شهادة العهد القديم

شهادة العهد القديم
بألوهية مسيا المنتظر أي الرب يسوع المسيح

إن أهم غرض لوحي الله المدّون في سفر العهد القديم هو أن يهيئ الطريق لمجيء الرب يسوع المسيح فالعهد القديم شاهد عدل للمسيح مشحون بالنبوات التي تعلن زمان ومكان ظهوره وخلاصه الذي كان مزمعاً أن يقدمه للبشر وبه تفصيلات كثيرة عن آلامه وموته وقيامته ( ) وذلك لكي يتسنى للباحثين عن الحق معرفته وخدمته عند مجيئه- يقول بولس الرسول في (رومية 10: 4) "لأن غاية الناموس هي المسيح للبر لكل من يؤمن)- فحق إذاً لأنبياء العهد القديم أن يشهدوا لمقام وعظمة مخلص العالم الموعود به ولذاته الحقيقية وذلك ظاهر من قول بطرس الرسول في (أعمال 10: 43) "له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن ينال باسمه غفران الخطايا". إن تاريخ الإنسان بعد سقوط آدم يبتدئ بوعد عن مجيء المسيح. اقرأ (تكوين 3: 15) وفي آخر العهد القديم توجد بعض الآيات التي تتكلم عن هذا الوعد بعينه (اقرأ ملاخي 4 عدد 2و5و6) أنه لا يمكننا أن نأتي بجميع النبوات المختصة بالمسيح ولكن نذكر أهمها.
وفي أول هذا الفصل قبل التأمل في ما قاله الأنبياء عن ألوهية المسيح المنتظر
يقول موسى عن مجيء مسيا أنه سيأتي نبي عظيم "قال لي الرب أقيم لهم نبياً من وسط أخوتهم ( ) مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه" (تثنية 18: 18و19) وتكلم الله عن لسان أشعياء النبي عن عمل مسيا المنتظر بقوله "هوذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سرب به نفسي وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خامدة لا يطفئ إلى الأمان يخرج الحق لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته- هكذا يقول الله الرب خالق السموات وناشرها باسط الأرض ونتائجها معطي الشعب عليها نسمة والساكنين فيها روحاً. أنا الرب قد دعوتك بالبر فامسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهداً للشعب ونوراً للأمم لتفتح عيون العمي لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة. أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر ولا تسبيحي للمنحوتات" (أشعياء 42: 1-8). قارن ذلك بما جاء في إنجيل (متى 12: 17-21) وفي (أشعياء 61: 1و2). يمثل المسيح بقول النبي "روح السيد الرب عليّ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأعصب منكسري القلب لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق لأنادي بسنة مقبولة للرب" (قارن هذا بما قيل في لوقا 4: 16-21). وقد قال زكريا عن دخول المسيح أورشليم قبل صلبه "ابتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان" (زكريا 9: 9). (قارن ذلك بما جاء في متى 21: 1-11 ومرقص 11: 1-10 ولوقا 19: 29-38 ويوحنا 12: 12-15). وقد تنبأ أشعياء النبي عن المسيح وأعماله فكتب قائلاً "ويخرج قضيب من جزع يسى وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب" (أشعياء 11: 1و2) قارن هذا بما جاء في (أعمال 13: 23 ورؤيا 5: 5وص 22: 16). ثم يتكلم أشعياء عن المسيح كقاضي جميع الناس وأنه سيبني مملكة ويلاشي كل شر من المسكونة بقوله (لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر) (أشعياء 11: 9) وقد قال النبي دانيال عن ذلك أيضا (كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه فأعطى سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض) (دانيال 7: 13و14) قارن ذلك مع ما جاء في مرقس 13: 26) هذه الكلمات الأخيرة تبرهن أنه لم يوجد مجال لأحد من الناس أن يأتي بعد المسيح مدعياً النبوة وفارضاً علينا إكرامه وطاعته عوضاً عن المسيح الذي قال عن نفسه "السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول" (متى 24: 35 ومرقس 13: 31 ولوقا 21: 33).


يعلمنا آخرون من أنبياء العهد القديم أن المسيح لم يكن فقط نبياً وملكاً ولكنه كان أيضاً كاهناً فكان هو الكاهن الوحيد الذي يقدر أن يقدم للآب السماوي الذبيحة الوحيدة المقبولة من أجل خطايا العالم تلك الذبيحة التي لا تقدّر أمامها كل ذبائح اليهود التي عينها موسى في ناموسه. وهو وحده بحمله خطايانا يقدر أن يشفي أحزان قلوبنا ويضمد جراحاتنا ويعطينا خلاصاً ومنزلاً مع الله أبيه كما يقول صاحب المزامير "اقسم الرب ولن يندم أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق" (مزمور 110: 4) وقد تنبأ دانيال النبي عن زمن موت المسيح (اقرأ دانيال 9: 24-16) (وقال أشعياء إصحاح 53: 5و6و8و11و12) "وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا… أنه ضُرب من أجل ذنب شعبي… من تعب نفسه يرى ويشبع وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها… أنه سكب للموت نفسه وأحصي مع أثمة وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين" وكل من طالع الإنجيل ودرسه درساً جيداً يعرف أنه قد تمت النبوة بموت المسيح يسوع وقيامته- وأن كل ما ذكرناه من آيات العهد القديم مفصل وموضح في العهد الجديد بواسطة الإلهام الإلهي وبعضه قاله المسيح عن نفسه.
والآن لنرجع إلى ذكر آيات العهد القديم المثبتة لألوهية المسيح المنتظر وكثير منها مدون في سفر أشعياء وقد وصف أشعياء النبي رؤيا (مجد) الله الذي يقول عنها الإنجيل رؤيا الرب يسوع المسيح في مجده بقوله "في سنة وفاة عزيا الملك رأيت السيد جالساً على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل السرافيم واقفون فوقه لكل واحد ستة أجنحة باثنين يغطي وجهه وباثنين يغطي رجليه وباثنين يطير وهذا نادى ذاك وقال قدود قدوس قدوس رب الجنود مجده ملء كل الأرض… فقلت ويل لي أني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين لأن عيني قد رأتا الملك رب الجنود" (أشعياء 6: 1-3و5) وقد أشار يوحنا إلى هذه الرؤيا فذكر آيتين من نبوات أشعياء (اقرأ يوحنا 12: 36-41). وإذا كانت رؤيا أشعياء هي رؤيا المسيح في مجده الذي كان له مع أبيه قبل خلق العالم فشهادة العهد القديم لألوهية المسيح واضحة جلية وهذه حقيقة لا تدحض إذ أن الآب لا يمكن أن يُرى بعيني بشر كما هو مكتوب "الله لم يره أحد قد الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر" (يوحنا 1: 18). وأيضاً قيل عنه "ملك الملوك ورب الأرباب… الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه" (1تيموثاوس 6: 15و16) ويقول أشعياء النبي في آية أخرى "العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل (ص 7: 14) وقد ذكر البشير متى هذه الآية وقال أن النبوة قد تمت عن المسيح وقد زاد عليها أن قال "عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا" باللغة العبرية. ورب قائل يقول أن النبي أراد بذكر اسم هذا الابن أو لقبه إظهاراً لحضور الله مع شعبه. ولو لم يذكر أشعياء النبي شيئاً آخر عن ألوهية المسيح لكنا نسلم بهذا الشرح لأن هذا الاسم شائع بن الناس للآن بهذا المعنى، ولكننا نجد أن الله يعلمنا عن ألوهية المسيح المنتظر في مواضع أخرى في سفر أشعياء النبي وهكذا نفهم معنى هذه الآية بكل إيضاح ويكون تفسيرها "وسيكون المسيح الله معنا" ولذا قال المسيح عن نفسه "أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس. الذي رآني فقد رأى الآب" (يوحنا 14: 9).
ورُب قائل يقول أن ألوهية المسيح ليست مثبتة تماماً في هذين الموضعين من سفر أشعياء بل هي استدلالات ونتائج ليس إلا وجواباً على ذلك نقول أن هذا الاستدلال صريح جداً ولو أضيف إليه ما جاء بالعهد الجديد المكتوب بإلهام الروح القدس لكان في هذا القدر كفاية لنا ولكن الله لكي يزيل كل شك تكلم عن لسان أشعياء عن ألوهية المسيح بلغة لا تحتاج إلى إيضاح فقال في نبوة أخرى "لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبديا ( ) رئيس السلام ولنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد غيرة رب الجنود تصنع هذا" (أشعياء 9: 6و7).
والعبارة "ويدعى اسمه" (أو حرفياً يدعو هو اسمه) معناها "سيكون" والآية القائلة إلهاً قديراً أباً أبدياً تشير صريحاً إلى المسيح كما جاء في إنجيل متى إذ يقول في (ص4: 12-16) "وترك الناصرة وأتى فسكن في كفر ناحوم التي عند البحر في تخوم زبولون ونفتاليم لكي يتم ما قيل بإشعياء النبي القائل أرض زبولون وأرض نفتاليم طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم الشعب الجالس في ظلمة أبصر نوراً عظيماً والجالسون في كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نور" "والآية المقتبسة هنا هي بداية العبارة الواردة أعلاه في أشعياء 9".
قبل أن نذكر بعض النبوات الأخرى يحسن بنا أن نذكر آية أخرى من أشعياء. ففي إصحاح 40: 3 يقول "صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب قّوموا في القفر سبيلاً لإلهنا" وقد أشارت بشائر الإنجيل الأربع إلى هذه الآية وقالت أن هذا الصوت هو صوت يوحنا المعمدان أُرسل ليعد طريق الرب يسوع وقد وُلد يوحنا قبل المسيح بستة أشهر وبشر قبل إعلان المسيح نفسه قائلاً "توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات… أنا أعمدكم بماء للتوبة ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه هو سيعمدكم بالروح القدس ونار" (متى 3: 2و11). ولما سأل اليهود يوحنا من هو ولماذا يعمد قال لهم "أنا صوت صارخ في البرية قّوموا طريق الرب كما قال أشعياء النبي… أنا أعمد بما ولكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه هو الذي يأتي بعدي الذي صار قدامي الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه" (يوحنا 1: 23و26و27). ولكي يزيل كل شك في معرفة ذلك الرب الذي كان يعد طريقه والذي كان بمثابة رسول أمامه أعلن المسيح لليهود كما هو مكتوب "وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلاً إليه فقال هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم هذا هو الذي قلت عنه يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي وأنا لم أكن أعرفه لكن ليظهر لإسرائيل لذلك جئت أعمد بالماء وشهد يوحنا قائلاً أني قد رأيت الروح نازلاً مثل حمامة من السماء فاستقر عليه وأنا لم أكن أعرفه لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله وفي الغد أيضاً كان يوحنا واقفاً هو اثنان من تلاميذه فنظر إلى يسوع ماشياً فقال هو ذا حمل الله فسمعه التلميذان فتبعا يسوع" (يوحنا 1: 29-37).


كان هذان تلميذي يوحنا المعمدان وكان أحدهما البشير يوحنا الحبيب الذي كتب بواسطة إعلان الروح القدس كل ما سمعه بأذنه من يوحنا المعمدان. وهنا نتعلم مما ذكرناه أن الشخص الذي كان مزمعاً أن يعد الطريق أمامه قد سماه أشعياء يهوه أي الرب والله (اقرأ إصحاح 40: 3) وفي هذا تأييد لألوهية المسيح المنتظر الرب يسوع المسيح.
ولنرجع الآن إلى النبي ميخا الذي كان معاصراً للنبي أشعياء وقد ذكر ميخا اسم الموضع المزمع أن يولد فيه المسيح المنتظر وصرح بوجوده منذ الأزل كما قال "أما أنت يا يبت لحم افراته وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل" (ميخا 5: 2) وقد فهم اليهود المعاصرون للمسيح أن هذه الآية تشير إلى مسيا المنتظر حقاً إذ لما تشاور هيرودس الملك مع الكهنة والكتبة وسألهم أين يولد المسيح أجابوه "في بيت لحم اليهودية" وذكروا له هذه الآية إثباتاً لأقوالهم وأيضاً في ترجوم يوناثان وكذلك في التلمود الأورشليمي وفي تفاسير قمخي وتنخوم وأبانيل يُقال أن المذكور في هذا المقام هو الملك المسيح- وعدم قبول اليهود للمسيح بصفته المسيا الحقيقي لا يؤثر أبداً في تفسيرهم لهذه الآية وقد بين ميخافي نبواته عن المسيح "أن مخارجه ( ) منذ القديم منذ أيام الأزل" وهذه الأقوال تؤيد صريحاً أن المسيح كان منذ الأزل وهذا إثبات صريح لذاته الإلهية لأن الله لا سواه هو الكائن منذ الأزل كما يقول صاحب المزامير "منذ الأزل إلى الأبد أنت الله" (مز 90: 2) وهذا ينطبق تماماً على ما في (يوحنا 1: 1و2) "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله هذا كان في البدء عن الله" ويعلمنا النبي أرميا عن ألوهية المسيح بقوله "ها أيام تأتي يقول الرب وأقيم لداود غصن بر فيملك ملك وينجح ويجري حقاً وعدلاً في الأرض في أيامه يخلص يهوذا ويسكن إسرائيل آمناً وهذا هو اسمه الذي يدعونه به الرب برنا" (أرميا 23: 5و6).
أن الشرح اليهودي القديم المسمى "الترجمة الآرامية" يقول أن العبارة "وأقيم لداود غصن بر" معناها "وأقيم لداود مسيا البار" ويقول ربي داود قمخي المفسر اليهودي المشهور أن "الغصن" معناه المسيح وهنا أيضاً العبارة الأخيرة التي تقول "الرب برنا" لا تثبت صريحاً ألوهية المسيح ولكن لو أضفنا إليها ما سبق ذكره من الآيات العديدة لتوصلنا إلى المعنى العميق المقصود. وهذه النبوة التي نحن بصددها الآن تشير إلى الحوادث التي ستحدث عند مجيء الرب يسوع المسيح ثانية عندما يقبله الإسرائيليون ويجدون فيه السلام.
وأننا نجد أيضاً آيتين مهمتين إثباتاً لألوهية المسيح في نبوات زكريا قال في الأولى منهما "وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون إلى الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره" (زكريا 12: 10). إن الترجمة اليونانية السبعينية القديمة التي عملت قبل ميلاد المسيح بزمن طويل تقول "وينظرون إلي" كما في الأصل العبراني الذي يستعمله اليهود. ولو صح ذلك فكان الله يشير إلى اتحاده ووحدته مع كلمته الذي جاء إلى العالم وطُعن على الصليب ولكن توجد بعض الكتب العبرانية تقول "وتنظرون إليه" بدلاً من "تنظرون إلي" ويمكنا اعتبار هذه صحيحة أيضاً لأن يوحنا ذكرها في إنجيله ولكن علماء المسيحيين يعتبرون غموض هذه الآية والتباسها ولذا نقول لهم أن لا أهمية لها ما دام توجد آيات كثيرة في العهد القديم تظهر صريحاً ألوهية المسيح أما الآية الثانية الموجودة في (زكريا 13: 7) تقول "استيقظ يا سيف على راعي وعلى رجل رفقتي يقول رب الجنود اضرب الراعي فتتشتت الغنم" أما معنى هذه الآية فلا يحتاج إلى إيضاح وقد ذكر المسيح جزءاً منها في الليلة التي كانت قبل صلبه فظهر أنها تشير إليه وإلى تلاميذه إذ قال "أن كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة لأنه مكتوب أني أضرب الراعي فتتبدد الخراف" (مرقس 14: 27) ونلاحظ هنا أن الله تكلم عن المسيح في نبوات زكريا كراعيه بل وأكثر من ذلك كرفيقه وصاحبه فمن من البشر أعطي له لقب كهذا؟- ذلك موضح في الإنجيل إذ يقول المسيح "أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف… أما أنا فإني الراعي الصالح وأعرف خاصتي وخاصتي تعرفني كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب وأنا أضع نفسي عن الخراف… أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي. أنا والآب واحد… أن الآب فيّ وأنا فيه" (يوحنا 10: 11و14و29و30و38). ولو قارنا أقوال المسيح نفسه وبما كتبه النبي زكريا في هذا الشأن لوجدنا المعنى ظاهراً واضحاً وأن العهدين القديم والجديد متفقان كل الاتفاق على ألوهية كلمة الله.
نقرأ أيضاً في أخر سفر من أسفار العهد القديم وهو نبوة ملاخي ما يأتي "هاأنذا أرسل ملاكي فيهيئ الطريق أمامي ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تسرون به هوذا يأتي قال رب الجنود" (ملاخي 3: 1) ويقول ابن عزرا المفسر اليهودي أن الرب يقصد بهذا الملاك ملاك العهد وأن ملاك العهد هو مجد الرب الذي ظهر في السحاب" (خروج 16: 19) وأن تلك السحابة هي "التي حلت على خيمة الاجتماع" (خروج 40: 34) والتي قادت بني إسرائيل في البحر الأحمر وفي البرية علامة على حضور الله معهم وقال ربي سليمان يرخي المشهور براشي أحد مفسري اليهود أيضاً أن "السيد" معناه "إله القضاء" أما ربي داود قمخي فيقول أن"السيد" معناه "مسيا الملك" وهذه التفاسير كلها متفقة مع أقوال العهد الجديد كما سنرى الآن وتظهر صريحاً ألوهية المسيح.
قال المسيح لتلاميذه أن الجزء الأول من هذه الآية يشير إلى يوحنا المعمدان (اقرأ متى 11: 10 ولوقا 7: 27 ومرقس 1: 2) ولما امتلأ زكريا بالروح القدس تنبأ عن ابنه يوحنا فقال "وأنت أيها الصبي نبي العلي تُدعى لأنك تتقدم أمام وجه الرب لتعد طرقه" (لوقا 1: 76). هذه الآية لا تبين فقط أن يوحنا المعمدان هو الملاك الذي تكلم عنه ملاخي ولكن تبين أيضاً أن الشخص الذي كان مزمعاً أن يهيئ الطريق أمامه هو الرب وهذه حقيقة ظاهرة لان المتكلم هنا هو"رب الجنود" ويقول عن يوحنا المعمدان "فيهيئ الطريق أمامي" فمما لا يحتاج إلى بينة الآن أن الشخص الذي أعد يوحنا المعمدان أمامه الطريق هو يسوع المسيح كلمة الله.


وإذ قد عرفنا شهادة التوراة والأنبياء يجب أن نقتبس بعض الآيات التي جاءت في المزامير ولنكتف بثلاث منها ففي المزمور الثاني (عدد 7و8و12) يقول "أني أخبر من جهة قضاء الرب قال لي أنت ابني أنا اليوم ولدتك اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً لك وأقاصي الأرض ملكاً لك… قبلوا الابن لئلا يغضب فتبيدوا من الطريق".
وهذا يشير إلى المسيح إذ قد جاءت هذه الآية القائلة "أنت ابني أنا اليوم ولدتك" ثلاث مرات في العهد الجديد وقد ذكرت إيماء لوجود المسيح منذ الأزل وإثباتاً لقيامته من الأموات قال ربي سليمان يرخي أن مفسري اليهود قديماً يشيرون بهذه الأقوال إلى مسيا الملك وأن كان اعتقاده مخالفاً لاعتقادهم- وإثباتاً لهذه الآية قال المسيح عن نفسه "دُفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض" أما قول المزمور "قبلوا الابن" فمعناه "اخضعوا له كملك" ونتيجة الكلام أن هذه الآية تظهر أن مسيا المنتظر كلمة الله هو ابن الله باتفاقها مع ما جاء في العهد الجديد.
يقول أيضاً المزمور الخامس والأربعون عن مسيا المنتظر "كرسيك يا الله إلى دهر الدهور قضيب استقامة قضيب ملكك أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك" (مزمور 45: 6و7).
وقد قال الرسول للعبرانيين أن هذه الأقوال تشير إلى المسيح وهي مؤيدة لألوهيته وكل تفسير غير هذا لا يفي بالمطلوب وقد وصف هذا المزمور اتحاد المسيح بكنيسته كعروس كما هو موصوف في سفر الرؤيا (اقرأ رؤيا 21: 2و9و10 وص22: 17).
يقول أيضاً المزمور المائة والعاشر عدد 1 "قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك"
وقد أشار العهد الجديد بهذه الأقوال إلى صعود المسيح وقال أنها مكتوبة عنه كما قال الإنجيل (متى 22: 41-46) "وفيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلاً ماذا تظنون في المسيح ابن من هو قالوا له ابن داود قال لهم فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان داود (وهو نبي وملك) يدعوه "رباً" فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة" من هذه الأقوال يظهر أن مقام مسيا هو أعظم من مقام داود بل وظاهر أيضاً أن الشخص الذي يجلس عن يمين الله لا يمكن أن يكون أبداً إنساناً بشرياً ولا يمكن الرد على سؤال المسيح هذا إلا إذا تأملنا نبوات العهد القديم جيداً- ولو علمنا أن النبي أشعياء يسمي "مسيا عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام (عمانوئيل) وأن مخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل" لفهمنا أنه بعد موته على الصليب من أجل خطايانا وقيامته من الأموات لأجل تبريرنا لابد وأن يرجع إلى أبيه ليقاسمه المجد الذي كان له قبل تأسيس العالم. ولا يمكنا أن
نفهم كلام هذا المزمور إلا إذا سلمنا بألوهيته. وغير هذه وتلك توجد آيات أخرى كثيرة في العهد القديم تشير لظهور الله في هيئة منظورة لأسلاف الإسرائيليين ولأنبيائهم كإبراهيم خليله وموسى كليمه. ولكن نقرأ في الإنجيل أن الله هو غير منظور (اقرأ يوحنا 1: 18) إذ يقول "الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر" اقرأ أيضاً (يوحنا الأولى 4: 12 ويوحنا 6: 46 و1تيموثاوس 6: 16 مع المقارنة بمتى 11: 27).
ولابد أن يكون لهذا التناقض إيضاح فلو رجعنا إلى التراجم اليهودية لوجدنا أن العبارة "ظهر الله" باللغة العبرانية مترجمة هكذا "ظهر كلمة الله" ( ) وهذا يجعلنا نفهم أن الأقنوم الإلهي الذي ظهر لبعض عبيده في العهد القديم والذي أرسل أنبياءه هوهو بعينه كلمة الله الذي جاء إلى الأرض على هيئة إنسان وهو الرب يسوع المسيح. وكلمة الله هذا هو الواسطة التي جعلت الإنسان في شركة مع الله العلي الآب السماوي منذ خلق العالم ولما قال المسيح "ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي) (يوحنا 14: 6) لم يغير في طريقة الاقتراب لله الآب بل بيّن تلك الطريقة التي لم تزل الطريقة الوحيدة منذ إنشاء العالم. أن اللفظة "ملاك" ذُكرت في العهد القديم إشارة إلى كلمة الله عند ظهوره للأنبياء والرؤساء ومع أنه كان يظهر لهم في هيئة ملاك كانت له الذات الإلهية ولنأت بذكر بعض الآيات إيضاحاً لذلك.
ذكر الإصحاح الثامن عشر من سفر التكوين شفاعة إبراهيم قبل خراب سدوم وعمورة ففي عدد 2 يقول "فرفع عينيه ونظر وإذ ثلاثة رجال واقفون" وتكلم إبراهيم معهم وفي الإصحاح التالي ذكر أن اثنين من هؤلاء الثلاثة كانا ملاكين ويقول الإصحاح الثامن عشر أن الثالث منهم كان "الرب" وقد ذهب الملاكان إلى سدوم لخلاص لوط وبقي الرب الذي كان معهما على هيئة إنسان أو ملاك مع إبراهيم خليل الله.
ذكر أيضاً الإصحاح الثاني والثلاثون من هذا السفر مصارعة يعقوب للملاك أو الإنسان (اقرأ عدد 24و28و30) وقد أشار هوشع في نبواته إلى هذه الحادثة ومن أقواله نفهم أن ذلك الملاك الذي كان يصارعه هو "الله" أو "الرب" قال هوشع (ص12: 3-4) "وبقوته جاهد مع الله- جاهد مع الملاك وغلب بكى واسترحمه وجده في بيت إيل وهناك تكلم معنا والرب إله الجنود يهوه اسمه"
تكلم أيضاً الإصحاح الثالث من سفر الخروج عن إعلان الله لموسى وهناك نجد أن المتكلم الإلهي يدعى أحياناً رباً وأحياناً ملاك الرب فيقول في (خروج 3: 2و4و6) "وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عليقة فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق… فلما رأى الرب أنه مال لينظر ناداه الله من وسط العليقة وقال موسى موسى… ثم قال له أنا إله أبيك إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله".
نقرأ أيضاً في الإصحاح الثالث عشر من الخروج أنه لما خرج بنو إسرائيل من أرض مصر "كان الرب يسير أمامهم نهاراً في عمود سحاب ليهديهم في الطريق وليلاً في عمود نار ليضيء لهم" (خروج 13: 21) وأيضاً في الإصحاح الرابع عشر عدد 19 "فانتقل ملاك الله السائر أمام عسكر إسرائيل وسار وراءهم" وبعد أن أعطى موسى لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بإصبع الله عندما عبد الإسرائيليون العجل الذهبي قال الله له "هوذا ملاكي يسير أمامك" (خروج 32: 34) وقد تم ذلك بإرسال عمود سحاب نزل ووقف عند باب الخيمة ويقول بعد ذلك "ويكلم الرب موسى وجهاً لوجه كما يكلم الرجل صاحبه" (خروج 33: 11).
وهنا نرى أيضاً أن المتكلم الإلهي قد أعطي لقب الله الذي لا ينطق به أحد مع أنه قيل عنه أنه ملاك الله ويزيدنا العهد الجديد إيضاحاً لأن المسيح تكلم عن نفسه أنه مُرسل من قِبل الله أبيه. اقرأ أيضاً عن ظهورات أخرى في (يشوع 5: 14 والقضاة 2: 1).
ربما يسأل بعض القراء هذا السؤال "إذا كانت ألوهية المسيح كلمة الله ظاهرة واضحة في العهد القديم فلِم رفضها اليهود لما جاء إلى العالم ولِم يرفضون قبول المسيح الآن؟" ورداً على هذا يجب أن نبين أن الكثيرين من اليهود قد قبلوا المسيح- يجب أن نعلم أن جميع الحواريين كانوا يهوداً كما كان أيضاً من قبلهم تلاميذ المسيح الأولون وبعد صعود المسيح قبله الألوف وعشرات الألوف من يهود أورشليم نفسها وغيرها أيضاً بل وفي زمننا الحاضر نجد كثيرين من اليهود آمنوا بتعاليم المسيح وصاروا أعضاء في الكنيسة المسيحية بل وأكثر من ذلك أن كبار المفكرين منهم وصلوا إلى نتيجة واحدة بعد أن درسوا العهد القديم وتصفحوا العهد الجديد وهذه النتيجة هي إما أن يؤمنوا أن يسوع المسيح هو مسيا المنتظر الذي وعد الله به آباءهم أو أن يقطعوا كل رجاء بإتمام هذا الوعد أي إما أن يصيروا مسيحيين وإما أن ينكروا إله آبائهم وبناء على ذلك قد صار الكثيرون كفرة ولكننا نشكر الله إذ وجد عدد ليس بالقليل قبلوا المسيح وآمنوا به والسبب الذي جعل اليهود لم يقبلوا المسيح وهو على الأرض هو أن محبة العالم قد أعمت قلوبهم وكل ما كانوا يطلبونه أن تكون لهم مملكة دنيوية وأن يكون لهم مسيا يقودهم إلى النصر ويخضع لهم الممالك المجاورة ويسلبها الغنائم ولم يفهموا تعاليم العهد القديم الروحية المختصة بمسيا المنتظر لذلك لم يقتربوا إلى المسيح حينما قادهم إلى طريق الخلاص من الخطية والشيطان- إن العالم أعمى قلوبهم فأرادوا مخلصاً ينقذهم من الملوك الأرضيين ولكن سيأتي يوم كما هو مكتوب يجيء فيه المسيح بقوة ومجد عظيم ويقبله اليهود مخلصاً لهم (اقرأ رومية 11: 5-32 و2كورنثوس 3: 13-16 ورؤيا 1: 7) وقد ظهرت علامات كثيرة لمجيء يسوع المسيح السريع هذا وهذه العلامات لا تخفى إلا على كل من هو أعمى بالروح.
وفي ختام هذا الفصل يجب أن نبين أن إبراهيم عند شفاعته عن أهل سدوم وعموره لقب الله
"بديان كل الأرض" (تكوين 18: 25) وقد قال المسيح أنه يدين العالم بنفسه في اليوم الأخير قال في (يوحنا 5: 22و27) "لأن الآب لا يدين أحداً بل قد أعطى كل الدينونة للابن … وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً لأنه ابن الإنسان" وهذا برهان آخر على أن الله الذي أعلن نفسه لإبراهيم هو كلمة الله وقد دعي باسم الله الذي لا يشركه فيه أحد. وقد أثبت المسيح ذلك في قوله "الحق الحق أقولك لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن."
أنه ظاهر في العهد القديم أن الله لما أعلن نفسه لآدم أب البشر ولنوح وإبراهيم واسحق ويعقوب ولموسى وللأنبياء الآخرين كان المتكلم الإلهي أزلياً وهو كلمة الله الذي ظهر في هيئة ملاك أو إنسان وفي ملء الزمن "صار جسداً وحل بيننا" ثم تجسد في المسيح يسوع ربنا وبواسطة ذلك الذي هو مُظهر الله الحق كلم الله سبحانه وتعالى خلقه.
والآن قد تبين مما ذكرناه من آيات العهد القديم والعهد الجديد أن الكتاب المقدس يعلمنا تعليماً صريحاً عن ألوهية كلمة الله أو بالحري الرب يسوع المسيح ونؤمل أن جميع القراء الكرام يدرسون هذه الحقيقة بإمعان كما جاءت في الكتاب المقدس ولنا ملء الثقة أن من يفتش عن الحق بكل جوارحه لابد وأن يجده في المسيح وليس في سواه. نعم قد يعمي التعصب بصيرة الإنسان ويضله عن تعليم الكتاب المقدس ولكن الله برحمته الغير محدودة مستعد لأن يرفع ذلك الحجاب الكثيف عن عيني كل من يصلي إليه بإخلاص وبسلامة النية طالباً الإرشاد منه.
ولكي تكون تعاليم ألوهية المسيح أكثر وضوحاً نتكلم بمشيئة الله ومساعدته في الباب الثاني عن تعليم الثالوث الأقدس في الوحدة الإلهية.

  • عدد الزيارات: 18549

تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.