شهادة العهد القديم - بعض الآيات التي جاءت في المزامير

الصفحة 4 من 4: بعض الآيات التي جاءت في المزامير

وإذ قد عرفنا شهادة التوراة والأنبياء يجب أن نقتبس بعض الآيات التي جاءت في المزامير ولنكتف بثلاث منها ففي المزمور الثاني (عدد 7و8و12) يقول "أني أخبر من جهة قضاء الرب قال لي أنت ابني أنا اليوم ولدتك اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً لك وأقاصي الأرض ملكاً لك… قبلوا الابن لئلا يغضب فتبيدوا من الطريق".
وهذا يشير إلى المسيح إذ قد جاءت هذه الآية القائلة "أنت ابني أنا اليوم ولدتك" ثلاث مرات في العهد الجديد وقد ذكرت إيماء لوجود المسيح منذ الأزل وإثباتاً لقيامته من الأموات قال ربي سليمان يرخي أن مفسري اليهود قديماً يشيرون بهذه الأقوال إلى مسيا الملك وأن كان اعتقاده مخالفاً لاعتقادهم- وإثباتاً لهذه الآية قال المسيح عن نفسه "دُفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض" أما قول المزمور "قبلوا الابن" فمعناه "اخضعوا له كملك" ونتيجة الكلام أن هذه الآية تظهر أن مسيا المنتظر كلمة الله هو ابن الله باتفاقها مع ما جاء في العهد الجديد.
يقول أيضاً المزمور الخامس والأربعون عن مسيا المنتظر "كرسيك يا الله إلى دهر الدهور قضيب استقامة قضيب ملكك أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك" (مزمور 45: 6و7).
وقد قال الرسول للعبرانيين أن هذه الأقوال تشير إلى المسيح وهي مؤيدة لألوهيته وكل تفسير غير هذا لا يفي بالمطلوب وقد وصف هذا المزمور اتحاد المسيح بكنيسته كعروس كما هو موصوف في سفر الرؤيا (اقرأ رؤيا 21: 2و9و10 وص22: 17).
يقول أيضاً المزمور المائة والعاشر عدد 1 "قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك"
وقد أشار العهد الجديد بهذه الأقوال إلى صعود المسيح وقال أنها مكتوبة عنه كما قال الإنجيل (متى 22: 41-46) "وفيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلاً ماذا تظنون في المسيح ابن من هو قالوا له ابن داود قال لهم فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان داود (وهو نبي وملك) يدعوه "رباً" فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة" من هذه الأقوال يظهر أن مقام مسيا هو أعظم من مقام داود بل وظاهر أيضاً أن الشخص الذي يجلس عن يمين الله لا يمكن أن يكون أبداً إنساناً بشرياً ولا يمكن الرد على سؤال المسيح هذا إلا إذا تأملنا نبوات العهد القديم جيداً- ولو علمنا أن النبي أشعياء يسمي "مسيا عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام (عمانوئيل) وأن مخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل" لفهمنا أنه بعد موته على الصليب من أجل خطايانا وقيامته من الأموات لأجل تبريرنا لابد وأن يرجع إلى أبيه ليقاسمه المجد الذي كان له قبل تأسيس العالم. ولا يمكنا أن
نفهم كلام هذا المزمور إلا إذا سلمنا بألوهيته. وغير هذه وتلك توجد آيات أخرى كثيرة في العهد القديم تشير لظهور الله في هيئة منظورة لأسلاف الإسرائيليين ولأنبيائهم كإبراهيم خليله وموسى كليمه. ولكن نقرأ في الإنجيل أن الله هو غير منظور (اقرأ يوحنا 1: 18) إذ يقول "الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر" اقرأ أيضاً (يوحنا الأولى 4: 12 ويوحنا 6: 46 و1تيموثاوس 6: 16 مع المقارنة بمتى 11: 27).
ولابد أن يكون لهذا التناقض إيضاح فلو رجعنا إلى التراجم اليهودية لوجدنا أن العبارة "ظهر الله" باللغة العبرانية مترجمة هكذا "ظهر كلمة الله" ( ) وهذا يجعلنا نفهم أن الأقنوم الإلهي الذي ظهر لبعض عبيده في العهد القديم والذي أرسل أنبياءه هوهو بعينه كلمة الله الذي جاء إلى الأرض على هيئة إنسان وهو الرب يسوع المسيح. وكلمة الله هذا هو الواسطة التي جعلت الإنسان في شركة مع الله العلي الآب السماوي منذ خلق العالم ولما قال المسيح "ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي) (يوحنا 14: 6) لم يغير في طريقة الاقتراب لله الآب بل بيّن تلك الطريقة التي لم تزل الطريقة الوحيدة منذ إنشاء العالم. أن اللفظة "ملاك" ذُكرت في العهد القديم إشارة إلى كلمة الله عند ظهوره للأنبياء والرؤساء ومع أنه كان يظهر لهم في هيئة ملاك كانت له الذات الإلهية ولنأت بذكر بعض الآيات إيضاحاً لذلك.
ذكر الإصحاح الثامن عشر من سفر التكوين شفاعة إبراهيم قبل خراب سدوم وعمورة ففي عدد 2 يقول "فرفع عينيه ونظر وإذ ثلاثة رجال واقفون" وتكلم إبراهيم معهم وفي الإصحاح التالي ذكر أن اثنين من هؤلاء الثلاثة كانا ملاكين ويقول الإصحاح الثامن عشر أن الثالث منهم كان "الرب" وقد ذهب الملاكان إلى سدوم لخلاص لوط وبقي الرب الذي كان معهما على هيئة إنسان أو ملاك مع إبراهيم خليل الله.
ذكر أيضاً الإصحاح الثاني والثلاثون من هذا السفر مصارعة يعقوب للملاك أو الإنسان (اقرأ عدد 24و28و30) وقد أشار هوشع في نبواته إلى هذه الحادثة ومن أقواله نفهم أن ذلك الملاك الذي كان يصارعه هو "الله" أو "الرب" قال هوشع (ص12: 3-4) "وبقوته جاهد مع الله- جاهد مع الملاك وغلب بكى واسترحمه وجده في بيت إيل وهناك تكلم معنا والرب إله الجنود يهوه اسمه"
تكلم أيضاً الإصحاح الثالث من سفر الخروج عن إعلان الله لموسى وهناك نجد أن المتكلم الإلهي يدعى أحياناً رباً وأحياناً ملاك الرب فيقول في (خروج 3: 2و4و6) "وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عليقة فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق… فلما رأى الرب أنه مال لينظر ناداه الله من وسط العليقة وقال موسى موسى… ثم قال له أنا إله أبيك إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله".
نقرأ أيضاً في الإصحاح الثالث عشر من الخروج أنه لما خرج بنو إسرائيل من أرض مصر "كان الرب يسير أمامهم نهاراً في عمود سحاب ليهديهم في الطريق وليلاً في عمود نار ليضيء لهم" (خروج 13: 21) وأيضاً في الإصحاح الرابع عشر عدد 19 "فانتقل ملاك الله السائر أمام عسكر إسرائيل وسار وراءهم" وبعد أن أعطى موسى لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بإصبع الله عندما عبد الإسرائيليون العجل الذهبي قال الله له "هوذا ملاكي يسير أمامك" (خروج 32: 34) وقد تم ذلك بإرسال عمود سحاب نزل ووقف عند باب الخيمة ويقول بعد ذلك "ويكلم الرب موسى وجهاً لوجه كما يكلم الرجل صاحبه" (خروج 33: 11).
وهنا نرى أيضاً أن المتكلم الإلهي قد أعطي لقب الله الذي لا ينطق به أحد مع أنه قيل عنه أنه ملاك الله ويزيدنا العهد الجديد إيضاحاً لأن المسيح تكلم عن نفسه أنه مُرسل من قِبل الله أبيه. اقرأ أيضاً عن ظهورات أخرى في (يشوع 5: 14 والقضاة 2: 1).
ربما يسأل بعض القراء هذا السؤال "إذا كانت ألوهية المسيح كلمة الله ظاهرة واضحة في العهد القديم فلِم رفضها اليهود لما جاء إلى العالم ولِم يرفضون قبول المسيح الآن؟" ورداً على هذا يجب أن نبين أن الكثيرين من اليهود قد قبلوا المسيح- يجب أن نعلم أن جميع الحواريين كانوا يهوداً كما كان أيضاً من قبلهم تلاميذ المسيح الأولون وبعد صعود المسيح قبله الألوف وعشرات الألوف من يهود أورشليم نفسها وغيرها أيضاً بل وفي زمننا الحاضر نجد كثيرين من اليهود آمنوا بتعاليم المسيح وصاروا أعضاء في الكنيسة المسيحية بل وأكثر من ذلك أن كبار المفكرين منهم وصلوا إلى نتيجة واحدة بعد أن درسوا العهد القديم وتصفحوا العهد الجديد وهذه النتيجة هي إما أن يؤمنوا أن يسوع المسيح هو مسيا المنتظر الذي وعد الله به آباءهم أو أن يقطعوا كل رجاء بإتمام هذا الوعد أي إما أن يصيروا مسيحيين وإما أن ينكروا إله آبائهم وبناء على ذلك قد صار الكثيرون كفرة ولكننا نشكر الله إذ وجد عدد ليس بالقليل قبلوا المسيح وآمنوا به والسبب الذي جعل اليهود لم يقبلوا المسيح وهو على الأرض هو أن محبة العالم قد أعمت قلوبهم وكل ما كانوا يطلبونه أن تكون لهم مملكة دنيوية وأن يكون لهم مسيا يقودهم إلى النصر ويخضع لهم الممالك المجاورة ويسلبها الغنائم ولم يفهموا تعاليم العهد القديم الروحية المختصة بمسيا المنتظر لذلك لم يقتربوا إلى المسيح حينما قادهم إلى طريق الخلاص من الخطية والشيطان- إن العالم أعمى قلوبهم فأرادوا مخلصاً ينقذهم من الملوك الأرضيين ولكن سيأتي يوم كما هو مكتوب يجيء فيه المسيح بقوة ومجد عظيم ويقبله اليهود مخلصاً لهم (اقرأ رومية 11: 5-32 و2كورنثوس 3: 13-16 ورؤيا 1: 7) وقد ظهرت علامات كثيرة لمجيء يسوع المسيح السريع هذا وهذه العلامات لا تخفى إلا على كل من هو أعمى بالروح.
وفي ختام هذا الفصل يجب أن نبين أن إبراهيم عند شفاعته عن أهل سدوم وعموره لقب الله
"بديان كل الأرض" (تكوين 18: 25) وقد قال المسيح أنه يدين العالم بنفسه في اليوم الأخير قال في (يوحنا 5: 22و27) "لأن الآب لا يدين أحداً بل قد أعطى كل الدينونة للابن … وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً لأنه ابن الإنسان" وهذا برهان آخر على أن الله الذي أعلن نفسه لإبراهيم هو كلمة الله وقد دعي باسم الله الذي لا يشركه فيه أحد. وقد أثبت المسيح ذلك في قوله "الحق الحق أقولك لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن."
أنه ظاهر في العهد القديم أن الله لما أعلن نفسه لآدم أب البشر ولنوح وإبراهيم واسحق ويعقوب ولموسى وللأنبياء الآخرين كان المتكلم الإلهي أزلياً وهو كلمة الله الذي ظهر في هيئة ملاك أو إنسان وفي ملء الزمن "صار جسداً وحل بيننا" ثم تجسد في المسيح يسوع ربنا وبواسطة ذلك الذي هو مُظهر الله الحق كلم الله سبحانه وتعالى خلقه.
والآن قد تبين مما ذكرناه من آيات العهد القديم والعهد الجديد أن الكتاب المقدس يعلمنا تعليماً صريحاً عن ألوهية كلمة الله أو بالحري الرب يسوع المسيح ونؤمل أن جميع القراء الكرام يدرسون هذه الحقيقة بإمعان كما جاءت في الكتاب المقدس ولنا ملء الثقة أن من يفتش عن الحق بكل جوارحه لابد وأن يجده في المسيح وليس في سواه. نعم قد يعمي التعصب بصيرة الإنسان ويضله عن تعليم الكتاب المقدس ولكن الله برحمته الغير محدودة مستعد لأن يرفع ذلك الحجاب الكثيف عن عيني كل من يصلي إليه بإخلاص وبسلامة النية طالباً الإرشاد منه.
ولكي تكون تعاليم ألوهية المسيح أكثر وضوحاً نتكلم بمشيئة الله ومساعدته في الباب الثاني عن تعليم الثالوث الأقدس في الوحدة الإلهية.

الصفحة
  • عدد الزيارات: 18550

تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.