مصادر الإسلام

تأثيرات الصابئين واليهود

الفصل الثالث

تأثيرات الصابئين واليهود

لما شرع محمد في ادعاء النبوة، وبذل كل ما في وسعه لإبعاد قومه عن عبادة الأصنام وإرجاعهم إلى دين إبراهيم، لم يكن عند العرب كتاب وحي إلهي يُعوِّل عليه جميع قبائل العرب أو يتخذونه قانوناً ودستوراً لهم. فكان يصعب جداً إصلاح ما فسد واختل من ديانتهم، وكان رأب هذا الصدع في غاية الصعوبة. ومع ذلك فقد كان بينهم ثلاث طوائف تتداول كتباً دينية هي الصابئون، واليهود، والنصارى، لكل طائفة منها نفوذ وشأن في الديانة الإسلامية، التي كانت في ذلك العصر شبيهة بطفل مولود حديثاً.


الصابئون:

لم يبقَ أثرٌ لديانة الصابئين، فقال أبو الفداء في كتابه «التواريخ القديمة من المختصر في أخبار البشر»:

«ذكر أمة السريان والصابئين من كتاب أبي عيسى المغربي قال: أمة السريان هي أقدم الأمم، وكان كلام آدم وبنيه بالسرياني، وملّتهم هي ملة الصابئين، ويقولون إنهم أخذوا دينهم عن شيث وإدريس، ولهم كتاب يعزونه إلى شيث يذكر فيه محاسن الأخلاق، مثل الصدق والشجاعة والتعصب للغريب، وما أشبه ذلك. ويذكر الرذائل ويأمر باجتنابها. وللصابئين عبادات منها سبع صلوات، منهن خمسٌ توافق صلوات المسلمين، والسادسة صلاة الضحى، والسابعة صلاة يكون وقتها في تمام الساعة السادسة من الليل. وصلواتهم كصلاة المسلمين من النية وأن لا يخلطها المصلي بشيء من غيرها. ولهم الصلاة على الميت بلا ركوع ولا سجود. ويصومون ثلاثين يوماً، وإن نقص الشهر الهلالي صاموا تسعة وعشرين يوماً. وكانوا يراعون في صومهم الفطر والهلال، بحيث يكون الفطر وقد دخلت الشمس برج الحمل. ويصومون من ربع الليل الأخير إلى غروب قرص الشمس. ولهم أعياد عند نزول الكواكب الخمسة المتحيرة بيوت أشرافها. والخمسة المتحيرة هي زحل والمشترى والمريخ والزهرة وعطارد. ويعظمون بيت مكة».
فيتضح من هذا أن المسلمين أخذوا من قدماء الصابئين الصيام والصلوات الخمس وغيرها من الفرائض.


 اليهود:

كان لليهود في عصر محمد، ولا سيما قبل الهجرة، سطوة عظيمة في بلاد العرب، وكانوا أيضاً كثيري العدد. ومن أشد القبائل اليهودية بأساً وأعظمها شأناً بنو قريظة وبنو قينقاع وبنو النضير. ولما اتضح أنهم مصممون على عدم الاعتراف بنبوَّة محمد ورسالته، نشبت بينهم وبين المسلمين معارك، وبكل صعوبة ومشقة تمكَّن المسلمون من أن يغلبوهم بقتلهم أو طردهم من بلاد العرب. ومع أن أولئك اليهود لم يكونوا مشهورين بالمعارف، إلا أنهم حافظوا بغاية الحرص على كتب أنبيائهم، مثل خمسة أسفار موسى ومزامير داود وغيرها. ولهذا السبب قيل عنهم (وعن النصارى أيضاً) في القرآن إنهم «أهل الكتاب». ومع أن كثيرين منهم لم يكونوا يعرفون اللغة العبرية حق المعرفة، إلا أنهم نقلوا (كاليهود القاطنين في مصر وغيرها) بطريق التواتر كثيراً من القصص والروايات الموجودة في التلمود وغيره من الخرافات الباطلة. وكثيراً ما كانوا يكررونها، مع أنه لا أصل لها في توراتهم، عوضاً عن ذكر تعاليم الوحي الإلهي المدونة في الكتب السماوية. وما ذلك إلا لعدم فهمهم لشريعة موسى وسائر الكتب الربانية. وكانت العرب في أيام الجاهلية يراعون مقام اليهود، لأنهم كانوا متأكدين أنهم ذرية إبراهيم خليل الله، وأنهم كانوا لا يزالون حفظة كلمة الله.

فلما رأى محمد أن عبادة الأصنام ليست مناسبة، بل مكروهة أمام الله الواحد، ولما كان قد عزم على إرجاع قومه إلى دين إبراهيم الخليل، فالأرجح أنه وجَّه أنظاره إلى اليهود للاستفادة منهم. فاستفهم منهم عن عقائد دين إبراهيم وفرائضه. وإذا قارنا بين التعاليم والأخبار الواردة في القرآن والأحاديث، وبين التعاليم والقصص والحكايات التي كانت متداولة بين اليهود في تلك العصور يتضح لنا العلاقة والارتباط والمشابهة العجيبة. وما يؤيد أن محمداً تعلم من اليهود وأخذ عنهم كل ما أمكنهم أن يفيدوه به عن دين إبراهيم هو ورود آيات كثيرة في القرآن نصَّ فيها صريحاً بأن دين إبراهيم كان حقاً. وزِد على ذلك أنه شهد أن الله هو الذي أنزل كتب اليهود الموحى بها، وأن عندهم الديانة الحقيقية، فقال: «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا: آمنا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون» (سورة العنكبوت 29:46). «قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسمعيل ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم. لا نفرِّق بين أحدٍ منهم، ونحن له مسلمون» (سورة البقرة 2:136). وبناءً على اقتناع محمد بصحَّة هذا الاعتقاد جعل بيت المقدس (أورشليم) في مبدأ الأمر قِبلة للمسلمين، لأنها كانت قِبلة اليهود.

وقد ردَّ بعض علماء المسلمين على أن محمداً أخذ من اليهود التعاليم والقصص الواردة في القرآن، والتي تشبه التعاليم والقصص الواردة في التلمود وفي كتب اليهود الأخرى بقولهم إن محمداً تسمَّى في (سورة الأعراف 7:157) «النبي الأمي» لعدم معرفته القراءة والكتابة، وعليه فهو لم يقرأ كتب اليهود. فكيف اقتبس منها تعاليمه؟

ونردُّ على ذلك بأن سبب تسميته «الأمي» هو أنه لم ينشأ بين اليهود بل نشأ بين الأمم، وقد اعتاد اليهود أن يطلقوا لقب «الأمم» على كل من لم يكن يهودياً، كما كان العرب يطلقون لقب «العجم» ليس على الفارسي فقط، بل على كل من لم يكن عربياً. ومعنى «عجمي» في الأصل «من ليس ذلق اللسان وفصيح المنطق». فإذا قرأنا في بعض الكتب العربية أن حافظ الشيرازي كان عجمياً، فليس المقصود أنه لم يكن فصيحاً، بل أنه لم يكن من العرب. وإذا فرضنا جدلاً أن محمداً كان أمياً لا يعرف القراءة ولا الكتابة، فهل كان يبعد عليه أن يستفهم من غيره فيعرف تعليم اليهود وعقائدهم؟ ولا شك أن هذا كان متيسِّراً له، ولا سيما أن بعض الصحابة كعبيد الله بن سلام وحبيب بن ملك وورقة بن نوفل كانوا من اليهود، أو يدينون بدين اليهود أولاً، ثم آمنوا بمحمد. ومع أنه لم يكن لهم إلمام تام بحقائق تعاليم العهد القديم الصحيحة، إلا أنهم كانوا يعرفون على الأقل بعض القصص والحكايات والخرافات التي كانت متداولة في تلك الأيام بين اليهود، وبلغت مبلغ التواتر. وإذا قارنا بين القرآن وبين تلك القصص المدوَّنة في التلمود وفي غيره من الكتب المشحونة بالأوهام التي لا تزال متداولة بين اليهود، اتضح لنا أن محمداً استعارها من كتب اليهود الفارغة. نعم لا ننكر أنه كثيراً ما ورد في القرآن أخبار عن سيرة إبراهيم وغيره من الأفاضل أكثر مما ورد في أسفار موسى الخمسة، ولكن أورد معارضو الإسلام القصص الآتية ليؤيدوا بها أن القرآن اقتبس قصصه وحكاياته من خرافات اليهود الفارغة:


 (1) قصة قايين وهابيل:

لم يذكر القرآن صريحاً اسم ابني آدم، ولكنه أورد قصتهما، ونصُّها: «واتلُ عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتُقبل من أحدهما ولم يُتقبل من الآخر. قال: لأقتلنَّك. قال: إنما يتقبل الله من المتَّقين. لئن بسطتَ إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدي إليك لأقتلك. إني أخاف الله رب العالمين. إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين. فطوَّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين. فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه. قال: يا ويلتي! أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي. فأصبح من النادمين. من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً» (سورة المائدة 5:27-32).

وقد روى اليهود روايات مختلفة بطرق شتى عما دار بين قايين وهابيل من هذه المحاورة الوهمية، فورد في ترجوم يوناثان بن عزيا، وفي الترجوم المسمى بيروشلمي، أن قايين (واسمه في الكتب العربية قابيل) قال: «لا عقاب ولا حساب على الخطية، ولا ثواب ولا مجازاة على الصلاح». غير أن هابيل اعترف بوجود عقاب وثواب، لذلك ضرب قايين أخاه بحجر وقتله. وورد في كتاب «فرقى ربي اليعزر» (فصل 21) ما ورد في القرآن بخصوص دفن جثة هابيل، إلا أن الغراب الذي وارى القتيل (في الرواية اليهودية) علَّم آدم (وليس قابيل) كيف يواري الجثة. وهاك نص الرواية اليهودية:

«كان آدم ومعينته (حواء) جالسين يبكيان ويندبان عليه (على هابيل) ولم يعرفا ماذا يفعلان بهابيل لأنهما لم يعرفا الدفن. فأتى غراب، كان أحد أصحابه قد مات، وأخذه وحفر في الأرض ودفنه أمام أعينهما. فقال آدم: سأفعل كما فعل هذا الغراب. فأخذ جثة هابيل وحفر في الأرض ودفنها».

أما ما ذكر في الآية 32 من السورة المذكورة فلا علاقة بينه وبين ما ذكر في الآيات المتقدمة. ولكن إذا رجعنا إلى كتاب «مشناه سنهدرين» (فصل 4 فقرة 5) رأينا هذه القصة مذكورة بالتفصيل وهي في القرآن ناقصة غير مستوفية. وهكذا تتَّضح العلاقة بين الآية المذكورة أعلاه وبين قصة قتل هابيل، لأن المفسر اليهودي في تفسيره للآية «ماذا فعلتَ؟ صوت دم أخيك (كلمة دم في الأصل العبري للتوراة بصيغة الجمع) صارخٌ إليَّ من الأرض» (تكوين 4:10) قال: «وجدنا قايين الذي قتل أخاه أنه قيل عنه «صوت دماء أخيك صارخٌ إليَّ». فلم يقُل «دم أخيك» بل «دماء أخيك» يعني دمه ودم ذرّيته، ولهذا السبب خُلق آدم وحده ليعلّمك أن كل من أهلك نفساً من إسرائيل فالكتاب يحسبه كأنه أهلك العالم جميعاً. وكل من أحيا نفساً فالكتاب يحسبه كأنه أحيا العالم جميعاً. وقد تُرجمت الآية 32 من سورة المائدة حرفياً تقريباً من أقوال هذا المفسر اليهودي القديم. ولكن بما أن القرآن أخذ نصف هذه الفقرة فقط، فيلزم لفهم معناها الرجوع إلى أصل هذه الآية القرآنية، كما أوضحناه هنا، فيظهر معناها للقارئ بوضوح.


 (2) قصة إنقاذ إبراهيم من نار نمرود:

لم ترد هذه القصة في مكان واحد في القرآن، بل وردت مفرَّقةً مشتَّةً في سُور كثيرة، فوردت في سورة البقرة 2:260 وفي سورة الأنعام 6:74-84 وفي سورة مريم 19:41-50 وفي سورة الأنبياء 21:51-72 وفي سورة الشعراء 26:69-79؛ وفي سورة العنكبوت 29:16؛ وفي سورة الصافات 37:83-112؛ وفي سورة الزخرف 43:26-28؛ وفي سورة الممتحنة 60:4؛ وفي غيرها. ولكن من يقرأ قصة إبراهيم في أوائل كتاب «قصص الأنبياء» أو كتاب «عرائس المجالس» (أو في غيرهما) يجد أن جميع هذه القصص الواردة في القرآن أو في الأحاديث مأخوذة من أحد كتب اليهود المسمى «مدراش رباه». ولبرهنة ذلك نورد أولاً هذه القصة بنصها كما وردت في القرآن و«عرائس المجالس» وغيره ثم نوردها بنصها من الكتاب اليهودي المذكور أعلاه، ثم نقارن هاتين الروايتين الواحدة بالأخرى فينجلي الحق.
قال أبو الفداء في كتابه «التواريخ القديمة من المختصر في أخبار البشر»:
«كان آزر أبو إبراهيم يصنع الأصنام ويعطيها لإبراهيم ليبيعها، فكان إبراهيم يقول: من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ ثم لما أمر الله إبراهيم أن يدعو قومه إلى التوحيد، دعا أباه فلم يُجبه، ودعا قومه. فلما فشل أمره واتصل بنمرود بن كوش وهو ملك تلك البلاد.. أخذ نمرود إبراهيم الخليل ورماه في نار عظيمة، فكانت النار عليه برداً وسلاماً، وخرج إبراهيم من النار بعد أيام، ثم آمن به رجالٌ من قومه».

وورد في «عرائس المجالس»: «لما خرج إبراهيم قبل ذلك من المغارة في الليل رأى الكواكب قبل أن رأى القمر، فقال: «هذا ربي». «فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي. فلما أفل قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي. فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر (لأنه رأى ضوءها أعظم) فلما أفلت قال يا قوم أني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين» (الأنعام 6:76-79).

قالوا: وكان أبوه يصنع الأصنام، فلما ضمَّ إبراهيم إلى نفسه جعل يصنع الأصنام ويعطيها لإبراهيم ليبيعها، فيذهب بها إبراهيم، فينادي: من يشتري ما يضرُّ ولا ينفع؟ فلا يشتري أحدٌ منه. فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فضرب رؤوسها وقال لها: «اشربي. كسَدْتي» استهزاءً بقومه وبما هم عليه من الضلالة والجهالة، حتى فشا عيبه واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته، فحاجَّه قومه في دينه، فقال: «أتحاجّونني في الله وقد هداني؟.. وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه، نرفع درجات من نشاء. إن ربك حكيم عليم» (سورة الأنعام 6:80 و83) حتى خصمهم وغلبهم بالحُجة. ثم أن إبراهيم دعا آباه آزر إلى دينه «فقال يا أبت لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً؟» (سورة مريم 19:42) إلى آخر القصة. فأبى أبوه الإجابة إلى ما دعاه إليه، ثم أن إبراهيم جاهر قومه بالبراءة مما كانوا يعبدون، وأظهر دينه «قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون؟ فإنهم عدو لي إلا رب العالمين» (سورة الشعراء 26:75-77) قالوا: فمن تعبد أنت؟ قال: رب العالمين. قالوا: تعني نمرود؟ فقال: لا، الذي خلقني فهو يهدين. إلى آخر القصة. ففشا ذلك في الناس حتى بلغ نمرود الجبار، فدعاه فقال له: يا إبراهيم، أرأيت إلهك الذي بعثك وتدعو إلى عبادته وتذكر من قدرته التي تعظمه بها على غيره ما هو؟ قال إبراهيم: «ربي الذي يحيي ويميت» (سورة البقرة 2:258) فقال نمرود: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ قال: آخذ رجلين قد استوجبا القتل في حكمي فأقتل أحدهما فأكون قد أمتُّه، ثم أعفو عن الآخر فأكون قد أحييته. فقال له إبراهيم عند ذلك: «إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأْتِ بها من المغرب» (سورة البقرة 2:258) فبُهت عند ذلك نمرود ولم يُجبه.

وبعد ذلك لما أزف وقت وليمة قومه السنوية خرجوا جميعهم من المدينة، فرجع إبراهيم إلى المدينة لحاجة، وكسر أصنامهم جذاذاً، كما ورد في هذه العبارة الآتية من هذا الكتاب: «إذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة وقالوا: إذا كان حين رجوعنا فرجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا أكلنا. فلما نظر إبراهيم إلى الأصنام وإلى ما بين أيديهم من الطعام، قال لهم على طريق الاستهزاء: «ألا تأكلون؟» فلما لم تجبه. قال: «ما لكم لا تنطقون؟ فراغ عليهم ضرباً باليمين» (سورة الصافات 37:91 و92) وجعل يكسرهن بفأس في يده حتى لم يبق إلا الصنم الأكبر، فعلق الفأس في عنقه ثم خرج. فذلك قوله: «فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون» (سورة الأنبياء 21:58) فلما جاء القوم من عبيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوها بتلك الحالة: «قالوا من فعل هذا بآلهتنا؟ إنه لمن الظالمين. قالوا: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم» (سورة الأنبياء 21:59 و60) هو الذي نظنه صنع هذا. فبلغ ذلك نمرود الجبار وأشراف قومه «قالوا: فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون» (سورة الأنبياء 21:61) عليه أنه هو الذي فعل ذلك. وكرهوا أن يأخذوه بغير بيِّنة (قاله قتادة والسُّدي). وقال الضحاك: لعلهم يشهدون بما نصنع به ونعاقبه. فلما أحضروه قالوا له: «أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ قال إبراهيم: بل فعله كبيرهم هذا. غضب من أن تعبدوا معه هذه الأصنام الصغار وهو أكبر منها فكسرهن، فاسألوهم إن كانوا ينطقون» (سورة الأنبياء 21:62 و63) قال النبي: لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات، كلها في الله تعالى. قوله: «إني سقيم» (سورة الصافات 37:89) وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله للملك الذي عرض لسارة: هي أختي. فلما قال لهم إبراهيم ذلك رجعوا إلى نفوسهم فقالوا: «إنكم أنتم الظالمون» (سورة الأنبياء 21:64) هذا الرجل في سؤالكم إياه، وهذه آلهتكم التي فعل بها ما فعل حاضرة، فاسألوها. وذلك قول إبراهيم: «فاسألوهم إن كانوا ينطقون» (سورة الأنبياء 21:63) فلما اتجهت الحجة عليهم لإبراهيم قال لهم: «أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم؟ أف لكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون؟» (سورة الأنبياء 21:66 و67) فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب «قالوا: حرِّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين» (الأنبياء 21:68). قال عبد الله بن عمر: إن الذي أشار عليهم بتحريق إبراهيم بالنار رجل من الأكراد. قال شعيب الجبائي: اسمه ضينون، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. فلما أجمع نمرود وقومه على إحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا له بنياناً كالحظيرة، فذلك قوله: «قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم» (سورة الصافات 37:97) ثم جمعوا له من أصلب الحطب وأضاف الخشب».

ثم ذكر المؤلف كيف أن الله وقى إبراهيم بنعمته من حرارة النار، وخرج منها سالما غانماً. ثم قال: وفي الخبر إن إبراهيم إنما نجا بقوله «حسبي الله، عليه يتوكل المتوكلون» (سورة الزمر 39:38) «حسبنا الله ونعم الوكيل» (سورة آل عمران 3:173). قال الله: «يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم» (سورة الأنبياء 21:69) .

وبما أننا أوردنا هذه القصة بحذافيرها من القرآن والأحاديث علينا أن نوردها من كتب اليهود، ونقارن بين هذه القصة المتواترة بين اليهود وبين ما ذكر أعلاه، ليظهر الفرق بينها:

ورد في «مدراش رباه» (فصل 17 في تفسير تكوين 15:7): «إن تارح كان يصنع الأصنام، فخرج مرة إلى محل ما وأناب عنه إبراهيم في بيعها، فإذا أتى أحد يريد الشراء كان إبراهيم يقول له: كم عمرك؟ فيقول له: عمري خمسون أو ستون سنة، فكان إبراهيم يقول له: ويل لمن كان عمره ستين سنة ويرغب في عبادة الشيء الذي لم يظهر في حيز الوجود إلا منذ أيام قليلة. فكان يعتري الرجل الخجلوينصرف إلى حال سبيله. ومرة أتت امرأة وفي يدها صحن دقيق قمح، وقالت له: يا هذا، ضع هذا أمامهم. فقام وأخذ عصا في يده وكسرها كلها جذاذاً ووضع العصا في يد كبيرهم. فلما أتى أبوه قال له: من فعل بهم كذلك؟ فقال له إبراهيم: لا أخفي عليك شيئاً. إن امرأة أتت ومعها صحن دقيق قمح وقالت لي: يا هذا ضع هذا أمامهم. فوضعته أمامهم، فقال هذا: أريد أن آكل أولاً، وقال ذلك: أريد أنا أن آكل أولاً. فقام كبيرهم وأخذ العصا وكسرهم. فقال له أبوه: لماذا تلفق عليَّ خرافة؟ فهل هذه الأصنام تدرك وتعقل؟ فقال له إبراهيم: ألا تسمع أذناك ما تتكلم به شفتاك؟ فألقى والده القبض عليه وسلَّمه إلى نمرود، فقال له نمرود: فلنعبد النار. فقال له إبراهيم: فلنعبد المياه التي تطفئ النار. فقال له نمرود: فلنعبد المياه: فقال له إبراهيم: إذا كان الأمر كذلك فلنعبد السحاب الذي يجيء بالمياه. فقال له نمرود: فلنعبد السحاب، فقال له إبراهيم: إذا كان الأمر كذلك فلنعبد الرياح التي تسوق السحاب. فقال له نمرود: فلنعبد الرياح. فقال له إبراهيم: فلنعبد الإنسان الذي يقاوم الرياح. فقال له نمرود: إذا كان مرادك المحاولة فأنا لا أعبد إلا النار، وها أنا ألقيك في وسطها، وليأت الله الذي تعبده وينقذك منها. ونزل إبراهيم في أتون النار ونجا».

فإذا قارنا هذه الخرافة اليهودية بالحكاية الواردة في القرآن عن إبراهيم لا نجد بينهما سوى فرقاً طفيفاً جداً، سببه أن محمداً لم يطالع هذه القصة في كتاب ما، بل سمعها شفاهاً من اليهود. ومما يؤيد هذا أن القرآن ذكر أن اسم أب إبراهيم هو «آزر» (سورة الأنعام 6:74) مع أن اسم أبيه في «مدراش رباه» وفي خمسة أسفار موسى هو تارح. ولكن قال يوسابيوس (المؤرخ اليوناني الذي تُرجم تاريخه إلى اللغة السريانية) إن اسم أب إبراهيم هو «آثر» وهو خطأ مبين. والأرجح أن هذا الخطأ نشأ عن تسمية اليهود له في بعض الأحيان «زارح». وبما أن محمداً كان قد سافر إلى بلاد الشام فيمكن أنه سمع بعضهم يسميه «آثر». ولما لم يتذكر صحته تماماً قال إن أبا إبراهيم هو «آزر». ولهذا السبب يكتب الفرس هذا الاسم «آزر» ويلفظونه كأنه مشتق من لغة الفرس القديمة. ومعنى آزر بالفارسية القديمة «نار». وفي اللغة الكلدانية «النار».

قال علماء المسلمين في تفنيد هذا الاعتراض إن ما ذكرتموه يساعدنا مساعدة عظمى على تأييد صحة الإسلام، لأن محمداً لم ينتحل هذه القصة من اليهود ولا من النصارى، بل أنزلها عليه جبريل بالوحي. وبما أن اليهود الذين هم ذرية إبراهيم خليل الله قبلوها، فشهادتهم تؤيد وتصدق على عبارة القرآن في هذه القضية.

غير أن المعترضين المنتقدين ردوا بأنه لم يعتقد بصحة هذه القصة إلا عوام اليهود، أما كل عالِم مدقق فيعرف أن منشأ هذه الخرافة هو الاشتباه واللبس والخطأ، فإن أساس هذه القصة مبني على ما جاء في سفر التكوين، حيث قال الله لإبراهيم: «أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين» (تكوين 15:7). ومعنى أور بلغة البابليين القديمة «مدينة». وجاءت جزءاً من كلمة «أورشليم» ومعناها «مدينة شليم» أي «مدينة إله السلام». واسم أور الكلدانيين الآن «المغيَّر» وكان إبراهيم أولاً ساكناً في هذه المدينة. ولكن توجد في اللغة العبرية والأرامية والكلدانية لفظة أخرى وهي «أَوْر» تشبه «أور» في النطق والكتابة، غير أن معنى «أور» في اللغة العبرية «النور».

وبعد تدوين التوراة بسنين عديدة جاء مفسرٌ يهودي، اسمه يوناثان بن عزييل، لم تكن له أدنى معرفة بلغة البابليين القديمة، وأخذ يترجم هذه الآية إلى اللغة الكلدانية، فقال: «أنا الرب الذي أخرجك من تنور نار الكلدانيين»! وقال هذا المفسر الجاهل في تفسيره على تكوين 11:38 «لما طرح نمرود إبراهيم في أتون النار لامتناعه عن السجود لأصنامه لم يؤذن للنار أن تضره».

ومثَل هذا المفسر في الخطأ الذي ارتكبه كمثَل إنسان قرأ في إحدى الجرائد الإنجليزية أن «الرات» أي الفأر نقل الكوليرا إلى المركب. فبدل أن يترجم «الرات» بالفأر (لأن هذا هو معناها باللغة الإنجليزية) ظن أن «الرات» هو الرجل العظيم، فقال إن الرجل العظيم نقل الكوليرا.. إلخ، لأن «الرات» باللغة العربية هي الرجل العظيم، ولم يدر أن الكلمة التي ترجمها أجنبية. فلا عجب من وقوع الجاهل في مثل هذا الغلط الذي بُنيت عليه القصة.

ولكن هل يمكن أن نصدق أن النبي الحقيقي يتوهَّم هذه الخرافة ويدوِّنها في كتابه ثم يدَّعي أن كتابه منزَل من عند الله، وأن الدليل على ذلك هو أنه يتطابق مع كتب اليهود الموحى بها؟ وبصرف النظر عن كل ذلك فنمرود الجبار (حسب كلام موسى الوارد في سفر التكوين) لم يكن في أيام إبراهيم، بل كان قبل مولد إبراهيم بأجيال عديدة. ومع أن اسم نمرود ورد في الأحاديث والتفاسير الإسلامية، إلا أنه لم يرد في هذه القصة الواردة في القرآن ذاته. وواضحٌ أن الذي أدخل اسم نمرود في القصة جاهل بالكتابة والتاريخ، شأنه شأن من يقول إن الإسكندر ذا القرنين ألقى عثمان أحد سلاطين العثمانيين في النار، ولم يقل ذلك إلا لأنه يجهل مقدار الزمان بين الإسكندر وعثمان، ولأنه لم يدرِ أن عثمان لم يُلقَ في النار مطلقاً.


 (3) حكاية ملكة سبا وكيفية مجيئها إلى سليمان:

إذا قارنا بين ما ورد في القرآن بخصوص بلقيس ملكة سبا وما ورد في «الترجوم الثاني عن كتاب أستير» نجد أن اليهود هم الذين أبلغوا محمداً هذه القصة فوقعت عنده موقعاً حسناً، فانشرح منها حتى أدخلها في القرآن، فقال: «وحُشر لسليمان جنوده من الجن والأنس والطير فهم يوزعون.. وتفقد الطير، فقال: مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين؟ لأعذِّبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين. فمكث غير بعيد فقال: أُحطت بما لم تُحط به، وجئتك من سبإ بنبأ يقين. إني وجدت امرأة تملكهم، وأُوتيَت من كل شيء، ولها عرش عظيم. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم فصدَّهم عن السبيل، فهم لا يهتدون. ألا يسجدون لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون. الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم. قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين. اذهب بكتابي هذا فأَلقه إليهم ثم تولَّ عنهم فانظر ماذا يرجعون. قالت يا أيها الملأ ألقيَ إليَّ كتابٌ كريم. إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم. ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. قالت: يا أيها الملأ أفتوني في أمري، ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون. قالوا: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين. قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزَّة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون. وإني مُرسِلة إليهم بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون. فلما جاء سليمان قال: أتمدونني بمال؟ فما آتاني الله خير مما آتاكم، بل أنتم بهديتكم تفرحون. ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قِبل لهم بها، ولنخرجنَّهم منها أذلة وهم صاغرون. قال: يا أيها الملأ، أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟ قال عفريت من الجن: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، وإني عليه لقوي أمين. قال الذي عنده علم من الكتاب: أنا آتيك به قبل أن يرتدَّ إليك طرفك. فلما رآه مستقراً عنده قال: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر. ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم. قال: نكِّروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون. فلما جاءت قيل: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو. وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين. وصدَّها ما كانت تعبد من دون الله أنها كانت من قوم كافرين. قيل لها: ادخلي الصرح. فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها. قال: إنه صرح ممرد من قوارير. قالت: ربي إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين» (سورة النمل 27:17 و 20-44).

هذا ما قاله القرآن عن ملكة سبا. وما ورد في هذه السورة عن العرش العظيم يختلف قليلاً عما ورد في الترجوم الذي ذكرناه، ففيه قيل إن صاحب هذا العرش العظيم كان الملك سليمان، وإنه لا يوجد عرش مثله في مملكة أخرى، لأنه كان له ست درجات ذهب، وعلى كل درجة اثنا عشر أسداً من ذهب، واثنا عشر نسراً من ذهب. وكان يوجد خلافها أربعة وعشرون نسراً أخرى فوق هذا العرش العجيب تلقي ظلها على رأس الملك. ومتى أراد سليمان التوجُّه إلى مكان ما كانت تنزل هذه النسور القوية وتصعد بعرشه وتحمله إلى حيث أراد. فكانت تلك النسور (حسب قول الترجوم) تؤدي الوظيفة التي قام بها عفريت الجن الوارد ذكره في القرآن.

أما ما ورد في «الترجوم» عن ملكة سبا ومجيئها إلى سليمان، والرسالة التي أرسلها إليها الملك وغيره فتوجد مشابهة عجيبة بينه وبين القرآن. غير أن «الترجوم» يسمّي حامل رسالة سليمان ديك الصحراء والقرآن يسميه «الهدهد». مرة أخرى لما انشرح قلب سليمان بخمرهِ، أمر بإحضار حيوانات الصحراء وطيور الهواء وزحافات الأرض والجن والأرواح والعفاريت لترقص أمامه، ليُظهر عظمته لجميع الملوك الذين كانوا خاضعين خاشعين أمامه. فاستدعى كتبة الملك بأسمائهم، فأتوا إليه ما عدا المسجونين والأسرى والرجل الذي فُوِّضت له حراستهم. وكان ديك الصحراء في تلك الساعة يمرح بين الطيور ولم يوجد، فأمر الملك أن يحضروه بالقوة، وهمَّ بإهلاكه، فرجع ديك الصحراء ووقف أمام حضرة الملك سليمان وقال له: «اسمع يا مولاي، ملك الأرض، وأَمِل أذنك واسمع أقوالي. ألم تمض ثلاثة أشهر من حين ما تفكرت في قلبي وصممت تصميماً أكيداً في نفسي أن لا آكل ولا أشرب ماء قبل أن أرى كل العالم وأطير فيه. وقلت: ما هي الجهة أو ما هي المملكة غير المطيعة لسيدي الملك؟ فشاهدت ورأيت مدينة حصينة اسمها قيطور في أرض شرقية، وترابها أثقل من الذهب والفضة كزبالة في الأسواق، وقد غُرست فيها الأشجار من البدء، وهم شاربون الماء من جنة عدن. ويوجد جماهير يحملون أكاليل على رؤوسهم فيها نباتات من جنة عدن لأنها قريبة منها. ويعرفون الرمي بالقوس، ولكن لا يمكن أن يقتلوا بها. وتحكمهم جميعهم امرأة اسمها ملكة سبا. فإذا تعلقت إرادة مولاي الملك فليمنطق حقوي هذا الشخص وأرتفع وأصعد إلى حصن قيطور إلى مدينة سبا، وأنا أقيِّد ملوكهم بالسلاسل وأشرافهم بأغلال الحديد، وأحضرهم إلى سيديالملك».

فوقع هذا الكلام عند الملك موقعاً حسناً، فدُعي كتبة الملك وكتبوا كتاباً ربطوه بجناحي ديك الصحراء، فقام وارتفع إلى السماء وربط تاجه وتقوى وطار بين الطيور. فطاروا خلفه وتوجهوا إلى قلعة قيطور إلى مدينة سبا. واتفق في الفجر أن ملكة سبا كانت خارجة إلى البحر للعبادة، فحجبت الطيور الشمس. فوضعت يدها على ثيابها ومزقتها ودُهشت واضطربت. ولما كانت مضطربة دنا منها ديك الصحراء، فرأت كتاباً مربوطاً في جناحه ففتحته وقرأته، وهاك ما كتب فيه: «مني أنا الملك سليمان، سلام لأمرائك. لأنك تعرفين أن القدوس المبارك جعلني ملكاً على وحوش الصحراء وعلى طيور الهواء وعلى الجن وعلى الأرواح وعلى العفاريت وكل ملوك الشرق والغرب والجنوب والشمال، يأتون للسؤال عن سلامتي. فإذا أردتِ وأتيتِ للسؤال عن صحتي فحسناً تفعلين، وأنا أجعلك أعظم من جميع الملوك الذي يخرون سُجَّداً أمامي. وإذا لم تطيعي ولم تأتي للسؤال عن صحتي أرسل عليك ملوكاً وجنوداً وفرساناً. وإذا قلتِ: ما هم الملوك والجنود والفرسان الذين عند الملك سليمان؟ إن حيوانات الصحراء هم ملوك وجنود وفرسان. وإذا قلت: ما هي الفرسان؟ قلت إن طيور الهواء هي فرسان، وجيوشي الأرواح والجن والعفاريت. هم الجنود الذين يخنقونكم في فرشكم في داخل بيوتكم. حيوانات الصحراء يقتلونكم في الخلاء. طيور السماء تأكل لحمكم منكم».

فلما سمعت ملكة سبا أقوال الكتاب ألقت ثانية يدها على ثيابها ومزقتها، وأرسلت واستدعت الرؤساء والأمراء وقالت لهم: ألم تعرفوا ما أرسله إليَّ الملك سليمان؟ فأجابوا: لا نعرف الملك سليمان، ولا نعتد بمملكته، ولا نحسب له حساباً. فلم تصغِ إلى أقوالهم بل أرسلت واستدعت كل مراكب البحر وشحنتها هدايا وجواهر وحجارة ثمينة، وأرسلت إليه ستة آلاف ولداً وابنة وكلهم ولدوا في سنة واحدة وشهر واحد ويوم واحد وساعة واحدة، وكانوا كلهم لابسين ثياباً أرجوانية. ثم كتبت كتاباً أرسلته إلى الملك سليمان على أيديهم وهذا نصه:

«من قلعة قيطور إلى أرض إسرائيل، سفر سبع سنين. إنه بواسطة صلواتك وبواسطة استغاثاتك التي ألتمسها منك سآتي إليك بعد ثلاث سنين». فحدث بعد ثلاث سنين أن أتت ملكة سبا إلى الملك سليمان. ولما سمع أنها أتت أرسل إليها بنايا بن يهوياداع الذي كان كالفجر الذي يبزغ في الصباح، وكان يشبه كوكب الجلال (أي الزهرة) التي تتلألأ وهي ثابتة بين الكواكب، ويشبه السوسن المغروس على مجاري المياه. ولما رأت ملكة سبا بنايا بن يهوياداع نزلت من العربة، فقال لها: لماذا نزلت من عربتك؟ فأجابته: ألست أنت الملك سليمان؟ فأجابها: لست أنا الملك سليمان بل أحد خدامه الواقفين أمامه. ففي الحال التفتت إلى خلفها ونطقت بمثل للأمراء وهو: إذا لم يظهر أمامك الأسد فقد رأيتم ذريته. فإذا لم تروا الملك سليمان فقد شاهدتم جمال شخص واقف أمامه. فأتى بنايا بن يهوياداع أمام الملك. ولما بلغ الملك أنها أتت أمامه، قام وذهب وجلس في بيت بلوري. ولما رأت ملكة سبا أن الملك جالس في بيت بلوري توهمت في قلبها قائلة: إن الملك جالس في الماء، فرفعت ثوبها لتعبر، فرأى أن لها شعراً على الساقين. فقال لها: إن جمالك هو جمال النساء وشعرك هو شعر الرجل، فالشعر هو حيلة الرجل ولكنه يعيب المرأة. فقالت: يا مولاي الملك، سأنطق لك بثلاثة أمثال. فإذا فسَّرتها لي فأعرف أنك حكيم، وإلا كنت كسائر الناس.. (ففسر لها الملك سليمان الثلاثة الأمثال، فقالت: يتبارك الرب إلهك الذي سُرَّ بك وأجلسك على عرش المملكة لتجري قضاءً وعدلاً. وأعطت للملك ذهباً وفضة، وأعطاها الملك كل ما اشتهت».

فترى في هذه القصة اليهودية أنه ذكر فيها بعض الأمثال التي طلبت ملكة سبا من سليمان حلها. ومع أنه لم يرد لها ذكر في القرآن إلا أنها ذكرت في الأحاديث. وبما أن القرآن لم يستوفِ وصف ساقي الملكة، وجب استيفاء تكملتها من الأحاديث. وهذا ما جاء في كتاب «عرائس المجالس» (ص 438)، فقد ذكر أنه لما أرادت ملكة سبا الدخول إلى قصر سليمان وتوهمت أن البلور ماء، كشفت عن ساقيها لتخوضه إلى سليمان. فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً، إلا أنها كانت شعراء الساقين. فصرف بصره عنها وناداها أنه صرح ممرد من قوارير.

ولقصة ملكة سبا (وفي العبرية شبا) أساس حقيقي، فقد جاءت قصة زيارتها إلى سليمان في الكتاب المقدس، فقال: «وسمعت ملكة سبا بخبر سليمان لمجد الرب فأتت لتمتحنه بمسائل. فأتت إلى أورشليم بموكب عظيم جداً بجمال حاملة أطياباً وذهباً كثيراً جداً وحجارة كريمة، وأتت إلى سليمان وكلمته بكل ما كان بقلبها. فأخبرها سليمان بكل كلامها. لم يكن أمراً مخفياً عن الملك لم يخبرها به. فلما رأت ملكة سبا كل حكمة سليمان والبيت الذي بناه وطعام مائدته ومجلس عبيده وموقف خدامه وملابسهم وسُقاته ومحرقاته التي كان يُصعدها في بيت الرب لم يبق فيها روحٌ بعد. فقالت للملك: صحيحاً كان الخبر الذي سمعتُه في أرضي عن أمورك وعن حكمتك، ولم أصدق الأخبار حتى جئت وأبصرت عيناي. فهوذا النصف لم أُخبَر به. زدتَ حكمة وصلاحاً على الخبر الذي سمعته. طوبى لرجالك وطوبى لعبيدك هؤلاء الواقفين أمامك دائماً السامعين حكمتك. ليكن مباركاً الرب إلهك الذي سُرَّ بك وجعلك على كرسي إسرائيل، لأن الرب أحب إسرائيل إلى الأبد. جعلك ملكاً لتُجري حكماً وبراً. وأعطت الملك مئة وعشرين وزنة ذهب وأطياباً كثيرة جداً وحجارة كريمة لم يأتِ بعد مثل ذلك الطيب في الكثرة الذي أعطته ملكة سبا للملك سليمان» (1ملوك 10:1-10 و2أخبار الأيام 9:5).

فهذا هو أصل القصة، وما زاد على ذلك فهو زيادات وهمية خرافية، كما قرر علماء اليهود أنفسهم. نعم وجد أيضاً في سفري الملوك وأخبار الأيام شيء عن عرش سليمان الرفيع، ولكن لم يرد شيء عن حمله ونقله. وما ورد في القرآن بخصوص حكم سليمان على الجن والعفاريت يطابق ما ورد في كتاب «الترجوم» المذكور سابقاً. ولكن هذه الرواية وهمية، فقد قال علماء اليهود إن هذا المفسر بنى أوهامه على ما اقترفه من الخطأ في ترجمة كلمتين عبريتين هما «شِدّاه وشِدّوْتْ» من سفر الجامعة 2:8. ومعناهما «سيدة وسيدات» لأنه لما كان يندر وجود هاتين الكلمتين في العبرية، خلط هذا المفسر الجاهل بينهما لعدم معرفته بمعناهما الصحيح، فاشتبهتا عليه بكلمتين فسَّرهما بالجن. وكان له إلمام بالكلمتين الدالتين على الجن (وهما شِدو، وشِديم). وكل من تحرى قصة ملكة سبا التي ترجمناها من كتاب «الترجوم» يظهر له بلا شك أن هذه الخرافة تشبه الحكايات الواردة في كتاب ألف ليلة وليلة شبهاً كثيراً. ولكن لما لم يكن محمد عارفاً بذلك، وقد سمع هذه الرواية من اليهود، توهَّم أنهم أخذوها عن التوراة وتلوها عليه، فأوردها في القرآن.


 (4) قصة هاروت وماروت:

مع أن كثيراً من قصص القرآن مستعارة من الخرافات اليهودية، نكتفي بسرد قصة «هاروت وماروت» قبل أن ننتقل إلى الكلام على ما هو أهم من ذلك. ونوردها أولاً من القرآن والأحاديث، ثم ننقل ما ورد منها في كتب اليهود، ونقارنها بعد ذلك بما ورد في القرآن والأحاديث.

قال القرآن: «وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا. يعلّمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا فتنة فلا تكفر» (سورة البقرة 2:102). وقد ورد في «عرائس المجالس» في تفسير هذه الآية:

«قال المفسرون إن الملائكة لما رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة (وذلك في زمن إدريس النبي) عيَّروهم بذلك وأنكروا عليهم، وقالوا لله: إن هؤلاء الذين جعلتهم خلفاء في الأرض واخترتهم يعصونك. فقال تعالى: لو أنزلتُكم إلى الأرض وركَّبتُ فيكم ما ركبت فيهم لفعلتم مثل ما فعلوا. قالوا: سبحانك ربنا ما كان ينبغي أن نعصيك. قال الله: اختاروا مَلَكين من خياركم أُهبِطهما إلى الأرض. فاختاروا هاروت وماروت، وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم. قال الكلبي: قال الله: اختاروا ثلاثة منكم. فاختاروا عزا وهو هاروت وعزابيا وهو ماروت وعزرائيل. وإنما غيَّر اسمهما لما اقترفا من الذنب، كما غيَّر الله اسم إبليس (وكان اسمه عزازيل). فركَّب الله فيهم الشهوة التي ركبها في بني آدم وأَهبطهم إلى الأرض، وأمرهم أن يحكموا بين الناس بالحق، ونهاهم عن الشِّرك والقتل بغير الحق والزنا وشرب الخمر. فأما عزرائيل فإنه لما وقعت الشهوة في قلبه استقال ربه، وسأله أن يرفعه إلى السماء. فأقاله ورفعه. وسجد أربعين سنة ثم رفع رأسه ولم يزل بعد ذلك مطأطأ رأسه حياءً من الله تعالى. وأما الآخران فإنهما ثبتا على ذلك يقضيان بين الناس يومهما، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم، وصعدا إلى السماء. قال قتادة: فما مرَّ عليهما شهر حتى افتتنا، وذلك أنه اختصمت إليهما ذات يوم «الزهرة» وكانت من أجمل النساء. قال عليٌّ: كانت من أهل فارس، وكانت ملكة في بلدها. فلما رأياها أخذت بقلبيهما، فراوداها عن نفسها فأبت وانصرفت. ثم عادت في اليوم الثاني، ففعلاً مثل ذلك، فقالت: لا، إلا أن تعبدا ما أعبد وتصلِّيا لهذا الصنم وتقتلا النفس وتشربا الخمر. فقالا: لا سبيل إلى هذه الأشياء، فإن الله قد نهانا عنها. فانصرفت ثم عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من خمر، وفي نفسها من المَيل إليهما ما فيها، فراوداها عن نفسها فأبت، وعرضت عليهما ما قالت بالأمس، فقالا: الصلاة لغير الله أمر عظيم، وقتل النفس عظيم، وأهون الثلاثة شرب الخمر. فشربا الخمر فانتشيا ووقعا بالمرأة وزنيا بها، فرآهما إنسان فقتلاه.. قال الربيع بن أنس: وسجدا للصنم فمسخ الله الزهرة كوكباً. وقال عليٌّ والسعدي والكلبي إنها قالت: لا تدركاني حتى تعلّماني الذي تصعدان به إلى السماء. فقالا: نصعد باسم الله الأكبر. فقالت: فما أنتما بمدركيَّ حتى تعلمانيه. قال أحدهما لصاحبه: علِّمها، فقال: إني أخاف الله. فقال الآخر: فأين رحمة الله؟ فعلَّماها ذلك فتكلمت به وصعدت إلى السماء، فمسخها الله كوكباً».

فإذا أخذنا في البحث والتحري عن أصل هذه القصة وجدناها في موضعين أو في ثلاثة مواضع من تلمود اليهود، ولا سيما في «مدراش يَلْكوت» (فصل 47) وهاك نص ترجمتها:

«استفهم تلاميذ يوسف الربانيمن أستاذهم عن عزائيل، فقال لهم: لما قام جيل الطوفان (يعني القوم الذين كانوا موجودين في عصر طوفان نوح) ودانوا بالعبادة الباطلة، سخط عليهم القدوس تبارك اسمه. فقام مَلَكان «شمحزاي» و«عزائيل» وقالا بحضرته: يا رب العالم، ألم نقل لك بحضرتك لما خلقت عالمك: من هو الإنسان حتى تذكره؟ (مزمور 8:4). فقال لهما: وأما العالم فماذا يحصل له؟ فقالا له: يا رب العالم نتسلط عليه. فقال لهما: إنه مكشوف ومعلوم بأنه إذا تسلطتم على الأرض تتسلط عليكم الشهوة الردية، وتكونون أكثر من بني آدم عناداً. فقالا له: ائذن لنا أن نسكن مع الخلائق، وترى كيف نقدس اسمك. فقالا لهما: اهبطا واسكنا معهم. فنظر شمحزاي صبية واسمها إسطهر (أستير) فشخص وقال لها: أطيعيني. فقالت له: لا أصغي لك ما لم تعلمني الاسم المختص (بالله) الذي في ساعة ذكرك إياه أصعد إلى الفلك. فعلمها إياه، فذكرته وصعدت إلى الفلك أيضاً ولم تدنِّس عرضها. قال القدوس تبارك اسمه: بما أنها نزهت نفسها عن التجاوز فاذهبوا واجعلوها بين السبعة الكواكب لتكونوا طاهرين من جهتها إلى الأبد. فوُضعت بين الثريا. وتنجَّسا مع بنات آدم اللواتي كنَّ جميلات ولم يقدرا على قمع شهوتهما، فقاما واتخذا زوجات وولدا ولدين (هوآء) و(هيآء). فاستعان عزائيل بالحلي المتنوعة وأنواع زخرفات النساء المبهرجة على إغواء بني آدم وإغرائهم على اقتراف التعدّي. (ومما يجب التنبيه إليه أن عزرائيل الذي تقدم ذكره في الأحاديث المذكورة آنفاً هو ذات عزائيل المذكور في التلمود).

ومن قارن هاتين القصتين يرى أنهما قصة واحدة. غاية الأمر أن الحديث قال إن الملاكين اللذين أخطئا هما هاروت وماروت، مع اعترافه بأنهما كانا يسميان في الأصل باسمين آخرين. أما في «مدارش يلكوت» فتسمَّيا بشمحزاي وعزائيل. ولكن إذا سأل سائل: مِن أين استُعير الاسم الوارد في القرآن والأحاديث؟ قلنا: إننا نرى بعد التحري أن هاروت وماروت هما اسما إلهين قديمين كاذبين كانا يعبدهما الأرمن في الأزمنة القديمة. وقد ذكر مؤرخو الأرمن أن الأرمن كانوا يعبدون إلهين اسمهما باللغة الأرمنية «هوروت وموروت» وهاك نص عبارة أحد مؤرخي الأرمن:

«هوروت وموروت كانا بلا شك من أعوان الإلهة «اسبانداراميت» وهما بطلا جبل «مازيس» و«أمينابيغ» أيضاً. وربما كانت توجد آلهة أخرى لا علم لنا بها إلى الآن، وكانوا من أعظم المساعدين على تقوية الأرض وجعلها مخصبة كثيرة الكسب».

ولإيضاح هذه الجملة نقول إن «اسبانداراميت» كانت الإلهة التي عبدها الفرس أيضاً لأن «الزردشتيين» كانوا يعتقدون أنها روح الأرض، وأنها سبب كل ما نبت على الأرض من المحصولات الطيبة والأثمار اليانعة. وكان سكان أرمينيا يسمون إله الكروم «أمينابيغ» وقالوا إن هوروت وموروت هما الإلهان المساعدان لإلهة الأرض إذ توهموا أنهما الروحان المتسلطان على الرياح، وهما اللذان يحملان ويسخران الرياح التي كانت تجمع السحاب الذي يأتي بالمطر ليصدم قمة جبل أراراط الشامخة فتهطل الأمطار على الأرض، وحينئذ تقوى الأرض على إنبات النباتات وإخراج المحصولات.. فيتضح من هذا أن هوروت وموروت كانا في الأصل روحين للرياح، ومما يؤيد ذلك أن كثيراً ما ذكر في كتب الهنود القديمة كلمة «المرتون». فإن قدماء الهند كانوا يعتقدون أنهم آلهة الزوابع القاصفة والرياح العاصفة. وبناءً على ذلك انتقلت كلمة «مرت» إلى اللغة الأرمنية وصارت «موروت». فتوهَّم الأرمن أن موروت مشتقَّة من كلمة «مور» باللغة الأرمنية، وهي مضاف إليه لكلمة معناها «أم» ثم وضعوا لفظة «هور» في مقابلة كلمة «مور» لحصول المناسبة، فإن معنى «هور» بلغتهم مضاف إليه لكلمة معناها «أب». وبهذه الكيفية صاغوا كلمة هوروت وموروت. وهذا هو أصل وضعهما ومنشئهما. فيكون المقصود من قوله إن هذين الملكين هبطا من السماء ومالا إلى التناسل أن هذين الروحين اللذين في قبضتهما الرياح ساعدا الأرض على إنبات المحصولات وإخراج الثمار بتسخيرهما الرياح التي كانت تسوق سحب الأمطار.

أما «اسطهر» وهو اسم الصبية الواردة في القصة اليهودية فهي ذات «عشتاروت» إحدى الآلهة الكاذبة التي كان يعبدها عبَدة الأصنام القدماء، وهي الزهرة، أي الكوب السيار التي ورد اسمها في الأحاديث التي ذكرناها آنفاً. وكان أهل بابل في قديم الزمان يعتقدون أن هذا الكوكب السيار إلهة، فكان كل سكان بابل وسوريا يعبدونها، لأنهم زعموا أنها رئيسة التوليد وإنتاج الذرية، وتوهموا أيضاً أنها كانت تفرح من كل أنواع الفسق والفجور. ووجدت كلمة «أشتر» وهو اسمها منقوش في قوالب أجر قديمة اكتُشفت في بلاد ما بين النهرين، ووجدت كتابة منقوشة بالأحرف الأشورية الأثرية القديمة على قوالب اللِّبن المشوي، فإن بعض هذه القوالب كانت عند القدماء بمنزلة كتبهم، ووُجدت فيها روايات كثيرة عن «أشتر» أي الزهرة. وهاك ترجمة قصة منها، تُرجمت من اللغة البابلية القديمة، فأفادتنا عن شخص وهمي لا وجود له اسمه «جلجميش» عشقته «أشتر» ولكنه لم يمل إليها:

«لبس جلجميش تاجه. ولما أرادت الإلهة أشتر أن تستميله إليها قالت له: قبِّلني يا جلجميش، ويا ليتك تكون عريسي. أعطني ثمرك عطية، وليتك كنت بعلي وأنا زوجة لك فكنت أركب عربة من لازورد وذهب وعجلتاها من ذهب وعريشاها من الماس، وكنا نقطر البغال العظيمة إليها يوماً. فادخل إلى بيتنا مع عطر السرور. غير أن جلجميش استهزأ بأشتر وأنَّبها ولم يرضَ أن يتخذها زوجة له». ثم ذكر في هذه القوالب باقي القصة ونصها:

«فاغتاظت الإلهة أشتر وصعدت إلى السموات ومثلت أمام الإله أنو». وهو إله السماء الذي كان يعبده البابليون، وكانوا يعتقدون أن اشتر هي ابنته.

من الواضح أن هذه القصة القديمة المتداولة بين عبدة الأصنام البابليين ذكرت صعود «أشتر» (أي الزهرة) إلى السماء، كما ذُكر صعودها في الأحاديث الإسلامية وفي التفسير اليهودي الذي استشهدنا بعبارته. وليس ذلك فقط بل ورد في الكتاب الهندي المكتوب بلغة سانسكريت القديمة واسمه «المهابهارته» ما يشبه هذه الخرافة، إذ قيل فيه إن روحين اسمهما «سُند» و«أُبْسُند» نالا في قديم الزمان من الإله «برهما» فضلاً واستحقاقاً بواسطة تقشفهما وزهدهما. فتسلطا على السماء والأرض واستوليا عليها استيلاء. فداخل هذا الإله الجزع لئلا تخرج جميع أملاكه من يده ما لم يقتل خصميه اللذين شاطراه الملك. وليتوصَّل إلى إهلاكهما خلف حورية اسمها «تلوتما» ووهبها لهما. ولما شاهدها هذان الأخان أخذها «سند» من يدها اليمنى وأخذها «أبسند» من يدها اليسرى، ورغب كل منهما أن يتَّخذها قرينة له. فنشأ عن ذلك بين الأخين العداوة والبغضاء، واستفحل الشر حتى اقتتلا فقُتلا، فبارك الإله «برهما» الحورية «تلوتما» وأثنى عليها ثناءً جميلاً، وقال لها: ستحيطين بجميع الدنيا التي تشرق عليها الشمس، ولا يمكن لأحد أن يفتح عينيه فيك لعظم بهائك وسنا أشعة زينتك وتفوُّق جمالك الرائع الباهر. (كتاب «المهابهارته» في باب رواية «سُند وأُبسند وباكهيانم» أي قصة سند وأبسند).

فنرى أنه ورد في هذه الخرافة ذكر الصعود إلى الفلك، والحورية التي كان جمالها رائعاً وباهراً، ولو أنها تختلف اختلافاً قليلاً عن الزهرة وأشتر، فالزهرة أشتر (حسب الرواية اليهودية والأحاديث الإسلامية) كانت على الأرض قبل صعودها إلى الفلك. ولكنها حسب الرواية الهندية البابلية كانت ذات صلة بالسماء من أول الأمر، لاعتقادهم أن أشتر كانت إلهة، وكذلك «تلوتما» الحورية. وهنالك اختلاف آخر وهو أن الروحين في الرواية الهندية اللذين عشقاها كان أولاً على الأرض، ولكنهما في الرواية اليهودية والإسلامية هبطا من الفلك. وقال الهنود إن هذين الأخين تناسلا من إلهة اسمها «دتي» فيكون أصلهما حسب الرواية الهندية أيضاً من السماء. والحاصل أن جميع هذه القصص تشبه بعضها من وجوه كثيرة، وكانت سائدة بين الوثنيين في الأزمنة القديمة.

وقال المحققون إنه لما كان اليهود يميلون إلى الخرافات، أخذوا من عبدة أصنام بابل قصة «أشتر» ولما نسوا أصلها اعتقدوا في الأزمنة الحديثة أنها حكاية صحيحة، فدوَّنوها في التلمود بالصورة التي وجدناها عليها. ولما سمع المسلمون هذه الحكاية من اليهود ولم يعرفوا أنها خرافة، دوَّنوها مختصرة في القرآن كأنها صحيحة، وأوردوها مفصلة في الأحاديث.

وإذا سأل سائل: لماذا قبلها اليهود؟ قلنا إن السبب خطؤهم في فهم معنى فقرة في سفر التكوين. وكل ما كتب في التلمود عن معاشرة الملائكة للنساء الآدميات ناشئ عن تفسير تلك الفقرة، وهي: «وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض ووُلد لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات، فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا.. كان في الأرض طغاة (في العبرية: النفيليم) في تلك الأيام. وبعد ذلك أيضاً إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولاداً. هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم» (تكوين 6:1 و2 و4). والقول «أبناء الله» يصف الأتقياء الصالحين الذين تناسلوا من شيث، ابن آدم الثالث. والأرجح أن معنى كلمة نفيل (وجمعها «نفيليم» في العبرية) هو مثل قولنا في اللغة العربية «نبيل» وجمعها نبلاء. وقال البعض إنها تدل على العتاة الذين يتعدّون على الضعاف ويظلمونهم. وترجم كتاب «ترجوم أونتلوس» كلمة «نفيليم» الواردة في الآية المتقدمة بكلمة كلدية معناها بالعربية «الجبابرة» مشتقَّة من أصل هذه الكلمة العبرية، ولا شك أن هذا هو الصواب. ولكن لما كان أحد مفسري قدماء اليهود (واسمه يوناثان بن عزئيل) يجهل معنى كلمة «نفيليم» العبرية النادرة الاستعمال توهَّم أن معناها «الملائكة الساقطين» ففسَّر آية تكوين 4:6 بأن شمحزاي وعزئيل هبطا من السماء وكانا على الأرض في تلك الأيام. فمن هنا نرى أن منشأ هذه الخرافة من أولها إلى آخرها عن أشتر المذكورة في «مدراش يلكوت» هو الخطأ الذي اقترفه هذا الرجل وغيره ممن نحا نحوه، فقبلوا إحدى خرافات عبدة الأصنام البابليين جهلاً، وتوهموا أنها تبين معنى آية في التوراة التبس عليهم معناها فلم يفهموها. ومع ذلك فلا عذر لهم، فإن أحد علماء اليهود المفسرين، وهو أقدم منهم عهداً وزمناً وأرسخ منهم قدماً، فسَّر هذه اللفظة وشرح معناها الحقيقي الذي التبس عليهم.

وبما أن جُهّال اليهود كانوا يميلون إلى الخرافات، وكانوا مولعين بذكر الغرائب، فلا عجب إذا وجدنا في بعض كتبهم قصة سقوط الملائكة وخطيتهم بهذه الكيفية. ففي بدء الأمر قال اليهود إن ملاكين هبطا وسقطا، ولكنهم بعد ذلك زادوا عددهم من حين إلى آخر في الخرافات المتواترة بينهم. وفي آخر الأمر ورد في الكتاب الملفَّق المنسوب كذباً وزوراً إلى النبي أخنوخ أن عدد الملائكة الذين هبطوا من السماء بلغ 200، وسبب هبوطهم جميعاً أنهم اقترفوا الفسق مع النساء. ونورد هنا الفقرة الآتية من «كتاب أخنوخ» المشار إليه، مترجمة من اللغة الحبشية، لأن الأصل اليوناني لهذا الكتاب وصل إلينا بحالة مهشمة ناقصة. وإليك ترجمة هذه العبارة:

«رأت (بنات الناس) أن الملائكة وهم أبناء السموات قد افتتنوا بهن، وقالوا بعضهم لبعض: تعالوا نأخذ لأنفسنا زوجات من بنات الناس ونخلف أولاداً لأنفسنا. فقال لهم سميازا (أي شمحزاي) الذي هو رئيسهم.. وعلَّم إزازيل (أي عزازيل) بني آدم صناعة السيوف والخناجر والتروس والدروع لصدورهم، وأراهم وأعقابهم ومصنوعاتهم (يعني الأساور والحلي) واستعمال الكحل لتزجيج أهداب عيونهم، واستعمل جميع أنواع الصباغة المتنوعة وعملة الدنيا (أي النقود التي يتعامل بها الإنسان في هذه الدنيا)». (كتاب أخنوخ فصل 6 آية 2 و3 وفصل 8 آية 1).

ومعروف أن مسألة تعليم الملائكة للناس الأمور المذكورة آنفاً وردت في البقرة 2:102، حيث قيل: «فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم». ويقصد بالملاكين المشار إليهما هنا «هاروت وماروت». غير أن القرآن انتحل ذكر تعليم الملاكين للناس أيضاً مما ورد في «مدراش يلكوت» حيث ذكر أن عزازيل استعان بالحلي المتنوعة وأنواع زخرفات النساء المبهجة لإغواء بني آدم على اقتراف الفجور.

فما قلناه عن هاروت وماروت يجوز أن يكون برهاناً كافياً يؤيد أن هذه القصة أيضاً مأخوذة من كتب اليهود.


(5) قصص وفروض اقتبسها المسلمون من اليهود: لولا ضيق المقام لأوردنا من القرآن قصصاً شتى يسهل علينا البحث فيها وإقامة الدليل على أنها لم تكن مطابقة لنصوص التوراة، بل موافقة للخرافات التي ألَّفها كَتَبة اليهود. مثلاً أورد القرآن في قصص يوسف وداود وشاول (طالوت) أموراً شتى لم يرد لها ذكر في العهد القديم، ولكنها وردت في خرافات اليهود، منها ما ورد في الأعراف 7:171 «وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما أتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون». وورد مثله في البقرة 2:63 و93 ومعنى ذلك أن الله سبحانه شرع في إعطاء التوراة لبني إسرائيل، ولما رأى منهم عدم الرضى بقبولها رفع أو نتق جبل سيناء فوقهم وأمسكه على رؤوسهم ليوقع الرعب والفزع في أفئدتهم. وقد وردت هذه القصة في الكتاب اليهودي «عبوداه زاراه» الفصل الثاني ونصها: «قد سترتكم بالجبل كغطاء».

ولا حاجة للقول إن هذه الخرافة لا أثر لها في التوراة، ولكن منشأها وهم وسوء فهم بعض مفسِّري اليهود. فورد في سفر الخروج 32:19 أنه لما نزل موسى من الجبل ورأى بني إسرائيل يعبدون العجل الذي صنعوه، غضب وطرح من يديه اللوحين اللذين كانا منقوشاً فيهما العشر الوصايا وكسرهما في أسفل الجبل. فمن قوله «في أسفل الجبل» يُفهم أن هذين اللوحين كُسرا عند سفح الجبل وليس تحت الجبل. ولكن لما كان اليهود الذين في العصور المتأخرة مولعين بالغرائب، لووا معنى الكلمات وصرفوها عن حقيقتها وابتدعوا الخرافة المتقدمة لتفسير هذه الآية.

ومع ذلك فهذه القصة تشبه قصة هندية وردت في مجلة «كتب سانسكريت» بخصوص «كرشنا» أحد آلهتهم، فقد رووا أنه في ذات يوم لما رغب أن يقي سكان مدينة «كوكلة» مسقط رأسه من غوائل زوبعة وأمطار رفع جبلاً اسمه «كووردهنة» من قاعدته الحجرية، وهو أعظم كل الجبال، وعلَّقه سبعة أيام وسبع ليال بأطراف أصابعه فوق رؤوسهم كمظلة. ولا نعرف باليقين إذا كان اليهود قد أخذوا هذه القصة من الهنود أم لا، ولكن من الواضح أن القصة الواردة في القرآن هي نفس القصة الواردة في كتب اليهود.

ويوجد أيضاً في القرآن غرائب بخصوص ما حصل في البرية في أيام موسى، منها قوله إن العجل الذهبي المشار إليه «له خُوار» وأنه خار لما أُخرج من أتون النار، فورد في الأعراف 7:148 وفي سورة طه 20:87 و88 «فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار». وأصل هذه القصة موجود في كتاب «فرقى ربي ألعازار» (فصل 45)، وهاك ترجمة أصل أقواله العبرية:

«وهذا العجل خرج خائراً فرآه بنو إسرائيل. وقال «ربي يهوداه» إن سمائيل كان مختفياً في داخله وكان يخور ليغش إسرائيل». ولا شك أن محمداً أخذ هذا النبأ من اليهود الذين (من سوء حظه) خدعوه لأنهم اختلقوا هذه الخرافة من عالم أوهامهم. ولم يلتفت محمد إلى اسم الشخص المذكور في هذه القصة اليهودية، فسمّاه «السامري». وكثيراً ما وردت كلمة «السامري» في العهد الجديد، ومرة في العهد القديم. وكان اليهود يعتبرون السامريين أعداءهم ويعتقدون أنهم زاغوا عن سواء السبيل بسبب الخطأ والجهالة. ولكن بما أن مدينة السامرة لم تُبنَ إلا بعد وفاة موسى بنحو أربعمائة سنة، فيتعذر علينا أن نفهم كيف يمكن وجود الاسم قبل وجود مُسمّاه. لا بد أن محمداً قصد أن يكتب «السمائيل» عوضاً عن السامري. ولكن بما أنه لم يكن يعلم أن اليهود يسمون ملك الموت «سمائيل» توهم أن هذا هو اسم الرجل الذي صنع العجل الذهبي كما هو واضح من منطوق القرآن. فالقرآن إذن مخالف للتوراة في هذه القضية، لأن التوراة ذكرت أن هارون هو الذي صنع العجل خوفاً من اليهود. ثم إن ما ذكر في سورة البقرة 2:51 وفي النساء 4:153 من أن بعض الإسرائيليين رأوا الله فماتوا، ثم بعثهم وأحياهم ثانية، فهو مأخوذ من خرافات اليهود، وقد ورد فيها أن التوراة ذاتها توسَّلت لأجلهم فعادت أرواحهم إلى أجسادهم.


(6) في اقتباسات أخرى:

(أ) في القرآن كلمات عبرية وكلدية وسريانية عجز مفسرو المسلمين عن تفسيرها لجهلهم بتلك اللغات. ومن هذه الكلمات: توراة - تابوت - جنة عدن - جهنم - حَبر - سكينة - طاغوت - فرقان - ماعون - ملكوت وغيره. فمن أراد معرفة حقيقة معنى هذه الكلمات القرآنية عليه أن يراجع قواميس اللغات العبرية والكلدية والسريانية. ومن له إلمام بعلم صرف اللغة العربية واشتقاقها لا يسعه إلا الاعتراف بأن كثيراً من هذه الكلمات ليست من أصل عربي، ولم تُصَغْ من أصولها حسب قواعد اللغة العربية. مع أن هذه الأصول نفسها موجودة في العربية، كما هي موجودة في اللغات الأخرى المذكورة.

(ب) واقتبس القرآن من اليهود أموراً أخرى، مثلما ذُكر في سورة الإسراء 17:44 وسورة المؤمنون 23:86 أنه يوجد سبع سموات، وتكلم في سورة الحِجر 15:44 عن سبعة أبواب لجهنم. وهذان الأمران مأخوذان من كتابين من كتب اليهود أحدهما يسمى «حكيكاه» Hagigah (باب 9 فصل 2) وثانيهما «زوهر» (فصل 2 ص 150). وقال الهنود أيضاً إنه يوجد سبع دركات تحت الأرض وسبع درجات فوقها. وكل من هذين القسمين مستند على رأس من رؤوس ثعبان ضخم اسمه «شَيشه» له ألف رأس. فالمدوَّن في الكتب الهندية وفي الخرافات اليهودية وفي الأحاديث الإسلامية أصله واحد. فما ورد في «عرائس المجالس» (ص 5-9) عن سبع دركات الأرض موجود في كتاب «أفستا» Avesta وهو كتاب ديني لقدماء الفرس يقول إن الأرض تشتمل على سبع «كثور» أو سبعة أقاليم. وورد في أحد أبواب الأفستا (يشت باب 19 فصل 31) إن جمشيد استولى على «الأرض التي تشتمل على سبعة أقاليم».

(ج) وورد في سورة هود 11:7 عن عرش الله: «كان عرشه على الماء» وهو يطابق الروايات اليهودية المذكورة في تفسير المفسر اليهودي المشهور «راشي» (اختصار لرابي شلومو يتسحاقي) الذي قال في تفسيره على تكوين 1:2 «إن العرش المجيد استقر في الهواء، وعام على المياه».

(د) وقال المسلمون إن الله سبحانه عيَّن على جهنم ملاكاً، وهو يطابق قول اليهود في كتبهم القديمة عن رئيس جهنم. غير أن المسلمين انتحلوا اسم هذا الملاك من عبدة أصنام فلسطين القدماء، الذين كانوا يسمّون أحد آلهتهم الكاذبة الذي كان يترأس على النار «مولك» وهو اسم فاعل باللغة العبرية، كما أن مالك هو اسم فاعل باللغة العربية.

(هـ) وورد في القرآن: «وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال» (سورة الأعراف 7:46) وقالوا إن الأعراف موجود بين السماء وجهنم، واقتبسوا هذا من اليهود، فقد ورد في كتاب «مدراش» في تفسير سفر الجامعة 7:14 «أنه لما استفهم بعضهم «ما هي المسافة بين السماء وجهنم؟» أجاب ربي يوحانان: «إن بينهما حائط». وقال ربي أخاه «إنها مسافة شبر». وقال الربانيون إنهما متقاربان بحيث تنفذ أشعة النور من أحدهما إلى الآخر. ومنشأ الوهم وجود الأعراف في كتاب «أفِستا» للزردشتيين (أي قدماء الفرس) واسم الأعراف بلغتهم «مسوانوكاتس» (فركند 19) واسمه بلغة بهلوي «مسوت كاس» ويقول مذهب الزردشتيين إن المسافة بين السماء وجهنم قدر المسافة بين النور والظلمة.

(و) وورد في سورة الحجر 15:18 و34 عن الشيطان الرجيم أنه «استرق السمع» ومثل هذا في سورة الصافات 37:8 وسورة الملك 67:5. وأصل ذلك مأخوذ من خرافة من الخرافات اليهودية وردت في كتاب «حكيكاه» (باب 6 فصل 1) عن الشياطين أنهم ينصتون من وراء حجاب ليطَّلعوا على الحوادث المستقبلة.

(ز) وورد في سورة ق 50:30 «يوم نقول لجهنم: هل امتلأتِ؟ وتقول: هل من مزيد؟». وورد في الكتاب اليهودي «أوتوت دربي عقيباه» ما يطابق ذلك، قوله: «رئيس جهنم يقول يوماً فيوماً: أعطني طعاماً حتى أستكفي».

(ح) وورد في سورة هود 11:40 وفي سورة المؤمنون 23:27 أنه في أيام طوفان نوح «فار التنور» وأصل هذا المعنى مأخوذ من كتابين من كتب اليهود أحدهما كتاب «روش هشاناه» فصل 16:2 وثانيهما رسالة تسمى «سنهدرين» فصل 108 ونص عبارتيهما أن جيل الطوفان دينوا بالماء المغلي.

(ط) وقد قلنا إن صوم رمضان ليس مطابقاً لعادة اليهود بل لعادة الصابئين. غير أن محمداً انتحل من اليهود شيئاً له ارتباط بهذا الصيام، فقد ورد في سورة البقرة 2:187 أمر بخصوص الأكل والشرب في الليل في شهر رمضان، ونصها «كلوا واشربوا». وورد في «مشناه برأخوت» (باب 1 فصل 2) أن أول النهار هو الوقت «الذي يمكن للإنسان أن يميِّز فيه الخيط الأزرق من الخيط الأبيض». فهل حصل هذا الاتفاق الغريب بين القرآن والكتاب اليهودي اتفاقاً؟ وهل يمكن أن يكون هذا الاتفاق من قبيل توارد الخواطر؟

(ي) وجرت عادة المسلمين في جميع البلاد أن يؤدّوا كل يوم الصلوات الخمس المفروضة عليهم في أوقاتها المقررة حيثما كانوا، سواء في بيوتهم أو في الشوارع أو في أي محل آخر. وهم يؤدون الصلاة في المحال التي يكثر فيها مرور الناس بالمصلّين، واختصّوا بهذه العادة غير المستحسَنة، لأن جميع الملل يستهجنونها وينكرونها. ولا شك أن اليهود الذين كانوا في بلاد العرب في عصر محمد اعتادوا هذا الأمر، لأن كثيرين منهم كانوا من ذرية الفرقة التي اسمها «فريسيون» والتي ذُكرت كثيراً في البشائر الأربع، فتناسلوا منهم تناسلاً طبيعياً. ومن لم يتناسل منهم طبيعياً كانوا على مذهبهم، وقد وصفهم الإنجيل بأنهم كانوا «يحبون أن يصلوا قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع، لكي يظهروا للناس» (متى 6:5). ونعرف بالاستنتاج أن المسلمين أخذوا هذه العادة منهم، فقد قال محمد إن اليهود هم أهل الكتاب وذرية إبراهيم الخليل، فاقتدوا بهم متوهمين أن تلك العادة أيضاً مأخوذة عن إبراهيم.

(ك) ومن الغرائب أن القرآن قرر أنه نزل للتصديق على الكتب اليهودية المقدسة، واقتبس صريحاً آية واحدة منها وردت في سورة الأنبياء 21:105 «ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذِّكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون». والوعد المذكور في الزبور الذي استشهد به القرآن جاء في مزمور 37:11 «أما الودعاء فيرثون الأرض».

(ل) وهناك أمران آخران اقتبسهما المسلمون من اليهود. فقد قال المسلمون إن القرآن كُتب في اللوح المحفوظ قبل إنشاء العالم «بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ» (سورة البروج 85:21 و22). وقبل الخوض في الكلام على اللوح المحفوظ ينبغي أن نسأل علماء الإسلام: هل كان الزَّبور قبل القرآن أم لا؟ وهل هو أقدم منه عهداً وأسبق زمناً أم لا؟ لأنه ذكر في الآية التي أوردناها من سورة الأنبياء أن ما اشتملت عليه هذه الآية بخصوص ميراث عبيد الله الصالحين كُتب قبلاً بأمر الله في الزبور. ومما يؤيد هذه القاعدة المصطلح عليها أننا إذا عثرنا مثلاً في كلام «مثنوي» لمولانا الرومي على شطرة من بيت شعر ضمَّنها بعض عبارات مقتبسة من كتاب «شاه نامه» مثلاً أو عبارات القرآن، جزمنا جزماً أكيداً بأن الشاه نامه أو القرآن متقدم على تأليف «مثنوي». وعلى هذا القياس نقول إننا إن رأينا في القرآن آية من آيات مزامير داود النبي يتضح لنا جلياً أن القرآن لم يكن موجوداً قبل أيام النبي الذي أُوحي إليه الزبور. ولكن إذا أخذنا في البحث والتحري عن معلومات المسلمين التي استفادوها بخصوص اللوح المحفوظ وجدنا هذه البينات في مثل هذه الكتب وهي «قصص الأنبياء» (ص 3 و4) ونصها «ومن تحت العرش خلق (الله) لؤلؤة، ومن تلك اللؤلؤة خلق اللوح المحفوظ، وارتفاعه سَفَر سبعمائة سنة وعرض سَفَر ثلثماية سنة، وكان مرصَّعاً بالياقوت الأحمر. ثم بقوة الله تعالى ثم صدر الأمر إلى القلم: اكتب علمي في خلقي وما هو كائن إلى يوم القيامة - كتب أولاً في اللوح المحفوظ بسم الله الرحمن الرحيم، أنا الله لا إله إلا أنا. من يستسلم لقضائي ويصبر على بلائي ويشكر على نعمائي كتبتُه وبعثتُه مع الصديقين. ومن لم يرضَ بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر على نعمائي فليطلب رباً سوائي، ويخرج من تحت سمائي. ثم كتب القلم علم الله في خلق الله تعالى كل شيء أراده إلى يوم البعث، حتى مقدار تحريك الشجرة أو نزولها أو صعودها وكتب كل شيء مثل هذا بقوله تعالى».

وأصل هذه القصة موجود في كتب اليهود، غير أن المسلمين توسَّعوا وبالغوا فيما كتبه اليهود في هذا الصدد. فقد ورد في توراة موسى أن الله لما أراد أن يسلِّم الوصايا العشر لبني إسرائيل (خروج أصحاح 20) سلَّمها لموسى كليمه، فكتب: «في ذلك الوقت قال لي الرب: انحت لك لوحين من حجر مثل الأوَّلين واصعد إليّ إلى الجبل، واصنع لك تابوتاً من خشب، فأكتب على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين الأولين اللذين كسرتهما وتضعهما في التابوت. فصنعت تابوتاً من خشب السنط ونحت لوحين من حجر مثل الأولين وصعدت إلى الجبل واللوحات في يدي، فكتب على اللوحين مثل الكتابة الأولى الكلمات العشر التي كلمكم بها الرب في وسط النار في يوم الاجتماع، وأعطاني الرب إياها ثم انصرفت ونزلت من الجبل، ووضعت اللوحين في التابوت الذي صنعت فكانا هناك كما أمرني الرب» (تثنية 10:1-5).

وورد في 1ملوك 8:9 وفي رسالة العبرانيين 9:3 و4 أن هذين اللوحين حُفظا في تابوت العهد الذي صنعه موسى حسب أمر الله. وهذا هو معنى اللوح المحفوظ أو بالحري معنى اللوحين المحفوظين. وقد ورد في سورة البروج 85:21 و22 «بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ» ولم يقل في «اللوح المحفوظ» فوردت كلمة «لوح» نكرة بدون أداة التعريف. فمن الواضح إذاً أن قوله إن القرآن كُتب على لوح محفوظ ليس أنه كتب على اللوح الواحد المحفوظ، بل لابد من وجود لوح آخر أقل ما يكون. فإذا قيل: لماذا قال محمد إن القرآن كُتب على لوح محفوظ؟ قلنا: يجب أن نبحث في الكتب اليهودية لنرى ما قاله اليهود في عصر محمد وقبله عما كتب في اللوحين اللذين حُفظا في تابوت العهد. ومع أن التوراة صرحت بما لا يقبل الشك أن ما كُتب على اللوحين كان الوصايا العشر (تثنية 10:4) أو العشر كلمات كما ورد باللغة العربية، إلا أن اليهود توهَّموا بعد مدة من الزمان أن جميع كتب العهد القديم وأيضاً كل التلمود كُتب عليهما أو على الأقل نزلت معهما. ولما سمع محمد من اليهود هذا القول عن شريعتهم حذا حذوهم، ونسب إلى شريعته ما نسبه اليهود إلى شريعتهم، فادَّعى أن القرآن كان مكتوباً في لوح من اللوحين المحفوظين، أو كما قال في سورة البروج «في لوح محفوظ». ولما كان المسلمون لا يعرفون معنى قوله «لوح محفوظ» ابتدعوا هذه القصة التي تقدم ذكرها. وقال اليهود عما اشتمل عليه هذان اللوحان: قال الربي شمعون بن لاقيش: أما الذي كتب فهو «فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم» (خروج 24:12) واللوحان هما الوصايا العشر والتوراة هي التي تُتلى، والوصية هي «المشناة»، والتي كتبها هي «الأنبياء والكتب» ولتعلمهم «الجمارا». ويُستفاد من هذا أنه أوحى جميعها لموسى من جبل سيناء.

وكل يهودي ذكي يرى وجوب رفض التفسير الباطل لهذه الآية، لأنه يعرف إن كتاب «المشناة» كُتب نحو سنة 320م وكُتب «الجمارا الأورشليمي» نحو سنة 430م، وكُتب «الجمارا البابلي» نحو سنة 530م. ولكن لما كان المسلمون يجهلون هذا قبلوا ما قاله جهلة اليهود وطبَّقوه على قرآنهم. فنرى من هذا أن هذه الرواية مأخوذة من هذا المصدر كغيرها من الروايات والقصص المدوَّنة في الأحاديث.

ولم ينفرد المسلمون بالاعتقاد أن لوحهم المحفوظ كان قديماً، فقد توهَّم اليهود أن اللوحين المشتملين على الوصايا العشر كانا قديمين جداً. فقد ورد في فرقي أبوت (باب 5 وفصل 6) أن هذين اللوحين مع تسعة أشياء أخرى خُلقت وقت خلق الدنيا وقت غروب الشمس قبل يوم السبت.

(م) وأصل ما ورد في الأحاديث الإسلامية عن «جبل قاف» الذي لا وجود له إلا في الوهم والخيال هو الكتب اليهودية، فأخذه المسلمون منها ونقلوه عنها. والبرهان على ذلك إننا إذا قارنا بين ما ورد في «عرائس المجالس» و«قصص الأنبياء» وبين ما يقوله اليهود نجد الأمرين واحداً. فقد ورد في «عرائس المجالس» (صفحتا 7 و8): «خلق الله تعالى جبلاً عظيماً من زبرجدة خضراء خُضرة السماء منه، يُقال له جبل قاف فأحاط بها كلها (أي الأرض) وهو الذي أقسم الله به فقال «ق والقرآن المجيد» (سورة ق 50:1). وورد في «قصص الأنبياء» (ص 5) أن عبد الله بن سلام سأل محمداً: «ما هي أعلى قمة في الأرض؟ قال: هي جبل قاف. فقال: جبل قاف ممَّ هو؟ فقال: من زمرد أخضر وخضرة السماء هي منه. قال: صدقت يا رسول الله. قال: ما هو ارتفاع جبل قاف؟ فقال: إنه سَفَر خمسمائة سنة. وقال: كم هي المدة التي يقطع الإنسان فيها محيطه؟ فقال: إنها سَفَر ألفي سنة».

وأصل حكاية جبل قاف ما جاء في كتب أحد اليهود المسمى حكيكاه (باب 11 وفصل 1) في تفسير الكلمة العبرية «توهو» النادرة الاستعمال، ومعناها الفضاء والفراغ وقد وردت في تكوين 1:2. ويقول كتاب حكيكاه «توهو هو الخط الأخضر الذي يحيط بجميع العالم قاطبة، ومنه تنبعث الظلمة» فالكلمة العبرية التي ترجمناها «الخط» هي «قاف»Qav . فلما سمع محمد والصحابة قصة «قاف» لم يعرفوا أن معناها خط، وتوهَّموا أنها سلسلة جبال عظيمة اسمها قاف، تنبعث منها الظلمة . ولا حاجة للقول إن الجغرافيين الذين يبحثون في الكرة الأرضية وأقطارها جابوا أطراف الدنيا للاكتشاف، ولم يكتشفوا سلسلة جبال يصدق عليها الوصف الوارد في الأحاديث عن جبل قاف.

يتضح مما قيل في هذا الفصل صِدق ما ذهب إليه المعترضون من أن كتب اليهود (ولا سيما كتب التلمود المشحون بالخرافات) هي أهم مصادر الديانة الإسلامية . وإذ تقرر ذلك فيجدر بنا أن نبحث في المصادر الأخرى لهذه الديانة، وننظر إذا كانت الديانة الإسلامية قد انتحلت باقي عقائدها من الديانة المسيحية، خصوصاً من الكتب الملفقة والخرافات الباطلة التي كانت متواترة في عصر محمد بين بعض الفرق المسيحية الضالة وأصحاب البدع الباطلة.

  • عدد الزيارات: 55869
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.