Skip to main content

طبيعة الوحي

الفصل السادس
طبيعة الوحي

يعتبر الوحي حجر الزاوية في الدعوة الإسلامية، كما أن الإسلام ينسب الوحي إلى رسالات أخرى. لكن طبيعة الوحي في الإسلام تختلف عنها في الرسالات الأخرى. لقد تساءل بعض أصحاب محمد قديما عن طبيعة الوحي والكيفية التي يأتي بها إلى محمد.


محمد:
لا يخبرنا القرآن عن الكيفية التي جاء بها الوحي إلى محمد. إن كل ما نعلمه من القرآن أنه أنزل من الله على محمد بلسان عربي. "وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى (مكة) ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (جهنم) ."(الشورى: 7).
لم يتضح من كتب الأحاديث والتفسير وغيرها أن وحي محمد كان وحيا ميكانيكيا أو حرفيا بحيث أن محمدا كان يغيب عن الوعي ويُلقى في روعه ويصاب بعوارض جسدية ظاهرة. كان يخبر أصحابه بما ألقي في روعه بعد أن يعود إلى حالته الطبيعية، على الرغم من أنه كان أحيانا ينسى ما أوحي إليه كما ذكرنا سابقا.
يبدو أن الوحي كان يأتي محمدا بطرق مختلفة ومتنوعة كما يشرح إبن هشام في هامش السيرة النبوية حيث يقول: "و قد ثبت بالطرق الصحاح عن عامر الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكّل به إسرافيل، فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء. ثم وكّل به جبريل فجاءه بالقرآن والوحي، فعلى هذا كان كان نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم في أحوال مختلفة. فمنها النوم كما في حديث إبن إسحق (السالف الذكر) ومنها: أن يُنفثَ في روعه نفثا (إحساس في الوعي الباطن) كما قال عليه السلام: إن الروح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها. فاتقوا الله وأجملوا في الطلب. ومنها: أن يأتيه الوحي مثل صلصلة (صوت) الجرس وهو أشده عليه. وقيل إن ذلك ليستجمع قلبه عند تلك الصلصلة فيكون أوعى لما يسمع وألقن لما يُلقن. ومنها: أن يتمثل له الملك رجلا. فقد كان يأتيه في صورة دحية بن خليفة. ومنها: أن يترأى له جبريل في صورته التي خلقه الله فيها له ستمائة جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت. ومنها أن يكلمه الله من وراء حجاب. إما في اليقظة كما كلمه في ليلة الإسراء، وإما في النوم كما قال في حديث معاذ الذي رواه الترمزي قال: أتاني ربي في أحسن صورة..." (إبن هشام 1 ص 220).
بعد ذكر الطرق المختلفة التي كان يأتي فيها الوحي على محمد نذكر بعض الأوصاف لما كان يصيب محمدا عندما يأتيه الوحي. من أشهر الأحاديث في هذا المجال ما روته عائشة: "أخبرنا مالك بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيُفصَم عني (يذهب عني ما يغشاني) وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيُفصم عنه وإن جبينه ليفصد (يقطر) منه العرق." (البخاري ج 1 ص 4).
وصف مسلم ما كان يصيب محمدا من الكرب والضيق عند نزول الوحي عليه في الحديث التالي: "وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله بن عبادة بن الصامت قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي كرُب لذلك وتربد (تغير لونه و أصبح داكنا) وجهه." (مسلم ج 15 ص 89).
في الحديث التالي نجد شهادة شاهد عيان على وحي محمد: "حدثنا أبو نعيم حدثنا همام حدثنا عطاء قال: حدثني صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وعليه أثر الخلوق (الطيب). أو قال الصفرة- فقال: كيف يأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم، فستر بثوب، ووددت أن أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي. قال عمر: تعال ايسرك أن تنظر إلى النبي صلى لله عليه وسلم وقد أُنزل على الوحي؟ قلت: نعم فرفع طرف الثوب فنظرت إليه له غطيط (الشخير الشديد) وأحسبه قال كغطيط البكر (رغاء الذكر من الجمال) فلما سري عنه. قال: أين السائل عن العمرة؟ اخلع عنك الجبة واغسل أثر الخلوق عنك وأنق الصفرة واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك." (البخاري ج 2 ص 550 مكرر، رواه مسلم).
مما سبق ذكره نجد أن أوصاف نزول الوحي على محمد ليس لها ذكر بين أنبياء الله الذين جاءوا قبله. تصور أيها القارئ ، كيف نزل الوحي على "خاتم الأنبياء والمرسلين وأشرفهم" وكيف كان يرغى كالجمل! قل بالحق ، أي وحي هذا وأي نبي هذا الذي يرغى كالجمل بشهادة أصحابه؟ يبدو أن نزول الوحي على محمد لم يكن حدثا يبعث السكينة والسلام في النفس، لكنه كان حدثا ثقيلا على النفس يسبب الكدر والضيق والرغاء والحمى وتصبب العرق في أيام الشتاء الشديدة البرودة كما روت عائشة. إضافة إلى ما سبق ذكره ، كان الوحي أحيانا يجعل محمدا يذهب في غيبوبة ويفقد الوعي مما جعل أصحابه مثل عمر يضعون عليه غطاء حتى يصحو ويسترد وعيه ويأتيهم من القرآن ما يأتيهم. إن من قرأ الكتاب المقدس واطلع على حياة الأنبياء ووحيهم يجد أن الأعراض الجسدية مثل الكدر والغم وتصبب العرق والحمى والرغاء التي كان تصيب محمدا لا مثيل لها على الإطلاق بين الأنبياء. ونأخذ على سبيل المثال موسى كليم الله الذي كان يخاطبه الله مباشرة، فلم يُروَ عنه قط أنه أصيب بالحمى أو العرق أو أنه غاب عن الوعي أو أُرغي كالجمل متى أوحى الله إليه.
من غرائب وحي محمد الأخرى أن هذا الوحي لم يكن إلهاما دائم يجعل محمدا قادرا على معالجة الأمور وإجابة سائليه فورا. كان الوحي ينزل على محمد في كثير من الأحيان بعد زمن يطول أو يقصر لمساعدته على مواجهة مسائل عامة أبدى عجزه فيها أو لإيجاد مخرج لمآزق شخصية عسيرة. وأحيانا كانت تطول مدة نزول الوحي على محمد حتى يصاب بالحزن والغم.
رأينا في الحديث السابق كيف أن محمدا لم يكن على استعداد لإجابة الرجل الذي يسأله كيف يفعل في العمرة إجابة فورية. فاحتاج الأمر أن يأتيه الوحي ويغيب عن الوعي ويغط كالبعير ثم يصحو وقد أتاه الجواب.
من أشد وأصعب المآزق الشخصية التي احتاج محمد فيها إلى الوحي هو حديث الإفك المشهور، ونعتذر عن سرد الحديث بكامله لطوله. ومن أراد الاطلاع عليه كاملا فعليه الرجوع إلى صحيح البخاري أو صحيح مسلم أو غيرهما من الكتب الكثيرة التي تذكر هذا الحديث. لقد شاع بين أصحاب محمد أن عائشة ارتكبت الخيانة الزوجية بينما كانت في رفقة زوجها في إحدى الغزوات. لقد عانى محمد معاناة شديدة وكذلك عائشة عندما عرفت بالأمر وذاقت ما ذاقت من هجران محمد لها. وعندما وجه السؤال إلى عائشة في هذا الشأن لم تجب بنعم أو لا، وتمثلت في يعقوب عندما جاءه خبر يوسف وقالت "حسبي الله". ثم التجأت إلى بيت والديها طلبا لدعمهما وحمايتهما. استمرت الأزمة العائلية شهرا كاملا دون أي وحي من رب محمد في الأمر، مما دعا محمدا لاستشارة المقربين إليه، علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد. وكانت نصيحة علي لمحمد أن يخلي سبيل عائشة بحجة أن النساء غيرها كثيرات. ربما كانت هذه الحادثة هي سبب حقد عائشة الدائم على علي حتى أنها شاركت في محاربته فيما بعد. أما أسامة فقد امتدح عائشة ونصح محمدا بالصبر. وقد تغلبت نصيحة أسامة على نصيحة علي. وأخيرا بعد شهر بينما كانت عائشة في بيت والديها نزل الوحي بتبرئة عائشة مما نُسِب إليها من الإفك وعقاب أصحاب الإفك الذين كانوا من صفوة أصحاب محمد وهم: مصطح بن أم مصطح وحسان بن ثابت شاعر محمد الخاص وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوجة محمد." (البخاري ج 3 ص 217، رواه إبن هشام و مسلم).
أيضا من المناسبات الأخرى التي تأخر فيه الوحي على محمد مما جلب الحزن والغم على قلبه مناسبة نزول سورة أهل الكهف. "يُروى أن قريشا بعثت وفدا إلى أحبار اليهود ليسألوهم عن أمر محمد. فقال اليهود لرسل قريش: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن. فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل مُتَقّول. فروا فيه رأيكم. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم، فإنه قد كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هي؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه، فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل متقول.
فجاءوا رسول الله صلى الله وسلم فقالوا: "يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب وعن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها وأخبرنا عن الروح ما هي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبركم بما سألتم عنه غدا ولم يستثن (لم يقل إنشاء الله)، فانصرفوا عنه. فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة لا يحدث إليه في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل، حتى أوجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه منه، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشقّ عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاء جبريل من الله عزّ وجل بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف والروح."
قال إبن إسحق: "فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل حين جاءه: لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا، فقال له جبريل: وما نتنزل إلا بأمر ربك، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا." (إبن هشام ج 1 ص 265-266).
هذا هو وحي محمد، كان مخيف ومرعب لما سببه له من ضيق وكدر وحمى وعرق وغيبوبة ورغاء. إنه مخيف ومرعب لأنه كان يغيب عنه ويتركه في عذاب نفسي متى وقع في ورطة عصيبة مثل حديث الإفك.
والآن ننتقل لنرى الكيفية التي كان يتحدث بها المسيح:


المسيح:
إن الكيفية التي تكلم وعلم بها المسيح في الإنجيل تختلف اختلافا كليا ولا تمت بأي صلة من قريب أو بعيد بوحي محمد. لم يكن المسيح بحاجة لإسرافيل ولا لجبريل لتلقينه عند الحاجة بما يتكلم ويعلم به. كذلك من الواضح والجلي في الإنجيل أن المسيح عندما كان يتكلم ويعلم لم يطرأ على هيأته أي تغيير من جهد أو كدر أو حمى أو تصبب عرق أو غياب عن الوعي أو رغاء أو ما شابه ذلك.
عندما تكلم المسيح وعلّم، نطق بشكل مباشر و طبيعي جدا حيث كان كلام النعمة يفوض من على شفتيه. لقد كان دوما حاضر البديهة ومتمالكا لوعيه وإدراكه وأعصابه ومستعدا في كل لحظة لإجابة من يسأل عن مسألة دون ابطاء أو تأخير ولم نراه قط يقع في ورطة أو مأزق مثل حديث الإفك وسورة أهل الكهف. ومن أروع وأجمل ما نطق به المسيح ما يسمى بالموعظة على الجبل والتي تغطي الاصحاحات 5-7 من إنجيل متى، وفي ما يلي صورة عن الكيفية التي نطق بها المسيح و تحدث: "و كان يسوع يطوف كل الجليل يُعلم في مجامعهم و يكرز ببشارة الملكوت و يشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب. فذاع خبره في جميع سورية. فأحضروا إليه جميع السقماء المصابين بأمراض وأوجاع مختلفة والمجانين والمصروعين والمفلوجين فشفاهم. فتبعته جموع كثيرة من الجليل والعشر المدن وأورشليم واليهودية من عبر الأردن. ولما رأى الجموع صعد إلى الجبل. فلما جلس تقدم إليه تلاميذه. ففتح فاه وعلمهم قائلا... (يرجى الرجوع إلى إنجيل متى (4: 23-5: 1).
عندما نطق المسيح بتعليمه كان كلامه ذاتيا نابعا من شخصه ولم تختلف هيئته عن هيئة الذين كانوا يسمعونه ولم يلاحظ أحد أي تغيير مغث في مظهره ولم يحتج أن يغطيه أحد حتى يعود وعيه إليه، ولكن كان دائما في كلامه قوة وسلطان غير عادي. وبعد أن أكمل المسيح تعليمه في الموعظة على الجبل نجد رد الفعل التالي من السامعين: "فلما أكمل يسوع هذه الأقوال بُهتت الجموع من تعليمه لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان ليس كالكتبة (معلمي اليهود)." (متى 7: 26-29).
لقد تعرض المسيح لكثير من الأسئلة سواء كان ذلك من قبل أفراد عديدين أو من قبل جماعات مختلفة. وكان المسيح في كل مرة على استعداد أن يعطي إجابة كاملة وفورية دون إبطاء أو تأخير. ومن بين الأمثلة الكثيرة في الإنجيل نختار الحوار التالي بين المسيح والذين يقاومونه: "ثم أرسلوا إليه قوما من الفريسيين والهيروديسيين لكي يصطادوه بكلمة. فلما جاءوا قالوا له يا معلم نعلم أنك صادق ولا تبالي بأحد لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس بل بالحق تعلم طريق الله. أيجوز أن نعطي جزية لقيصر أم لا؟ نعطي أم لا نعطي؟ فعلم رياءهم وقال لهم لماذا تجربونني؟ إيتوني بدينار لأنظره. فأتوا به. فقال لهم لمن هذه الصورة وهذه الكتابة؟ فقالوا لقيصر. فأجاب وقال لهم اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. فتعجبوا منه" (مرقس 12: 13-17).
إذا ما أمعنا النظر في وحي محمد وما نطق به المسيح فهل تعتقد أيها القارئ العزيز أن الإثنين سواء؟ هل كان وحي محمد ككلام المسيح؟ أم أن أحدهما يتميز عن الآخر؟ هل يعقل أن يكون الإثنان من مصدر واحد هو الله؟ لا أعتقد ذلك. لا بد أن أحدهما يظهر أفضل وأسمى وأعلى وأجل من الآخر. فأيهما أفضل وأسمى وأعلى وأجل، وحي محمد أم كلام المسيح؟ نريد حكمك ، قارئي العزيز.

  • عدد الزيارات: 13479