟ إنك تتكلم الأوردية بطلاقة'!!

أجبت: 'إني باكستاني'.

فسأل: 'ألا ترى ما يحدث هنا؟'

قلت: 'نعم. إلا أنى لست جزعاً البتة'.

وسأل: 'ما الذي جاء بك إلى هنا؟'

قلت: 'جئت بخبر سار'.

حينئذ قال بانزعاج: 'ألا تعلم ماذا يفعلون؟'

أجبت: 'نعم. إنهم يقدمون لنا ما عندهم، ونحن نقدم لهم ما عندنا، البركة والصلاة والخبر السار'.

فرد بحدة: 'ما الخبر السار؟'

قلت: 'الإنجيل'.

فسأل مستوضحاً: 'ولمن هو؟'

قلت مؤكّداً: 'إنه لك'.

تملّكته الدهشة وقال إنه أُرسل من قِبَل رئيس الشرطة ليحرر تقريراً بشغب في المدينة. وعرض علينا أن يصطحبنا في تجوالنا ويضمن سلامتنا، لأن الدستور في باكستان يجيز لنا حرية التبشير. رفضت شاكراً عرضه لمرافقتنا وحراستنا لأننا أردنا الاعتماد على محبة المسيح وليس على قوة الشرطة. ثم ابتاع هذا الضابط نسخة من الإنجيل.

ذهبت لأتكلم مع الرجل الذي هيّج الجمع وحرّض الشعب لكنه شرع بالهروب كالجبان، فانتهره الجمع وسألوا: لماذا يفرّ هارباً، ولماذا لا يقف كرجل؟ حينئذ طفقوا يقتربون منا ويطلبون نسخاً من الكتاب المقدس. وهكذا لم أرَ في حياتي عدداً من نسخ الكتاب المقدس يُباع بهذا المقدار في يوم واحد.


كان لنا برهان مدهش على قوة المسيح في سد إعوازنا وحمايتنا واستخدامنا عندما وضعنا ثقتنا فيه. في ظروف أخرى كنا نبيع كميات قليلة جداً من الكتب، إلا أننا في ذلك اليوم بعنا كل ما كان في حوزتنا. لقد غمرنا الشعور بالبهجة ليس لأجل بيع ما في حوزتنا ولكن لأجل توزيع كلمة الله. وقد شهدنا قوة الله الحية مراراً وتكراراً على مرّ السنين. إنه بحق رب كل المناسبات.

أودّ أن أخبر المسلمين جميعاً عن المخلص الذي يحبهم. فقد وجدت أن أبهج ما في العالم هو أن نتعرف على الرب يسوع المسيح ونثق به. يصرح المسلمون بأنهم يؤمنون بالإنجيل، غير أنهم يصدرون حكمهم عليه قبل أن يقرأوه. إنه لمن المحزن أن الكثيرين يقرأون القصص والكتب التافهة ويهملون الإنجيل. وبالطبع كثيرون يرفضون الإصغاء إلى التعليم عن طبيعة المسيح الحقيقية، وخاصة معنى بنوته. لكني وجدت أنهم وبشكل خطير، يسيئون فهم هذه الحقيقة وغيرها من الحقائق العظمى الواردة في الكتاب المقدس.

أنا أعلم كم يصعب على المسلم أن يفتح قلبه لحق الإنجيل. ففي هذا القسم من العالم، أن يصبح المسلم مؤمناً بالمسيح، يعني أن يحط من قيمة نفسه اجتماعياً وسياسياً وأدبياً، ويصبح منبوذاً، ولا مكان له في المجتمع.

ولكن بالرغم من كل ذلك، فإن الاهتمام بالمسيحية يزداد ويتعاظم، وكثيرون يبحثون عن المعنى الحقيقي للإنجيل. فالبعض يدّعون أنهم يؤمنون، لكن البرهان الفعلي على صدق من يدّعي بذلك، يَظهر فقط في استعداده أن يتّخذ موقفاً علنياً من أجل المسيح. ينبغي عليه أن ينكر جهراً ثقته في كل شيء وفي كل إنسان آخر، ويستعد لاحتمال الاضطهاد. ومع ذلك، فإن كان حقاً يؤمن بأن المسيح مخلصه الشخصي وربه ويعترف علانية باعتماده عليه كل الاعتماد، فهو سيختبر فرحاً لا يُنطق به ومجيد، وسلاماً فائقاً، وحياة أبدية في محضر الله.

لقد كنت مسلماً، عشت حياتي كلها في مجتمع مسلم. ولكن في أحد الأيام قمت بذلك 'التصميم العظيم' ولم أندم يوماً قط. ولأجل محبة المسيح، كنت سعيداً في رفض كل ما كنت أفتخر به سابقاً وأومن به. لقد حررني المسيح من الشعور بالذنب والخوف، وحررني لكي أحب الله الحي وأخدمه. والآن إني أتحرّق شوقاً لأبذل حياتي في سبيل إخبار الآخرين عن محبة الرب يسوع المسيح ونعمته، الذي مات على الصليب لأجل خطايا العالم أجمع.

قلت: 'لماذا عليّ أن أقرأ الكتاب المقدس؟ من يقرأ كتاباً متغيِّراً كهذا؟ أنتم تغيرونه كل سنة'

ورداً على سؤالي قال:

'هل تعتبر أننا، معشر المسيحيين، جميعنا غير أمناء؟ وهل تظن أن مخافتنا لله هي من الخفة والبساطة بحيث نظلّ نخدع العالم بأحداث تغييرات في الكتاب المقدس؟ فعندما يصرح المسلمون بأن المسيحيين ما يفتأون يغيرون في نص التوراة والإنجيل.. إنما هم يوحون بأن جميع المسيحيين غير أمناء، وهم يخدعون البشر. إن هذا الاتهام خطير ولا مبرر له.

المسيحيون يؤمنون بالكتاب المقدس على أنه كلمة الله، كما يؤمن المسلمون بالقرآن. ومن هنا فإن لم يكن في وسع أي مسلم أن يغير في نص القرآن، فكيف يمكن لمسيحي أن يغير في نص كتاب الله الكليّ الحكمة، الكتاب المقدس؟.. وإن أقدم أحد المسيحيين العابثين على تغيير نص أي آية في الكتاب المقدس، أفلا يعتبره جميع المسيحيين الحقيقيين خارج حظيرة دينهم ومعتقدهم ويشهرون به؟ من الطبيعي أنهم لن يتأخروا عن فعل ذلك!.. فالجدال القائل بأن نص كلمة الله قد تغيّر، هو جدال سخيف وغير قائم على أي أساس البتة'.

السلطان محمد ب . خان

  • أنشأ بتاريخ .
  • عدد الزيارات: 9209
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.