سيرة محمد الجهادية - شريعة الجهاد و الحرب

الصفحة 2 من 7: شريعة الجهاد و الحرب

أولا : شريعة الجهاد و الحرب
شريعة الجهاد و القتال تملأ القرآن كله . " و الآيات القرآنية فى موضوع الجهاد قد شغلت من حيث كثرتها حيزا كبيرا يكاد يبلغ نصف القرآن المدنى . و فى هذا دلالة على ان هذا الموضوع كان من أهم أدوار السيرة النبوية فى العهد المدنى ، أو أهمها " ( 2 ) .
و انقضت السيرة النبوية فى العهد المدنى كله فى الجهاد و القتال و الحروب . " و يكفيك أن تعلم مثلا أن عدد الغزوات و السرايا و البعوث قد بلغ خمسا و ستين ، قاد النبى صلعم منها بنفسه سبعا و عشرين ، و كل ذلك فى نحو عشر سنين – لتقدر خطورة الدور الذى كان للجهاد فى هذا العهد ، و تفهم حكمة ما شغل موضوعه ذلك الحيز الكبير من القرآن " ( 1 ) .
" و الآيات فى هذا الموضوع على نوعين : نوع تضمن دعوة عامة الى الجهاد بالنفس و المال ... و ما كان من أزمات حادة فى سبيل ذلك . و نوع ثان أشير فيه الى وقائع الجهاد النبوى البارزة و ما كان فيها ، و من الجدير بالتنبيه أن آيات النوع الثانى قد نزلت بعد الوقائع : مما يسوغ القول إن الوقائع قد كانت بأمر النبى صلعم و رأيه و بدون وحى قرآنى ، كما هو شأن أكثر أحداث السيرة النبوية " .
و صار الجهاد ركنا من أركان الإسلام : " كتب عليكم القتال ، و هو كره لكم " ( البقرة 216 ) ، كما كان الصوم : " كتب عليكم الصيام " ( البقرة 183 ) . و جعل الجهاد المقدس ركنا من أركان الدين ، هو الذى صبغ الاسلام القرآنى بصبغته الحربية ، سواء فى الدفاع عن الدين ، أم فى الهجوم لنشر الاسلام .
و فى الواقع يقسم القرآن المدنى الى عهدين : عهد الدفاع بالسلاح عن الاسلام ، مدة خمس سنوات نزل فيه اثنتل عشرة سورة ، و عهد الهجوم بالسلاح لفرض الاسلام على الحجاز و الجزيرة ، مدة خمس سنوات ، نزل فيه أيضا اثنتا عشرة سورة . فلم يكن الجهاد فى حد ذاته لحماية الاسلام و الدفاع عنه فقط ، بل تطور فى العهد الثانى المدنى ، بعد صلح الحديبية ، الى حرب أهلية لفرض الاسلام بالقوة على العرب . و هذه هى الصورة الرهيبة التى ينقلها التاريخ القرآنى للسيرة النبوية فى المدينة : نبى يقاتل عشيرته و قومه ليفرض عليهم دينه بالسيف فرضا – و لا محاباة فى سبيل الله .
و قد تطورت شرعة الجهاد بسرعة فائقة : بدأ بالإذن بالقتال : " أذن للذين يقاتلون ، بأنهم ظلموا – و إن الله على نصرهم لقدير ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ، إلا أن يقولوا : ربنا الله ! و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ! و لينصرن الله من ينصره – إن الله لقوى عزيز " ( الحج 39
– 40 ) . فالقتال مشروع لسببين . الأول لرد الظلم ، و الانتقام من أهل مكة الذين ألجأوهم إلى الهجرة . الثانى لبناء الدين . و لولا الجهاد لهدمت بيوت الدين و العبادة ! فحماية الدين بالقوة تحمل فى أكنافها إرادة فرضه و قيامه بالقوة .
و منذ السورة المدنية الأولى يعلن الشرعة فى صورتها الكاملة : " كتب عليكم القتال ، و هو كره لكم ! و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خيرلكم ، و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم ، و الله يعلم و أنتم لا تعلمون " ( البقرة 216 ) . فالقتال فريضة دينية مكتوبة ، و هى خير لهم .
و فلسفة القتال فى سبيل الدين أن الفتنة فيه أشد من القتل : " و قاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ، و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ، و اقتلوهم حيث ثقفتموهم ، و أخرجوهم من حيث أخرجوكم ، و الفتنة أشد من القتل " ( البقرة 190 – 191 ) . إن تبرير القتال برد الفتنة يرفع الحرية الدينية . و لا ينفع مع هذه الفلسفة الدينية الحربية قوله : " لا إكراه فى الدين ، قد تبين الرشد من الغى " ( البقرة 256 ) . إن الحرية الدينية و القتال فى سبيل ضدان لا يجتمعان . فغاية الجهاد منع الفتنة عن الدين ، و فرض الدين كله لله : " قل للذين كفروا ، إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ، و إن يعودوا فقد مضت سنة الأولين : و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ، و يكون الدين كله لله " ( الانفال 38 – 39 ) .
و صوفية الجهاد مزدوجة . إنها أولا شراء الحياة الدنيا يالآخرة : " فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة : و من يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما " ( النساء 74 ) . و إنها ثانيا فتح و مغانم و منافع : " إنا أنزلنا الحديد فيه بأس شديد و منافع للناس " ( الحديد 25 ) ، " و أثابهم فتحا قريبا ، و مغانم كثيرة يأخذونها و كان الله عزيزا حكيما . وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ، فعجل لكم هذه ، و كف أيدى الناس عنكم ، و لتكون آية للمؤمنين " ( الفتح 18 – 20 ) . إن الفتح و المغانم الكثيرة آية من عزة الله و حكمته للمؤمنين . فالذين يدعون أن المغانم ليست الهدف الثانى للجهاد ، فقد ظلموا أنفسهم و ظلموا علمهم بالقرآن .
و منذ صلح الحديبية ، الحد الفاصل بين عهد الدفاع و عهد الهجوم ، لم يعد الجهاد لرد العدوان ، بل لفرض الاسلام : " قل للمخلفين من الاعراب : ستدعون الى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون " ( الفتح 16 ) . لقد ظهرت أخيرا غاية الجهاد الأولى : " هو

الذى أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله ، و كفى بالله شهيدا " ( الفتح 28 ) . ان معنى الجهاد كله لإظهار الاسلام " على الدين كله " ، و هو شهادة الله بصحة الاسلام . هذه الغاية المزدوجة ، الظهور و الشهادة ، هى شريعة الجهاد و فلسفته و صوفيته . و لذلك يركز الدعوة فى العهد الأخير عليها ، فيكرر : " هو الذى أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ، ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون " ! ( الصف 9 ) . و يختم حياته الجهادية بقوله : " هو الذى أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون "( التوبة 33 ) . فالجهاد كان لإظهار الاسلام على الدين كله ، على كره من الجميع ، و هو آية محمد الكبرى ( الفتح 28 ) .
لذلك فالذين يدعون ان الجهاد انما كان للدفاع فقط ، فهم يتجاهلون أو يجهلون صريح القرآن و تطور شريعة الجهاد . لقد تطورت شريعة الجهاد من الدفاع الى الهجوم : " تقاتلونهم أو يسلمون " ( الفتح 16 ) ، " ليظهره على الدين كله " ( الفتح 28 ، الصف 9 ، التوبة 33 ) .
إن غاية الهجرة النبوية الى المدينة ، و جمع الانصار و المهاجرين ، إنما كانت لفرض الاسلام بالسيف على أهل مكة و العرب : " و كانت مهمة النبى ، و هو يهاجر واضحة : و هى أن يكره قريشا ( و من ورائهاالعرب على الاسلام بالسيف " ( 1 ) .
هذه هى شريعة الجهاد و الحرب فى القرآن . و كل أطوارها تنقض المبدأ الموقوت الذى وضع حين الضعف : " لا اكراه فى الدين " ( البقرة 256 ) . إن شريعة القتال القرآنية هى عين الاكراه فى الدين و تؤيدها شرعة قتل المرتد عن الاسلام : " و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر " ( البقرة 217 ) .
فشريعة الجهاد القرآنية صورة عن " نبى الملحمة " . هل يفرض الله دينه على الناس فرضا ؟ و إذا كان ذلك ، فماذا يبقى الحرية الانسانية ؟ و ماذا يكون من مبدإ التكليف ، و من مبدإ الجزاء ؟ فهل فى شيريعة الجهاد القرآنية صورة كاملة للاعجاز فى الشخصية النبوية ؟

صدى شريعة الجهاد فى نفوس المسلمين
الصفحة
  • عدد الزيارات: 10238
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.