سيرة محمد الجهادية - استباحة الحرمات بسبب شريعة الجهاد

الصفحة 4 من 7: استباحة الحرمات بسبب شريعة الجهاد

ثالثا : استباحة الحرمات بسبب شريعة الجهاد
1 – من الحرمات عند العرب كان القتال فى الشهر الحرام ، و القتال عند المسجد الحرام . فبدأ بالنهى عن القتال فيهما إلا إذا بدأهم المشركون : " و لا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ، فإن قاتلوكم فاقتلوهم ، كذلك جزاء الكافرين ... " ( البقرة 191 ) ، " الشهر الحرام بالشهر الحرام ، و الحرمات قصاص : فمن اعتدى عليكم فاعتدواعليه بمثل ما اعتدى عليكم " ( البقرة 194 ) . تباح الحرمات قصاصا لمقابلة العدوان بمثله . إنها الشريعة التوراتية ، العين بالعين ، و السن بالسن !
لكن تطورت الشريعة الى الاستباحة المطلقة فى إعلاء الاسلام : " يسألونك عن الشهر الحرام : قتال فيه ؟ = قل : قتال فيه كبير ! و صد عن سبيل الله ، و كفر به و المسجد الحرام ، و اخراج أهله منه ، أكبر عند الله ، و الفتنة أكبر من القتل " ! ( البقرة 217 ) . يستبيح القتال فى الشهر الحرام ، و عند المسجد الحرام لثلاثة أسباب : الصد عن الاسلام ، و إرغام المسلمين على الهجرة ، و محاولة فتنتهم عن دينهم .
2 – و من الحرمات عند العرب و غير العرب حفظ العهود فى عدم الاقتتال . فنزلت البراءة من العهد مع المشركين : " براءة من الله و رسوله الى الذين عاهدتم من المشركين ( 1 ) : فسيحوا فى الارض أربعة أشهر ، و اعلموا أنكم غير مجزى الله و أن الله مخزى الكافرين ( 2 ) – و أذان من الله و رسوله الى الناس يوم الحج الأكبر ان الله برىء من المشركين و رسوله : فإن تبتم فهو خير لكم ، و إن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزى الله ، و بشر الذين كفروا بعذاب أليم ( 3 ) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا و لم

يظاهروا عليكم أحدا ، فأتموا إليهم عهدهم الى مدتهم ، إن الله يحب المتقين ( 4 ) – فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم و خذوهم و احصروهم و اقعدوا لهم كل مرصد ، فإن تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم " ( 5 ) ( التوبة ) .
يرتبك المفسرون ارتباكا عظيما فى فهم هذه الآيات . و هذا الارتباك ناجم عن التعارض القائم بين البراءة و بين الأذان فى حق المشركين المعاهدين . وفاتهم أن " الأذان يوم الحج الأكبر " يقطع البراءة المططلقة من المشركين حتى المعاهدين منهم . و القرينة الحاسمة هى الاشهر الأربعة الحرم فى الآية الثانية و الخامسة . فالأذان مقحم على شريعة البراءة المطلقة من المشركين . و ما جاء فى الأذان من الأمر بالوفاء مع المشركين المعاهدين الى مدتهم ، نسخة فى البراءة المطلقة من المشركين حتى المعاهدين منهم . و سياق البراءة هو هذا : " براءة من الله و رسوله الى الذين عاهدتم من المشركين : فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر ، و اعلموا أنكم غير معجزى الله ، و أن الله مخزى الكافرين . فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم و خذوهم ، و احصروهم و اقعدوا لهم كل مرصد ، فإن تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ، إن الله غفور رحيم " .
تلك البراءة التى تنقض العهد بعدم الاعتداء هى آية السيف ( التوبة 5 ) فى القرآن
قال النحاس فى ( الناسخ و المنسوخ ، ص 265 ) : " نسخ بهذه ماية و ثلاثة عشر موضعا فى القرآن . و قال ابن حزم : نسخ بهذه الآية ماية وأربع عشرة آية ، فى ثمان و أربعين سورة " . و نقل ( الاتقان 2 : 24 ) للسيوطى : " قال ابن العربى ، كل ما فى القرآن من الصفح عن الكفار و التولى وا الإعراض و الكف عنهم منسوخ بآية السيف " ! إن القرآن شرع قتال المشركين العرب حتى يسلموا ، و فى براءة شرع نقض العهد مع المشركين المعاهدين أنفسهم و فرض قتالهم كسائر المشركين العرب حتى يسلموا . و بهذه الشريعة – البراءة ، مع تحريم المسجد الحرام على المشركين ( التوبة 28 ) دانت العرب للاسلام عنوة و اقتدارا .
3 – و كان صلح الحديبية مع مشركى مكة أن لا يمنع من البيت الحرام أحد . فجاءت سورة براءة بتحريم البيت الحرام على المشركين أجمعين : " يا أيها الذين آمنوا ،
إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " ( التوبة 28 ) . قال النحاس فى ( الناسخ و المنسوخ ، ص 165 ) : " قال أبو جعفر : الآية ناسخة لما كان رسول الله صالح عليه المشركين أن لا يمنع من البيت أحد " .
ففى العرف الدولى ، هل يكفى فارق الدين لنقض المعاهدات ؟
4 – و بعد نصر بدر ووقوع الأسرى من المشركين فى قبضة المسلمين نزل قوله : " ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض : تريدون عرض الدنيا ، و الله يريد الآخرة ، و الله عزيز حكيم ! لولا كتاب من الله سببق ، لمسكم فى ما أخذتم عذاب عظيم ! فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ، و اتقوا الله إن الله غفور رحيم " ( الانفال 67 – 69 ) .
جاء فى الزمخشرى و البيضاوى على الآية ( 4 ) من سورة ( محمد ) : " كانت الشريعة الأولى فى الاسلام : قتل الأسرى . ثم عدلها فخير قومه بين قتل الأسير أو المن أو الفداء " .
و فى ( أسباب النزول ) للسيوطى ، بمناسبة أسرى بدر : " استشار النبى صلعم فى الأسارى يوم بدر . فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله اضرب اعناقهم !فاعرض عنه . فقام أبو بكر فقال : نرى أن تعفو عنهم و أن تقبل الفداء ، فعفا عنهم و قبل منهم الفداء . فقال عمر ( ما كان لنبى أن يكون له أسرى ) فنزل القرآن بقول عمر ، و أنزل الله : لولا كتاب من الله سبق ... " بمقالة أبى بكر . قال الجلالان : " و قوله : ( ما كلن لنبى أن يكون له أسرى ) منسوخ بقوله : ( فإما منا بعد و إما فداء ) .
لقد تطورت شريعة الأسرى من الاستباحة الى المن أو الفداء .
5 – و هناك حالة ثالثة وارد غير المن أو الفداء : هى استرقاق الأسرى . قال : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ، حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق . فإما منا بعد ، و إما فداء ، حتى تضع الحرب أوزارها " ( محمد 4 ) .
علق دروزة ( 1 ) : " قد احتوت تقريرا لمبدإ تشريعى عام : إذا جعل أمر الأسرى للنبى صلعم بعد أن تنتهى المعركة ، فإما أن يسرحهم عفوا و منا فداء ، و إما أن يستوفى منهم الفدية و يسرحهم . و مما يلفت النظر أنه ليس فى هذا المبدإ استرقاق للأسرى . مع ان
بعض الروايات ذكرت أن النبى صلعم ذهب الى استرقاق سبى هوزان و انه استرق سبى بنى قريظة و باعه . و عدم احتواء المبدإ القرآنى تشريع الاسترقاق يجعلنا نتوقف فى التسليم بالروايات ، إلا أن يكون ما ذكرته – إذا صحت – كان قبل نزول الآية ، و من قبيل الاجتهاد المستمد من العرف العام السائد فى عصر النبى و فى مختلف البيئات . أو من قبيل التفسير النبوى لما سكتت عنه الآية ، و هو مصير الذين لا يطلق سراحهم منا و لا يفتدون أنفسهم " .
و فات الاستاذ أن استرقاق سبى هوزان كان بعد غزوة حنين و بعد سورة ( محمد أو القتال ) بزمن بعيد .
6 – و ظل القرآن كله يمنع الجدال إلا بالتى هى أحسن مع أهل الكتاب – إلا الذين ظلموا منهم أى اليهود – حتى آخر العهد بالمدينة . و فى آخر سورة نزلت قبل ( براءة ) أو فى زمنها ، ( المائدة ) كان النصارى أهل " المودة ) حتى النهاية . و إذا بالقرآن كله يختتم بالأمر بقتال النصارى مع أهل الكتاب" حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون ) ( براءة 29 ) . أجل لا يشرع عليهم القتال أو الاسلام مثل المشركين ، أنما يشرع عليهم القتال حتى الخضوع لدولة الاسلام ، كى " لا يجتمع فى جزيرة العرب دينان " ( 1 ) . لكن بهذه الآية الأخيرة نسخ القرآن فى المعاملة " بالتى هى أحسن " أى الأمر المتواتر : " و قولوا : آما بالذى أنزل الينا و أنزل اليكم و إلهنا و إلهكم واحد ، و نحن له مسلمون " ( العنكبوت 46 ) أى التنزيل واحد و الاله واحد و الاسلام واحد –مع أهل " المودة " حتى النهاية ( المائدة 82 ) . و على هذه الآية ، من دون القرآن كله ، سار التاريخ الاسلامى كله .
فهل فى استباحة الحرمات ، بسبب شريعة الجهاد ، اعجاز فى الشخصية النبوية ؟

الاغتيالات السياسية ، نتيجة شريعة الجهاد
الصفحة
  • عدد الزيارات: 10242
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.