اكتشفت الخبر السار - قررت أن أقصد المدفن

الصفحة 4 من 6: قررت أن أقصد المدفن

وقتئذ، قررت أن أقصد المكان الوحيد الذي لا يمكن لأحد أن يجدني فيه، وهو المدفن، لأن معظم الناس يتحاشون ذلك المكان باحتراس حتى في رابعة النهار. مكثت هناك حتى منتصف الليل، إلا أن الجو صار بارداً للغاية بحيث بدأ جسمي يرتعش ولم أعد أتمالك نفسي. كان عليّ أن أجد ملجأ آخر من هواء الليل البارد.. وهكذا لم يعد أمامي من خيار إلا أن أعود إلى المدينة.

لم تكن المدينة مسوّرة بجدار بشكل كامل وحسب، بل إنّ أبوابها أيضاً كانت مقفلة في تلك الساعة من الليل، وكل باب تقوم على حراسته فرقة من الخفراء؛ وهكذا قصدت الباب الرئيسي وطفقت أقرع عليه.

عندما سمع الخفراء صوت الضربات القوية على الباب صرخوا 'ألا تعلم أنه لا يمكننا فتحه في هذه الساعة؟ لكنه سيُفتح في الخامسة صباحاً'.

وبالرغم من ذلك رحت ألحّ، وأطلب بعزم لا يلين. وفي النهاية وافق أحدهم على إدخالي، لكنه حذرني مسبقاً بأنني سأُحجز في قسم الشرطة طوال الليل. عندما فتح الباب وسار بي إلى الضوء عرفني للحال. كان صديقاً لوالدي، فقدّم لي اعتذاره الشديد وطلب مني ألاّ أخبر عنه أحد. أكدّت له وعدي وشكرته على صنيعه معي.

قصدت مباشرة إلى صديق من أصدقائي، لأرى إن كان في وسعي قضاء الليل عنده. لم يكن موجوداً في المنزل، فتوجهت إلى بيت آخر حيث تيقنت أنه سيكون هناك من يرحب بي. عندما عرفوني قالوا: 'سمعنا من خادمك كم كان والدك قاسياً، لهذا فإننا نتعاطف معك. تفضّل وادخل'.

وقبل كل شيء، تحققت منهم أنهم لن يرسلوا ويخبروا والدي عن نزولي عندهم. ثم قررت المكوث في بيتهم ثلاثة أيام وأنا متسلح بوعدهم لي.. أدركت أثناءها أنه ينبغي عليّ أن أجد عملاً أؤمِّن به عيشي. انطلقت إلى بلدة قريبة، وحيثما حللت كنت أبحث عن عمل ولكن دون جدوى. حينئذ صليت بجدية: 'أيها الرب، ليس في قدرتي أن أجد عملاً، ولم يسبق لي أن مددت يدي مستعطياً. إني الآن على استعداد للعمل. أرجوك افتح لي المجال.'

وبينما كنت أنتظر في تلك البلدة، جاءني ضابط في الجيش البريطاني وطلب مني ن أكون خادماً له. كان عملاً حقيراً ولا يتوقّع أن يقوم به إلا أفراد طبقات الأشد فقراً. لقد تحدّرت من عائلة بارزة وكنت أتمتع بجميع امتيازات الأسرة الثرية. في الواقع، كان لي خادمي الخاص، وعندما كنت تلميذاً في المدرسة كان يهتم بجميع أموري. وقد بدا من دوافع السخرية حقاً، أن يُطلب مني الآن أن أصبح خادماً خاصاً لإنسان آخر، فاشمأززت من الفكرة. كنت جائعاً، ولكن ظهر لي أن الجوع خير من الانحطاط بنفسي إلى ذلك الدرك.

الفكرة الوحيدة التي كانت تتملكني آنذاك هي أنه لن يكون أمامي مجال للفرار من نتائج تعهدي المسيحي. بدا لي أن النتيجة الحتمية للإيمان بالمسيح، هي أنّ الإنسان لا بدّ أن يمارس عملاً وضيعاً ويُصبح مجرد خادم. ولم يكن من السهل التخلص من الشعور بالحيرة والحزن اللذين انتاباني بهذا الخصوص. ولكن، وسط الصراع الداخلي الذي اجتزته، علمت أن الله كان يلقنني درساً هو في غاية الأهمية. فقد قال الرب يسوع أنه لم يأت ليُخدم بل ليَخْدِم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين. وأنا أيضاً، كان عليّ أن اختبر معنى الخدمة بتواضع ووداعة.

واستجابة للصلاة، منحني الله الإرادة والشجاعة للقبول بالعمل. إلاّ أنّ أفكاري تحوّلت آنذاك إلى والدي، الذي كان يشغل منصباً عالياً في الدولة. وعلمت أنه متى انكشف أمري وعرف أني أعمل كخادم.. فإن خبراً كهذا سيؤلمه ويأتي بالعار على اسم العائلة.

وفكرت.. إنه ليس جديراً بالابن المسيحي أن يسبب الألم لوالده. وهكذا أطلعت الضابط البريطاني على رفضي، وسألته إن كان ثمة عمل آخر يمكن توفره، فقال إنه لا يقدر أن يمدّ لي يد العون لأنه قد نقل من ذلك الموقع إلى مكان بعيد في باكستان. سرني الخبر وقلت إن ذلك ممتاز، لأن الجميع يعرفون والدي في هذه المنطقة المحلية.

وقبلت بالعمل كخادم للضابط، وعلى الفور غادرنا في رحلة طويلة إلى موقع تعيينه الجديد. فقد ساعدني الله أن أكون خادماً مخلصاً وكفؤاً، حتى طُلب إليّ أن أجلس إلى المائدة مع الضابط. وهذا شرف لم يُسمح به لخادم، لكنني علمت أن الله يعتني بي.

ثم قال الضابط: 'إن العلاقة بيننا لم تعد علاقة خادم ومخدوم بعد الآن، بل صرنا صديقين'. وأسرّ إليّ موضّحاً: 'أنا أعلم أنك لست مُعدّاً لتكون خادماً، إنما تقوم بهذا العمل من أجل يسوع. إني ابن لعائلة مسيحية، بيد أني لم ألج باب الكنيسة قط. هل تتفضل وتصلي لأجلي؟ أرجوك صلّ ليسوع حتى يقودني لمعرفة إرادته في حياتي'.

لقد أصبحنا صديقين حميمين. وهذا الضابط، أطلع الآخرين عن رغبتي في العيش لأجل يسوع. فبعض منهم، كانوا مؤمنين حقيقيين بالمسيح وطلبوا مني أن أتكلم في اجتماع مسيحي. انذهلت وصليت قائلاً: 'يا رب، لا يمكنني أن أتكلم، لكن ما يمكنني عمله هو إخبارهم عما فعله يسوع من أجلي'. كان ذلك شرفاً عظيماً بالنسبة لي. وعندماتكلمت بدأ التجاوب رائعاً، لأن الكثيرين من المسيحيين المؤمنين دعوني إلى بيوتهم وأظهروا محبة وصداقة حقيقيتين في طريقة استقبالهم لي.

عمد والدي إلى إعادة زوجتي لذويها
الصفحة
  • أنشأ بتاريخ .
  • عدد الزيارات: 9210
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.