الكتاب المقدس لم يُنسَخ ولا يمكن أن يُنسخ - وصايا التوراة نوعان : طقسية وأدبية

القسم: ميِزان الحَق

فهرس المقال

ولا يبرح من ذهنك أن وصايا التوراة نوعان : طقسية وأدبية؛ والأولى كانت خاصة ببني إسرائيل، والكثير منها لم يكن مشروعاً إلا عندما أُوحي إلى موسى بالتوراة على جبل سيناء. ومن أجل ذلك لم يكن إبراهيم مكلفاً منها إلا بالختان. وهذه ملاحظة جديرة بالالتفات، لأنها تدل على أن نفوذ الوصايا الطقسية محصور ووقتي حتى أنه لم يشمل إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط وذريتهم إلى زمن موسى. فالغرض إذاً من هذه الوصايا الطقسية هو كما أسلفنا بيانه أمران : الأول، لأجل أن يعزل اليهود عن الأمم عزلة تامة صوناً لهم من السقوط في الوثنية التي كان لها السلطان الأعظم في تلك العصور المظلمة، واستدامت هذه العزلة إلى مجيء المسيح وتأسيس كنيسته على الأرض. والثاني، حتى يتعلّموا عملياً أن العبادات الظاهرة القائمة في المناسك وإن كانت موحى بها من الله ليست مقصودة لذاتها ولا تروي النفس المتعطشة إلى الله، بل غاية ما هنالك يرمز بها إلى حقائق روحية هي المقصودة
بالذات كما شرحناها في غير هذا الموضع -قارن مزمور 51 :16 و17- وبين ما تممه المسيح. فلم تكن تلك الوصايا مفروضة على الأمم، وقد ضعف تأثيرها على بني إسرائيل أنفسهم منذ قيامة المسيح من الأموات.
أما الوصايا الأدبية فهي أزلية أبدية، والناس ملتزمون بها في كل زمان ومكان، وإن كان أُوحي بها إلى موسى، إلا أن الالتزام بها من بدء الخليقة إلى منتهاها. فمن الوصايا الأدبية : لا تزن، لا تسرق، لا تقتل، لا تعبد الأصنام. فهذه الوصايا متعلقة بذات الله تعالى وطبيعته القدوسة؟ من أجل ذلك ينبغي أن تكون من الأزل إلى الأبد، ولا معنى للناسخ والمنسوخ في هذا المقام. فمن يزعم أن الإنجيل ينسخ التوراة هو على خطأ مبين وجهل مطبق وما الإنجيل بناسخ للتوراة بل مصدق وشارح لمعانيه ومرقٍ لرسومه من الجسديات إلى الروحيات. ولهذا السبب ورد في الإنجيل أقوال تفوق الحصر من التوراة في مواضيع مختلفة، مشروحة شرحاً وافياً ومدققاً. ولقد صدق القرآن حيث أفاد في وصفه الإنجيل بكونه مصدقا للتوراة كما جاء في سورة المائدة 49 "وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقا لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقا لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوْرَاةِ
وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِين"َ. وليس بناسخ كما يزعم بعضهم .
ولنكرر القول هنا إن الوصايا الواردة في التوراة ولم يلتزم بها المسيحيون ما هي إلا وصايا طقسية، على أن الإنجيل لم ينسخها ولم يبطلها بل قد أكملها وبلغها إلى درجة رضوان الله الكامل. ومن أمثلة ذلك ما ورد في التوراة أن الله فرض على بني إسرائيل تقديم الذبائح الذي كان مستعملاً من بدء الخليقة عند كل الشعوب، وأمرهم أن يقدموها في أوقات معلومة ولغايات مختلفة، منها التكفير عن الخطايا. ولا يُعقل بداهة أن تقديم ذبائح الحيوانات يرفع خطايا البشر، وقد لاحظ ذلك داود النبي فقال "لِأَنَّكَ لَا تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلَّا فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لَا تَرْضَى" -مزمور 51 :16- وقد كمل الإنجيل التوراة في هذا الموضوع حيث يقول :
"لِأَنَّ النامُوسَ، إِذْ لَهُ ظِلُّ الْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ لَا نَفْسُ صُورَةِ الْأَشْيَاءِ لَا يَقْدِرُ أَبَداً بِنَفْسِ الذبَائِحِ كُلَّ سَنَةٍ التي يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الدَّوَامِ أَنْ يُكَمِّلَ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ. وَإِلَّا، َفَمَا زَالَتْ تُقَدَّمُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْخَادِمِينَ، وَهُمْ مُطَهَّرُونَ مَرَّةً، لَا يَكُونُ لَهُمْ أَيْضاً ضَمِيرُ خَطَايَا. لكِنْ فِيهَا كُلَّ سَنَةٍ ذِكْرُ خَطَايَا. لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا. لِذلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ : ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً لمْ تُرِدْ، وَلكِنْ
هَيَّأْتَ لِي جَسَداً. بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ. ثُمَّ قُلْتُ : هَئَنَذَا أَجِيءُ. فِي دَرْجِ الْكتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي، لِأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا اَللّه . إِذْ يَقُولُ آنِفاً : إِنَّكَ ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً وَمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُرِدْ وَلَا سُرِرْتَ بِهَا . التي تُقَدَّمُ حَسَبَ النامُوسِ. ثُمَّ قَالَ : هَئَنَذَا أَجِيءُ لِأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ . يَنْزِعُ الْأَوَّلَ لِكَيْ يُثَبِّتَ الثَّانِيَ. فَبِهذِهِ الْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَة"ً -عبرانيين 10 :1-10.
وان اشعياء النبي كشف لنا سلفاً عن المقصود من تلك الذبائح الحيوانية في إنبائه عن حمل الله - إشعياء 53 - الذي كان ناوياً على تقديمه من بدء الخليقة - رؤيا 13 :8.
وحيث أن هذا الذبح العظيم الذي كانت تشير إليه الذبائح الحيوانية قد تم تقديمه، فلا لزوم لتلك الذبائح الحيوانية بعده. أما المسيحيون فلا يقدمونها اكتفاء بذبيحة المسيح، ولا يقدمها اليهود لأنهم أُمروا في التوراة أن لا يقدموا ذبيحة إلا في أروشليم داخل أسوار هيكل سليمان، ومن المعلوم أن الهيكل خرب وزال من الوجود، وبُني على آثاره جامع عمر وهو باق إلى اليوم. ومع أن المسيحيين لا يقدمون ذبائح حيوانية لكنهم لا يزالون يقدمون ذبائح ذات
شأن عظيم عند الله، وهي ذبائح نفوسهم، أي يضحّون بأجسادهم وأرواحهم ونفوسهم ليكونوا ذبائح حية مقدسة مرضية عند الله الحي الأزلي، وبهذا يتممون المعنى الروحي المقصود من المحرقات المفروضة في شريعة موسى. وأشار إلى هذه الذبائح الرسول بولس بقوله : "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ. وَلَا تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ الصالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكامِلَةُ" - رومية 12 :1 و2. ويشير إليها أيضاً بطرس الرسول بقوله "كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً مَبْنِيِّينَ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ، بَيْتاً رُوحِيّاً، كَهَنُوتاً مُقَدَّساً، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ" - 1 بطرس 2 :5.
ثم مشروع في التوراة فريضة غسل الجسد، ولا شك أن الغرض من هذا هو (أولا) تنظيف الجسد، فالله يحب أن تكون أجسادنا نظيفة وبصحة معتدلة حسب الحالة التي فُطرنا عليها، لأنه من المحتمل أن وساخة الجسد تدنس الروح (ثانيا) حتى يتعلم الإنسان بالاختبار أن تنظيف الجسد وغسله مراراً وتكرار لا يطهر القلب من الأهواء الفاسدة، ولا يخلي الذهن من الأفكار الدنسة، ولا يمنح النفس مغفرة عن خطاياها السالفة. وعليه تحتاج نفوسنا إلى القداسة التي بدونها لا يعاين أحد الرب وقد ثبت أن الغسل اليهودي عديم التأثير وبعبارة
أخرى لا يمكن أن يقدس النفس، وما هو إلا ظل ورمز إلى غسل أجلّ وأسمى وهو الغسل الروحي السماوي الذي يمكن الحصول عليه بدم المسيح فقط الذي بالإيمان به نطهر من كل خطية. من أجل ذلك ينبغي للمسيحيين الحقيقيين أن يمتثلوا أمر الرسول الصادر في هذا الشأن حيث يقول "لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ" -2 كورنثوس 7 :1. فتطهير الجسد والروح لازم لهما ولكن يجب أن نحاذر من أن نجعل تطهير الجسد علة لتطهير الروح.
ومشروع أيضا في التوراة أن الذبائح يجب أن تُقدَّم في مكان معلوم -انظر التثنية 12 :13- وهو المكان الذي يختاره الرب ليجعل عليه اسمه، وفي ذلك معنى رمزي يشير إلى مسكنه - انظر التثنية 12 :5 - والمكان الأول الذي اختاره الرب لهذه الغاية كان شيلوه - انظر يشوع 18 :1 - ثم اختار أورشليم مع أن الملك سليمان صرح بأن الهيكل الذي بناه مسكنا للرب في أورشليم ليس بالحقيقة مسكن اله بل رمزاً وعلامة محسوسة على وجوده تعالى بين شعبه، ويدل على ذلك قوله "لِأَنَّهُ هَلْ يَسْكُنُ اللهُ حَقّاً عَلَى الْأَرْضِ هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لَا تَسَعُكَ، فَكَمْ بِالأَقَلِّ هذَا الْبَيْتُ الَّذِي بَنَيْتُ" -1 ملوك 8 :27. وأيَّد النبي إشعياء كلام سليمان في هذه المسألة في قوله "لِأَنَّهُ هَكَذَا قَالَ الْعَلِيُّ الْمُرْتَفِعُ، سَاكِنُ الْأَبَدِ، الْقُدُّوسُ اسْمُهُ : فِي الْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ الْمُقَدَّسِ أَسْكُنُ، وَمَعَ الْمُنْسَحِقِ وَالْمُتَوَاضِعِ الرُّوحِ، لِأُحْيِيَ رُوحَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَلِأُحْيِيَ قَلْبَ الْمُنْسَحِقِينَ" - إشعياء 57 :15. ثم صادق المسيح على هذا الفكر وأيده بأقوال كثيرة بما معناه لا ينبغي أن يُسجَد لله في مكان خاص، وأن العبادة الخالصة مقبولة عن الله بدون اعتبار المكان - يوحنا 4 :21-24 - وزاد هذا الاعتقاد تمكناً ورسوخاً بعد أن قدم المسيح نفسه ذبيحة خارج أسوار أورشليم مرة واحدة أغنتنا عن ألوف الذبائح والمحرقات. ومن ذلك الوقت فصاعداً لم يبق وجهٌ معقول لتخصيص بقعة من الأرض للعبادة ولنسبة القداسة والبركة إليها بنوع خصوصي.

أضف تعليق


إستمع واقرأ الإنجيل