Skip to main content

إلهٌ ابن إله - لقد ظهر ملكوت الله في أعمال المسيح

الصفحة 2 من 3: لقد ظهر ملكوت الله في أعمال المسيح

لقد ظهر ملكوت الله في أعمال المسيح. هذا ما يبدو بوضوح في جميع أعماله ولا سيما في موقفه من شرائع الناموس ومن الخطاة. فالشرائع والوصايا التي ينص عليها الناموس هي شرائع الله ووصاياه، ولا أحد يستطيع أن يكملها إلا الله وحده. لكننا نرى يسوع يكمل شريعة السبت، معلناً أنه هو "رب السبت" (مرقس 28:2) ونراه يكمل شرائع الصوم وجميع المراسيم المتعلقة بغسل الأيدي وغسل الكؤوس والجرار (مرقس 1:7-13). ونراه خصوصاً يغفر الخطايا، وهو يعلم أن ما مِن أحدٍ يغفر الخطايا إلا الله وحده!

إن المسيح يعمل على الأرض أعمالاً خاصة بالله مبيّناً أن عمله هو عمل الله، وإرادته هي إرادة الله. يقول للمريض: "يا ابني مغفورة خطاياكَ" (مرقس 5:2). ويقول للمرأة الخاطئة: "مغفورة خطاياكِ (لوقا 48:7).

ومن خلال هذا الإعلان يدرك المستمع أن الله هو الذي يغفر الخطايا في شخص المسيح. وفي تعاليمه كما في أعماله يظهر المسيح أنه ممثل الله، فيقول: "الَّذِي يَرَانِي يَرَى الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يوحنا 45:12). و"اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْآبَ" (يوحنا 9:14). وإنه أعظم من أنبياء اليهود وكتبتهم. فالأنبياء أعلنوا كلمة الله، أما المسيح فهو الكلمة نفسها، والمعلمون والكتبة كانوا يقتصرون في تعليمهم على تفسير ناموس موسى، أما يسوع فيوصّل الناموس إلى كماله كما يقول هو نفسه: "لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الْأَنْبِيَاءَ مَا جِئْتُ لِأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ" (متى 17:5).

كان الأنبياء حينما يتكلمون يبدأون عباراتهم بقولهم: "هكذا يقول الرب" (إشعياء 24:1). ولكننا لا نجد أيَّ أثرٍ لهذه العبارة في أقوال يسوع، فهو يتكلم بسلطته الخاصة. "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ … أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ" (متى 21:5،22). قيل للأقدمين في صيغة المجهول، وهذا تعبير مألوف يشير إلى الله. ومن يستطيع أن يزيد على كلام الله شيئاً، أو يدَّعي الوصول بهذا الكلام إلى كماله، إلا الله نفسه؟ ومع ذلك نسمع يسوع يضيف: "أما أنا فأقول لكم" . وهذا دليل على أن المسيح كان يدرك أن كلامه ليس كلام إنسان، بل كلام الله نفسه، وأنه في تعليمه يوصّل كلام الله الذي أُعطي في العهود القديمة إلى كماله. والآن يحقُّ لنا أن نسأل: إن كان المسيح يبشر بأن ملكوت الله قد أتى في شخصه وفي أعماله، فمن تراه يكون؟

إن لقب نبي لا يكفي للتعبير عن رسالته، لذلك يقول عنه الإنجيل "إنه أعظم من يونان" (متى 39:12) و "أعظم من سليمان" (متى 42:12). لقد رأى فيه الرسل الأّولون "المسيح" "ابن البشر" "الرب" "ابن الله" "كلمة الله" .

يروي إنجيل مرقس أنه عندما سأل يسوع تلاميذه: "في نظركم أنتم، من أنا؟ أجابه بطرس: أنت المسيح" (مرقس 27:8ـ30). ويروي إنجيل يوحنا أن أندراوس الرسول بعد أن تعرَّف على يسوع لقي أخاه سمعان فقال له: "قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا أي المسيح" (يوحنا 41:1). ثم صادف فيلبس نثنائيل، فقال له: "وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالْأَنْبِيَاءُ: يَسُوعَ ابْنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ" (يوحنا 43:1-46).

فمن هو هذا المسيح الذي كتب عنه موسى والأنبياء، والذي كان ينتظره اليهود؟

كانت لفظة "المسيح" في العهد القديم نعتاً للنبي والكاهن والملك، لأنهم كانوا يُمسحون بالزيت دلالة على تكريسهم لخدمة الله وخدمة شعبه، فموسى مسح هارون وأولاده ليكونوا كهنة (لاويين 8: 30) وصموئيل مسح داود ليكون ملكاً على إسرائيل (1 صموئيل 16: 13). والمسحة بالزيت هي رمز منح الروح القدس، كما يوضح ذلك سفر الملوك. فعندما أَخَذَ صَمُوئِيلُ قَرْنَ ا لدُّهْنِ وَمَسَحَهُ فِي وَسَطِ إِخْوَتِهِ. وَحَلَّ رُوحُ الرَّبِّ عَلَى دَاوُدَ مِنْ ذ لِكَ الْيَوْمِ فَصَاعِداً" (صموئيل 13:16). وقد وعد الله داود على لسان ناثان النبي أنه سيُقيم له من نسله ملكاً وسيُقِرّ عرش مُلكه إلى الأبد (2صموئيل 7: 13). وعاش اليهود على مدى أجيالهم ينتظرون تحقيق تلك النبوّة بمجيء ملكٍ من نسل داود يُمسح كسائر ملوك إسرائيل، ولكن لا يكون لملكه انقضاء. وزاد رجاؤهم إلحاحاً بعد تدمير مملكتهم وسبيهم إلى بابل. وعندئذ راح الأنبياء يصفون ملامح هذا المسيح الذي سوف يأتي في آخر الأزمنة ممتلئاً من الروح القدس، نبياً وملكاً، يوطد مملكة إسرائيل إلى الأبد. ولقد رأى الرسل أن نبوّات العهد القديم المتعلّقة بالمسيح قد تمت كلها في شخص يسوع.

جاء المسيح ممتلئاً من الروح القدس، ولكنه لم يأت كما كان يتوقعه اليهود ملكاً سياسياً، فلم تكن مملكته من هذا العالم (يوحنا 18: 33-38). ولذلك عندما أراد اليهود أن يقيموه عليهم ملكاً توارى عنهم (يوحنا 6: 15).

وهذا هو المعنى العميق للتجارب التي يروي أصحاب الأناجيل أن المسيح تعرّض لها في بدء خدمته العلنية (متى4: 1-11، ومرقس 1: 12، 13 ولوقا 4: 1-13). فهذه التجارب ليست روايةً لما جرى ليسوع مرة، بل هي تفسير للعراك الذي قام به يسوع طوال حياته العلنية ليقاوم فكرة اليهود عن المسيح المنتظر. فبينما كان اليهود ينتظرون مسيحاً يبهر الناس بالعجائب الخارقة فيحّول الحجارة إلى خبز، ويرمي بنفسه من قمة جناح الهيكل دون أن يُصاب بأذى، ويستعبد نفسه للقوى الشيطانية للحصول على ممالك الدنيا ومجدها، جاء يسوع مسيحاً ممتلئاً من الروح القدس، يُحيي الجائعين بكلمة الله، ومسيحاً متألماً يقدم ذاته على الصليب ذبيحة فداء لتحقيق ملكوت الله في قلوب الناس.

لذلك عندما أنبأ المسيح تلاميذه بأنه سيتألم ويُقتل اجتذبه بطرس إليه وطفق يزجره قائلاً: معاذ الله يا رب! لا! لن يكون ذلك البتة . أما هو فقال لبطرس: اذهب خلفي يا شيطان. إنك لي معثرة. لأن أفكارك ليست أفكار الله بل أفكار الناس (مرقس 8: 32-33). أفكار الناس في المسيح المنتظر هي في نظر المسيح أفكار شيطانية، لأنها ترى طريق المجد في السلطة الزمنية والمُلك المادي. أما طريق المجد بحسب منطق الله فهي طريق المحبة والتضحية والعطاء حتى الموت، كما قال للتلميذين اللذين صادفهما في الطريق إلى عمواس، وقد قطعا كل رجاء بعد موت المسيح: ما أقصر أبصاركما وما أبطأ قلوبكما في الإيمان بكل ما نطقت به الأنبياء! أَمَا كان ينبغي للمسيح أن يكابد هذه الآلام ويدخل إلى مجده (لوقا 24: 25 و26).

لقب
الصفحة
  • أنشأ بتاريخ .
  • عدد الزيارات: 7058