مصادر الإسلام

الخطية والغفران - الخطية والغفران في المسيحية

فهرس المقال

الخطية والغفران في المسيحية:
نأتي الآن لتحليل موقف المسيح والإنجيل من الخطية والغفران بعدما ناقشنا ما يُعلمه محمد والإسلام في هذا الشأن، مبتدئين بالخطية.
الخطية:
إن مفهوم الخطية يختلف اختلافا كليا عما سبق وذكرناه في الإسلام. فالمسيحية لا تفترض أن جميع الناس يولدون حنفاء صالحين ثم تغويهم الشياطين، وإنما على العكس من ذلك تماما فإن جميع الناس يولدون وهم خطاة. إن الإسلام ينظر إلى الخطية على أنها فعل عارض, أما المسيحية فتنظر إلى الخطية على أنها قبل كل شيء وفي الدرجة الأولى حالة وفي الدرجة الثانية هي فعل. وعليه ، فإن الإنسان لا يُعتبر خاطئا لأنه ارتكب ذنبا أو إثما، وإنما هو يرتكب الآثام والذنوب لأنه أصلا خاطئ كما يقول داود النبي : "هأنذا بالإثم صُورت وبالخطية حبلت بي أمي" (مزمور 51: 5)، وعنده استعداد فطري لارتكاب الآثام والذنوب متى سنحت له الفرضة بذلك.
ولكي يتضح الأمر دعونا نعود إلى الوراء، إلى بدء الخليقة وإلى قصة سقوط أبوينا الأولين آدم وحواء. عندما خلق الله آدم وحواء ووضعهما في الجنة كانا في ما نسميه حالة البراء ة الأولى. كانت طبيعتهما البشرية غير ملوثة بعد بمكروب الخطية. كانا في صورة جميلة نقية وفي حالة سعادة سماوية لا يشوبها أي مكدّر أو منغِص. ولكن عندما سقط آدم وحواء في الخطية لعصيانهما وصية الله تغيّرت الطبيعة البشرية من حالة البراءة الأولى إلى حالة السقوط والخطية. لقد تمركزت جرثومة الخطية في الطبيعة البشرية بحيث يعيش الإنسان تحت نير العبودية لهذه الطبيعة الساقطة. وبذلك ورث نسل آدم وحواء الطبيعة الساقطة كما يرث المولود صفاته الأخرى من أبويه. لو كان نسل آدم وحواء الأول وُلد في حالة البراءة الأولى لعاد هذا النسل تلقائيا إلى الجنة ولكان البشر جميعا في الجنة ولما كانت هناك حاجة لا لنوح ولا لإبراهيم ولا لموسى ولا للمسيح أو لأي كائن آخر. لكن للأسف أصبحت الخطية مع السقوط متأصلة في الطبيعة البشرية ولا يمكن استئصالها لا بأعمال حسنة ولا بصوم ولا بصلاة ولا بحج ولا بماء وضوء. ورد الإنجيل بهذا الخصوص: "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع." (رومية 12:5).
وجاء أيضا: "كما هو مكتوب أنه ليس بار ولا أحد. ليس من يفهم ليس من يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معا. ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد" (رومية 3: 10-12). يستمر الإنجيل بالقول "إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله. " (رومية 3: 23).
هذه إذاً هي مصيبة البشرية: حالة الخطية الساكنة في الطبيعة البشرية وأجسادهم، والتي تدفع الإنسان إلى أن يرتكب الشرور والآثام وبالتالي تجعله عبدا للشيطان. إذا كان الأمر كذلك فما هو العلاج لهذه المصيبة البشرية؟ العلاج كما يعلمنا الإنجيل لا يقتصر على مجرد مجموعة من الوصايا والفرئض والأوامر والنواهي. إن مجرد المجيء بمجموعة جديدة من الوصايا والفرائض والأوامر والنواهي ليس له أي فائدة ولا قيمة، حيث أن ذلك لن يؤثر على الطبيعة البشرية الساقطة. إذاً ما هو الحل؟ العلاج الوحيد والذي يقدمه الإنجيل للمأساة البشرية هو أن الإنسان لا يحتاج إلى وصايا جديدة وفرائض جديدة، وإنما يحتاج إلى تغيير طبيعته والحصول على طبيعة جديدة. طبعا لا يمكن الحصول على هذه الطبيعة إلا من الله الذي هو وحده يمكن أن يغير الطبيعة البشرية، لأنه هو الذي خلقها، وهذا يأتي بنا إلى الوجه المقابل للخطية ألا وهو الغفران.

إستمع واقرأ الإنجيل