فحص مشتملات القرآن - الحقائق التي ذكرها القرآن أخيراً جاءت من قبل في الكتاب المقدس

الصفحة 2 من 7: الحقائق التي ذكرها القرآن أخيراً جاءت من قبل في الكتاب المقدس

وعلى هذا السؤال نجيب فنقول: إن جميع هذه الحقائق التي ذكرها القرآن أخيراً جاءت من قبل في الكتاب المقدس مفصلة تفصيلاً ليس من وراءه من مزيد ونودي بها في أنحاء كثيرة من المسكونة حتى بلاد العرب نفسها لم تعدم نصيباً من معرفة وحدانية الله وعظمة صفاته من قبل أن يخلق محمد وأجداده الأولون هل من يجهل أن وحدانية الله مثبوتة في فصول العهد القديم والجديد من أولها إلى آخرها الكل يعلمون ذلك ويؤكدون أن هذه العقيدة أساس الإيمان عند النصارى كما هي عند اليهود وكذا العقائد الأخرى مشروحة شرحاً وافياً في الكتاب المقدس مثل كون الله هو خالف السموات والأرض وعرف ذلك كل من خالط اليهود والنصارى من الشعوب الآخرين كما دلت آثارهم فإنهم اكتشفوا كتابات منقوشة على صخور في بلاد الفرس لداريوس الملك يحرض قومه على الإيمان بأن الله هو الخالق عز وجل وذلك من قبل التاريخ المسيحي بخمسمائة سنة وقبل محمد بأكثر من ألف سنة.

فلو كان محمد هو أول من قال بوحدانية الله لوجب علينا بدون نزاع أن نؤمن به أما وقد سبقه إلى ذلك كثيرون من قديم الزمان فليس له علينا حجة وأقل ما نقول في هذا الصدد أن العرب من قبل مولده كانوا يؤمنون بإله واحد عظيم يدعونه الله تعالى ويدعون الكعبة بيت الله. واعلم أن كلمة الله متى وردت محلاة بال التعريفية دلت على الإله الحق الواحد وقد ذكرتها العرب محلاة بأل التعريفية كما مر بيانه ونعلم ذلك حتى أن اسم أبي محمد عبد الله الذي مات قبل أن يولد ابنه يتضمن اسم الله معرفاً بأل فثبت الإيمان بوحدانيته تعالى. ولا ننكر أن العرب في الجاهلية كانوا يعبدون آلهة مع الله يعبدونها كوسطاء وشفعاء يقربونهم إليه وبهذا المعنى جعلوها كشركاء له تعالى ومع هذا فكان لا يزال يوجد بين هؤلاء المشركين موحدون. ولو فرضنا أن محمداً لم يسمع قط من وثني العرب عن وحدانية الله لكفاه ما سمعه من العرب المتنصرين والمتهودين ومن النصارى واليهود النازلين في بلاد العرب في ذلك الزمن. ولعلك لست جاهلاً أن محمداً سافر إلى سورية لا أقل من مرتين وخالط وعامل أهلها وكانوا حينئذ يدينون بالنصرانية ووقع ذلك من قبل أن يدعي الرسالة. أما سفره الأول فحدث وهو ابن تسع سنوات برفقة عمه أبي طالب وأما سفره الثاني فحدث وهو ابن خمس وعشرين سنة برفقة مملوك لخديجة يدعي ميسرة ولا ينكر أحد أن كثيراً من أقاربه وأصحابه كانوا يهوداً ونصارى ناهيك عن زوجته مارية القبطية ومن هؤلاء ورقة بن نوفل كان تابعاً لمذهب الحنفاء ثم صار مسيحياً واطلع على التوراة والإنجيل (انظر سيرة الرسول مجلد أول) ومنهم عثمان بن حويرث الذي تنصر في بلاد القيصر بالقسطنطينية وكلا الشخصين حسب سلسلة الأنساب التي دونها ابن هشام هما أبناء عم خديجة وكان رجل من الحنفاء يدعى عبيد الله ابن جحش قد أسلم وهاجر إلى الحبشة ولكنه لم يلبث حتى تنصر ثم توفي وتزوج محمد بأرملته المدعوة أم حبيبة. وكان من جملة صحابته سليمان الفارسي الذي يقول عنه البعض أنه من نصارى بين النهرين ولما أخذ في السبي إلى بلاد الفرس اعتنق مذهب زردشت ويقول آخرون وهو الرأي المعول عليه أنه فارسي وزردشتي مولداً ومنشأ لكنه اعتنق الدين المسيحي فيما بعد في بلاد سورية وبعدها سافر لبلاد العرب ثم أسلم وصاحب محمداً وهو الذي أشار عليه عند هجومه إلى الطائف بإقامة المتاريس لهدم مبانيه اوكذا أشار عليه بحفر الخنادق حول المدينة لحمايتها من هجمات قريش وحلفائهم في السنة الخامسة للهجرة. ومنهم عبد الله بن سلام وكان من قبل أتباعه لمحمد عالماً يهودياً وحبراً من أحبار اليهود وروى عنه العباسي (1) (لعل صوابه ابن عباس اه صحيح) والجلالان في تفسيرهما أنه هو الرجل المشار إليه بقوله وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ (سورة الأحقاف 64: 10) يريد الاتفاق بين الأسفار المقدسة وبين القرآن. وذكر العباسي أن عبداً مسيحياً يسمى يسار أو أبو فكيهة ورجلاً آخر رومياً دعته العرب أبو تقبيحة اتهمهما الناس بأنهما أعانا محمداً على تأليف القرآن وأملياه عليه وأشار القرآن إلى هذه التهمة في سورة الفرقان حيث يقول وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَّوَلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرةً وَأَصِيلاً (سورة الفرقان 25: 4 و5) وقال العباسي أيضاً في تعليقه على سورة النحل 16: 103 وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌُّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ما معناه أن الرجل الأعجمي الذي زعموا أنه علم محمداً القرآن رجل مسيحي يدعى قاين وذهب الجلالان أن الآية تشير إلى شخصين آخرين وهما يسار وجبرا وقال بعضهم بل تشير إلى سلمان الفارسي وآخرون إلى صهيب وآخرون إلى راهب اسمه عداس ناهيك أن زيداً الذي تبناه محمد كان سوري الجنس مولداً ومنشأ (1) (كذا في الأصل لكن المصحح يظنه بعيد الاحتمال) وعليه فقد كان يدين بالمسيحية ولعل إشارة القرآن كانت إليه.

فإذا اعتبرنا هذه الأخبار التي صراحتها لا تحتاج إلى محاورة ولا جدال نجد أنه لا يمكن بالكلية أن تنسب التعاليم التي جائت في القرآن من حيث وحدانية الله والقيامة والثواب والعقاب إلى غير ذلك مما تقدم ذكره إلى محمد بدليل ورودها في الكتاب المقدس أي التوراة والإنجيل من قبل محمد بقرون كثيرة وعليه نحكم أنه اقتبسها من هذا الكتاب بمعرفة هؤلاء الصحابة والأعوان ونحن لا نذمه على اقتباسه هذه التعاليم من التوراة والإنجيل بل بالحري نشكره غير أن وجود هذه الحقائق في القرآن لا يثبت إعجازه ولا هو دليل على وحيه.

وكثيراً ما قالوا أن البرهان القاطع على نبوة محمد انباؤه بأمور كثيرة مستقبلة في القرآن وقد تمت وهذا يدل طبعاً أنه من عند الله لأنه لا يعلم الغيب إلا هو ويريدون حجتهم هذه بما ورد في سفر التثنية 18: 21 و22 وَإِنْ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: كَيْفَ نَعْرِفُ الْكَلَامَ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ؟ فَمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ بِا سْمِ الرَّبِّ وَلَمْ يَحْدُثْ وَلَمْ يَصِرْ؟ فَهُوَ الْكَلَامُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ؟ بَلْ بِطُغْيَانٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ؟ فَلَا تَخَفْ مِنْهُ فمن الواجب علينا أن نفحص باعتناء الآيات القرآنية التي يزعمون أنها تتضمن أنباء عن حوادث كانت ستحدث في المستقبل عندما أملاها محمد لكتبته.

لو اتفق المسلمون أن القرآن تأليف محمد وكتب بالوحي وليس كما يقولون أنه أملاه له جبرائيل لكانت حجتهم أقوى.

وقد أحصوا الآيات الإنبائية في أثنين وعشرين خبراً وردت في المواضع الآيتة (سورة البقرة 2: 21 و22 و88 و89 وسورة آل عمران 3: 10 و107 و108 و144 وسورة المائدة 5: 71 وسورة الأنفال 8: 7 وسورة التوبة 9: 14 وسورة الحجر 15: 9 و95 وسورة النور 24: 54 وسورة القصص 28: 85 وسورة الروم 30: 1-4 وسورة فصلت 41: 42 وسورة الفتح 48: 16 و18-21 و27 و28 وسورة القمر 54: 44 و45 وسورة الصف 61: 13 وسورة النصر 110: 1 و2) ولا يخفى على القارئ الفطن أن هذه النبوات المزعومة تنقسم إلى ثلاثة أقسام الأول ما يشير إلى انتصارات محمد والثاني ما يشير إلى القرآن نفسه والثالث وهي نبوة واحدة تشير إلى الروم ولنتأمل في هذه الأقسام بالتتباع على وجه مختصر.

فنقول أما من جهة النبوات بانتصارات محمد فلا تحتاج إلى بحث كثير لأنه لا يمكن إقامة الدليل على أنها كتبت أو نزلت كما يقولون من قبل وقوع الحوادث التي قال المفسرون أنها تشير إليها ولكن نسلم جدلاً أن تلك النبوات كتبت قبل الوقائع الدالة عليها فلا يترتب على ذلك شيء عظيم لأنه ليس بالأمر المستغرب أن يعد محمد قومه بالنصر في مقدمة كل حرب بل هذه خطة الفواد العظام يبشرون جيوشهم بالنصر تشجيعاً لهم على خوض غمار الحرب بقلب رابط الجأش ولا بد أن تدور الدائرة على أحد القائدين المتحاربين فهل يجوز للقائد المنتصر أن يدعي النبوة بناء على كونه سبق فوعد قومه بالنصر من قبل. كلٌّ يعلم أن القائدين جنكيز خان وتيمورلنك مثلاً بشرا عساكرهما بالفتح المبين والغنم العظيم وقد تمت بشراهما وانهزمت الأعداء فهل كانا لأجل هذا من أنبياء الله ورسله؟ على أن أنباء محمد بانتصاراته يرجى تحقيقها عند جنوده أكثر مما يرجى تحقيق أنباء القواد الآخرين عند جنودهم لأن أولئك كانوا يؤمنون بأن قائدهم رسول الله المؤيد بقوته غير المتناهية وهذا يولد في نفوسهم البسالة والإقدام بكيفية عديمة المثال في الحروب الاعتيادية كما جرى في واقعة الوهابيين وفي واقعة المهدي وخليفته في الأقطار السودانية التي كانت لا محالة يستفحل شرها لولا قد دهمتها وهي في مهدها ضربة قاضية من الجيوش المنتظمة ذوي العدد المستكملة مما لم يلق محمد مثله في زمانه الغابر.

ولزيادة الإيضاح نتأمل في غزوة بدر إحدى غزوات محمد لأن بعضهم يطبق عليها ما ورد في سورة القمر 54: 44 و54 حيث يقول أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ قال البيضاوي في تفسيره لسورة الأنفال آية 5 ما معناه أن أبا سفيان مع تسعة وثلاثين راكباً كانوا يحرسون قافلة آتية من سوريا فأعلم جبريل محمداً بخبرها وقلة حرسها مع وفرة ثروتها فقام محمد لساعته وحرض رجاله بأن يهجموا على تلك القافلة ويسلبوا ثروتها فلما بلغ الخبر أهل مكة قادهم أبو جهل إلى بدر وإذ سمع رجال محمد بذلك خشوا العاقبة ولاموا محمداً على عدم إنذارهم بذلك من قبل ليأخذوا لأنفسهم الأهبة اللازمة وودوا لو يجدون في طلب القافلة فقالوا يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو فاعتذر بأن الله وعده بالغلبة على إحدى الطائفتين إما القافلة أو العدو وقال البيضاوي أيضاً في تفسيره لآية 6 من السورة عينها ما معناه أن المسلمين احجموا أولاً عن محاربة قريش في هذه الواقعة لأنهم يزيدون عنهم عدداً وسلاحاً ولم يكونوا مستعدين للحرب حينئذ. وقال في تفسيره لسورة القمر آية 44 و54 ما معناه أن عمر لم يكن يعلم معنى هذه الآية حتى الساعة التي لبس فيها محمد درعه وخرج للقتال في ذلك اليوم. أما كون المسلمين خشوا بأس قريش في بادئ الأمر فظاهر من سورة الأنفال 8: 6 يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقوُنَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ.

وقال ابن هشام عن واقعة بدر ما معناه لما علم رسول الله بقدوم جماعة أبي سفيان من سورية حرض رجاله ليوقعوا بهم وقال لهم هاكم قافلة قريش تحمل أمتعتهم فاحملوا عليهم عسى الله أن يدفعهم إلى يدكم فتحمس بعضهم وأحجم البعض الآخر إذ لم يخطر في خلدهم أن رسول الله يتقدمهم في المعركة ولما دنا أبو سفيان من الحجاز أخذ يسأل في طريقه كل من مر به عن قوم محمد لأنه أوجس خيفة على قافلته من شرهم إلى أن بلغه خبرهم بالتفصيل فاستأجر ضمضم بن عمرو الفغاري وأوفده إلى مكة بحشد قريش ويبادر بهم إليه لحماية أموالهم من هجمة محمد فأقبل جند عديد منهم للغاية المذكورة. وورد في كتاب حياة القلوب تعليقاً على الروايتين السابقتين ما معناه أن محمداً أظهر لقومه أن القافلة لا يمكن إلحاقها إذ قد بعدت عنهم وأن قريشاً قادمون نحوهم ويأمرهم الله بالجهاد في سبيله ضد هؤلاء القوم الكافرين فما بلغهم ذلك حتى هلعت قلوبهم من شدة الخوف وقال في غير موضع لما سمع قوم محمد بكثرة عدد قريش وقع الرعب في قلوبهم وصاحوا مولولين فأخذ محمد يشجعهم ويبث فيهم روح البسالة والإقدام مكرراً عليهم سورة القمر 54: 44 و45 حيث يقول أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ وهذه على نحو ما يقول كل قائد لجنوده يوم يلتئم الجمعان وتحتدم نار الحرب إلا أن محمداً زاد عن القواد أن عزة قوله إلى مصدر صماوي ليقوي رجاءهم فحاربوا بشجاعة ونالوا النصر وليس ذلك من النبوة في شيء كما رأيت.

ثم نتقدم إلى القسم الثاني من نبوات القرآن المزعومة وهي التي تتعلق بالقرآن نفسه ظن قوم أن بقاء القرآن سالماً من التحريف بالزيادة والنقصان كان تتميماً لقوله في سورة الحجر 15: 9 إِنَّا نَحْنُ نَّزَلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ قال صاحب كتاب إظهار الحق أي حافظون له من الزيادة والحذف الخ بواسطة القراء وقد تم ذلك فإنه منذ تنزيله إلى عصرنا الحاضر لم يجترئ كافر من الكفرة الملحدين ولا مترف من القرامطة أن يمسه أقل مساس في المعنى أو اللفظ أو حركات الضبط. غير أن الذين فطنوا إلى ما قدمناه في الفصل الثالث من الجزء الثاني من هذا المؤلف يذكرون حكاية ما فعله عثمان ثالث الخلفاء الراشدين بالقرآن وكيف أنه أحرق جميع النسخ القديمة مما يدل بلا نزاع على وقوع اختلاف بين نسخ القرآن لا يمكن إخفاؤه إلا بحرق القديم منها فكيف نضرب عن ذلك صفحاً ونقول أن القرآن باق على ما نزل وعدا حادثة الحرق نقول إن كان القرآن باقياً على ما كان عليه حقيقة فماذا يكون ظنك حينئذ بالأحاديث الصحيحة الشاهد بوقوع التغيير في نسخه من ذلك قول محمد رحم الله فلاناً لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطتهن ويروى انسيتهن ومن الآيات الساقطة التي لم يتفق له من يذكره إياها آية المتعة أسقطها علي وهذا ما حدا بعائشة أن تلومه وتقرعه على هذا الفعل الذميم فقالت أنه يجلد على القرآن وينهي عنه وقد بدله وحرفه ومنها آية الرجم وما كان يقرأه أبي بن كعب وفقد من القرآن المتداول اليوم وهو قوله اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك الخ وعليه نقول إن كانت آية إِنَّا نَحْنُ نَّزَلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ نبوة كما يزعمون فهي نبوة لم يتبين صدقها فإذا القسم الأول والثاني من نبوات القرآن المدعى بها مما يختص بانتصارات محمد وببقاء القرآن على أصله وصونه من التحريف لم ينطبق عليها حكم النبوات الصحيحة.

بقي علينا أن نتكلم عن القسم الثالث من النبوات المحكي عنها وهي التي تشير إلى انهزام الروم ثم غلبتهم وهي واقعة في أربع آيات وننقل لفظها هنا للتفكير الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (سورة الروم 30: 1-5) زعم قوم من المفسرين أن هذه الآيات نبوة صريحة بالمستقبل دالة على صحة رسالة محمد وقالوا أن الآية الأولى منها تدل على انكسار الروم في سورية أمام الفرس في ملك خسروبرويز ولما بلغ خبر انتصار الفرس على الروم فرح المشركون وقالوا أنتم والنصارى أهل كتاب ونحن وفارس أميون فقد ظهر إخواننا على إخوانكم فلنظهرن عليكم فعند ذلك نزلت الآية التالية وهم من بعد غلبنهم سيغلبون في بضع سنين وروي أن أبا بكر عقد مراهنة بينه وبين أبي بن خلف أن هذه الآية ستتم في ظرف ثلاث سنين لكنه لما علم من محمد أن كلمة بضع المشار إليها في الآية هي كناية عن عدد قليل يترواح بين الثلاثة والتسعة بجل الشروط المتفق عليها من حيث المدة وقالوا أن الروم غلبت بعد سبع سنين وربح أبو بكر المراهنة وقبض قيمتها من ورثة أبي الذي كانت أدركته الوفاة وقتئذ هذا ما حكوه لتأييد نبوة القرآن المتعلقة بالروم وفارس والآن اسمح لي أيها القارئ العزيز أن نتبين صحة هذه الحكاية مع التسليم بأن الآية المشار إليها كتبت قبل واقعة الحرب وظهور النتيجة وأنها باقية على ما كانت عليه.

نعلم من التاريخ أن فارس هزمت الروم في أرض سورية في السنة السادسة قبل الهجرة الموافقة لسنة 615 ميلادية وإذ تمت هذه الحادثة وغلبت الروم في أدنى الأرض بلغ هذا الخبر إلى مكة في أيام قليلة قال البيضاوي في تفسيره ما معناه أن تلك النبوة تمت يوم انتصر الروم على فارس وكان ذلك في يوم الحديبية. ونعلم أن معاهدة الحديبية تمت في ذي القعدة من السنة السادسة بعد الهجرة الموافقة شهر مارس سنة 628 ميلادية فإن صح تفسير البيضاوي وكانت غلبة الروم في السنة الثانية عشرة بعد انهزامهم خلافاً لما جاء في القرآن من أن بين الحادثتين بضع سنين والبضع لا يزيد عن تسع وعليه فلم تتم النبوة على أن ليس من النوادر البالغة حد الإعجاز أن يخبر أحد أية الدولتين تحرز الغلبة فإن هذا يمكن معرفته بدون تكليف جبريل بأن يأتي بوحي من السماء بل يعرف ذلك بمضاهاة الدولة الواحدة بالأخرى فمن كا نت أكثر رجالاً وأوفى عدة وأعلا همة فهي الغالبة لا محالة حتى وإن غلبت في بادئ الأمر. لهذا لنا الحق أن ندعي بأن محمداً أنبأ بانتصار الروم أخيراً من تلقاء نفسه بمجرد رأيه الثاقب وذكاء فكره إسوة بكثيرين من ذوي الآراء الصائبة وقيل في الأمثال ظن العاقل أصح من يقين الجاهل. عدا ذلك نقول أنه من المحتمل ان يكون أبو بكر راهن صاحبه على انتصار الروم من قبل أن يشاور محمداً فإن صح هذا الاحتمال كان أبو بكر نبياً أيضاً كمحمد لأنه تأكد أن الروم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين حتى أنه عقد مراهنة على هذه النتيجة فتأمل. أما الحقيقة الناصعة فهي أنه لا قول أبي بكر ولا قول محمد من النبوة في شيء بل إنهما كرجلين مدربين بمرور السنين ومحنكين بمشاهدة الوقائع لاحظا أن دولة الفرس كثر فيها الاضطراب والهرج وأخذ منها الضعف والاختلال كل مأخذ بدليل تولية الملوك عليها وسقوطهم في زمن قصير فإنه ما بين موت أنوشروان سنة 587 ميلادية وبين سقوط يزدجرد الثالث سنة 642 ميلادية ملك على الفرس لا أقل من أربعة عشر ملكاً ومات أكثرهم قتلاً بعد تمليكهم بزمن قصير وحدث في السنين الخمس التي ما بين ملك خسروفرويز (سنة 227 ميلادية) وبين تولية يزدجرد أنه قد ملك نحو أحد عشر ملكاً فكل من له مسكة من العقل يحكم لأول وهلة أن دولة كهذه لا تقوى على الروم فليس بعظيم على محمد أن يعرف هذه النتيجة الضرورية على أن محمد لم يعين بالضبط عدد السنين التي تكون الغلبة من بعدها بل أتى بعدد مرن يتمدد وينكمش فقال بضع سنين محتاطاً لنفسه لئلا تمسك عليه غلطة ومع ذلك فأخطأ الحقيقة بالرغم عن احتياطه ولو مددنا بضعاً إلى أقصىحدودها لأن الروم لم يغلبوا فارس قبل مرور عشرة سنين لا تسع بعد انهزامهم على أقل تقدير.

ومما يؤكد لنا أن محمداً كان عالماًبضعف الفرس من قبل أن يطلع على آية الروم بسنين كثيرة ما رواه ابن هشام في سيرة الرسول قال ما معناه عقد محمد وروساء قريش مؤتمراً في مكة قبل الهجرة واجتهد في أن يستميلهم إلى الإقرار بالكلمة الأولى من الشهادتين واطراح الشرك واعداً إياهم بعلو المنزلة على العجم والعرب إلى أن قال يا عم كلمة واحدة تعظونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم.

ومع هذا كلهفإن البيضاوي كفانا مؤونة هذا البحث وأراحنا من المناظرة فيما إذا كانت آية الروم نبوة كما زعموا أم لا وذلك لأنه يروي لنا خبر اختلاف قراءة تلك الآية إذ يقرأها بعضهم هكذا غلبت (مبنياً للمعلوم) عوض غلبت (مبنياً للمجهول) وسيغلبون (مبنياً للمجهول) عوض سيغلبون (مبنياً للمعلوم) فتكون جملة الآية هكذا غَلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غَلبتهم سيُغلبون في بضع سنين فإن صحت هذه القراءة بطلت دعوة الذين يدعون باشتمال هذه الآية على معجزة الإنباء بالمستقبل وكانت حكاية المراهنة التي زعموا أن ابا بكر عقدها مع أبي حديث خرافة لأن أبيا كان قد مات قبل انتصار المسلمين على الروم بل قبل انتصار الروم على الفرس بسنين كثيرة ومن هنا نعلم شطط الحديث ووهنه وهو عندهم مصادر الثقة وقال البيضاوي في تفسيره آية الروم بحسب القراءة الثانية ما معناه أن الروم انتصروا على ريف الشام ثم أن بقية الآية تبشر بانتصار المسلمين عليهم في بضع سنين وبموجب هذا التفسير يلزم أن يكون الحديث الذي اثبتوا به نزول الآية المذكورة قبل تاريخ الهجرة بست سنين غير صحيح لأنها تكون قد نزلت بعد ذلك باثنتي عشرة سنة على الأقل والحاصل أن الاستدلال على كون محمد رسول الله بإنبائه عن حادثة مستقبلة كما يزعمون استدلال باطل. أولاً لأن تاريخ نزول الآية المتضمنة الإنباء بالمستقبل غير معلوم بالضبط. ثانياً لأن قراءتها الصحيحة غير معلومة أيضاً. ثالثاً لا يمكن أن يتبين من معنى الآية المذكورة أن شيئاً من النبوة قد تم.

مما تقدم يظهر أن ما بناه المسلمون من إثبات رسالة نبيهم على براهين النبوات المزعومة في القرآن قد سقط من أصوله لدى الامتحان الدقيق ولما كانت الأشياء تعرف بأضدادها علينا أن نقارن بين نبوات القرآن المذكورة وبين نبوات الكتاب المقدس وما كان منها بخصوص المسيح في العهد القديم وما كان بخصوص اليهود في كلا العهدين أو تلك النبوات التي في سفر الرؤيا مثل 9 و14: 6.

البراهين التي يقدمونها على كون القرآن موحى به من الله ما يدعونه من اشتماله على أخبار الأمم البائدة
الصفحة
  • عدد الزيارات: 12293

تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.