التعليم بإله واحد في ثلاثة أقانيم

القسم: ميِزان الحَق

فهرس المقال

ما قيل في الفصل المتقدم عن طريق الخلاص بالمسيح لا يُقبل عند الطالب كل القبول حتى يطلع على عقيدة التثليث التي طالما كانت حجر عثرة في طريق إخواننا المسلمين الراغبين في البحث، لأنهم لا يفهمون معنى التثليث، فحسبوه مناقضاً للتوحيد. والحقيقة خلاف ذلك لأن التعليم بوحدانية الله من الأساسات الجوهرية التي ترجع إليها عقيدة التثليث، فإن جميع المسيحيين لا يؤمنون بثلاثة آلهة بل بإله واحد.

من يطلع على تفسير الجلالين لسورة المائدة 5 :76 وتفسير البيضاوي لسورة النساء 4 :156 يرى أن أولئك المفسرين تصوروا أن النصارى يعتقدون أن الثالوث هو ثلاثة آلهة: الآب والأم والابن، وحسبوا مريم العذراء إلهاً، وأنها أحد الآلهة الثلاثة المذكورين. لا ننكر أن بعضاً من جهلة النصارى في عصر محمد أكرموا مريم إلى حد العبادة، بل أكرموا كثيراً من القديسين وقدموا لهم العبادة التي لا تجوز إلا لله وحده، كما أن كثيرين من جهلة المسلمين يفعلون مثل هذا الفعل مع أوليائهم ومشايخهم. وكما أن المطلعين من المسلمين لا يجدون ما يؤيد عبادة الأولياء في القرآن كذلك لا يصح أن نؤاخذ النصارى بما كان يعمله الجهلة في العصور المظلمة مما لا ينطبق على الكتاب المقدس بل يخالفه. فلا تحسبن القرآن يحرم عبادة العذراء والكتاب المقدس يجيزها، حاشا وكلا! بل هذا الذي ظنه المسلمون تثليثاً في ذات الله ليس هو من التثليث في شيء، فإن المسيحيين على اختلاف مذاهبهم لم يِقل فريق منهم بثلاثة آلهة.
وعلى ما تقدم يظهر أن هؤلاء المفسرين أضلهم التعصب الذميم حتى دونوا في كتبهم عن النصارى ما هم أبرياء منه وكان خليقاً بهم -كما بكل عالم فاضل- أنهم إذا أرادوا أن يكتبوا شيئاً في موضوع هام كهذا أن يبحثوا أو ينقبوا حتى يقفوا على الحقيقة بعينها، لئلا يكونوا عثرة في طريق الباحث الأمين. إننا كما ذكرنا لا نعتقد بثلاثة آلهة، ولا أن
مريم واحدة منهم، وإننا نشدد إنكار تعدد الآلهة كالمسلمين أنفسهم، وستعلم ذلك عندما نتقدم في شرح الموضوع.
ذكرنا في ما تقدم أننا نؤمن بإله واحد كما في التوراة، حيث يقول "إِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (تثنية 6 :4) وفي العهد الجديد اقتبس المسيح هذه الآية أساساً لتعليمه (مر 12 :29) وأما عقيدة التثليث فهي شرح للوحدانية ذُكرت لمناسبة التعليم في مواضيع أخرى. مثال ذلك وصية المسيح لتلاميذه أن يكرزوا بالإنجيل للناس قال "عَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ القُدُس"ِ (بشارة متى 28 :19) فيدل هذا القول على حقيقة التوحيد، كما يدل على تثليث الأقانيم، لأنه قال باسم بصيغة المفرد لا بأسماء بصيغة الجمع، مع أنه ذكر الأقانيم الثلاثة كلاً على حدة. ومن هذه العبارة نفهم أنه لا يمكن أن يكون الابن والروح القدس مخلوقَين بدليل أنهما مقرونان باسم الآب كشيء واحد، بخلاف عدم ملاءمة الاسم نفسه لما يكون مخلوقاً. فإن كلمة ابن الله والروح القدس لا يصح أن يسمى بهما الشيء المخلوق، وهذه حقيقة ظاهرة لمن يتأمل.

 

أضف تعليق


إستمع واقرأ الإنجيل