حالة الإنسان الأصلية

القسم: ميِزان الحَق

فهرس المقال

في حالة الإنسان الأصلية وحالته بعد السقوط واحتياجه إلى الخلاص من الخطية والموت الأبدي

من رام الاطلاع على حالته الحقيقية كما هي في اعتبار الله القدوس يطلع عليها جزئياً على صفحة ضميره، ولكنه يعرفها تمام المعرفة من الكتاب المقدس لأنه كلام من هو بكل شيء عليم "لَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوف"ٌ (عبرانيين 4 :13)، ولا يعلم الله ما عملناه فقط بل وما سنعمله وما يخطر على بالنا كل أيام حياتنا،

وهو الذي يقدر أن يخبرنا عن غايته التي قصدها من خلقه إيانا وحفظه لنا على قيد الحياة وعلى أي شيء تتوقف سعادتنا في المستقبل، إن الفلاسفة كتبوا في الإلهيات أفكارهم وخواطرهم عن هذه المواضيع، ولكن العقل السليم يجزم بأنه إن كان الله قد أعلن إرادته لنا بواسطة الرسل والأنبياء يكون إعلانه أجدر بثقتنا من الآراء
الفلسفية والمقاييس البشرية المحدودة والغير المعصومة، فمن أراد أن يعرف غاية خَلْقنا الله وكيف سقطنا إلى حالة الخطية والتعاسة، يجب أن يرجع إلى كلام الله حتى يقف على الحقيقة، وهنا نتوسل بكل لطف واحترام إلى القارئ المسلم العزيز أن يلقي التشيع والتحامل جانباً أثناء اطلاعه على الكتاب المقدس أي التوراة والزبور والإنجيل، التي يشهد لها القرآن أعظم شهادة تليق بكلام الله، اقرأ في الكتاب بما يليق بمقام صاحبه من التوقير والاحترام بنيّة خالصة، داعياً الله أن يمنحك فهماً وهدى روحيين حتى يتيسر لك أن تفهم ما تقرأه، وتنفتح بصيرة قلبك وتشاهد حالة نفسك الداخلية، تلك الحالة التعيسة الشقية، عند ذلك تنال الخلاص الدائم والحياة الأبدية والبركة والسعادة اللانهائية، في سفر التكوين 1 :26-2 :25 ، وسفر الجامعة 7 :29 نجد أن الله خلق الإنسان في حالة الاستقامة والقداسة والسعادة، وهذا يبيّن أن الله خلق الإنسان على صورته وشبهه، أي أن عقل ذلك الإنسان المخلوق المحدود وخصوصاً روحه كانت قبل سقوطه تشابه الخالق الغير المحدود بطريقة ما، وبها جعل الله نفسه معروفاً لدى الإنسان ، وكان الإنسان حينئذ معصوماً من الخطية بل من خطور الأفكار الشريرة على قلبه وعقله كما من كل الشهوات
الجسدية والنفسية والروحية، وكان جسمه غير معرض لمرض ما أو للموت، وحيث أنه عرف الله وأحبه ورغب في أن يخدمه كان سعيداً وقنوعاً، وكان رئيس كل المخلوقات التي على وجه الأرض، ونعلم من سفر التكوين أن الله أعدّ له مسكناً جميلاً مباركاً هو جنة عدن (تكوين 2 :8) وكانت واقعة غالباً على السهل الذي بُنيت عليه بابل فيما بين النهرين ومدن أخرى فيما بعد.
فكل امرئ يعلم بشهادة ضميره ووجدانه أنه فقد تلك الحياة السعيدة، حياة العصمة والهناء، وأصبح مكبلاً في قيود الخطية والتعاسة، ثم أن تاريخ الأمم البائدة التي أهلكها الله عن وجه الأرض بسبب خطاياهم، والشقاء الحاضر المخيّم على الأرض من ألم وموت يحصد الكبار والصغار لأعظم دليل على أن الإنسان لم يبق على الحالة التي خلقه الله عليها، وكان يريد أن يبقى الإنسان ونسله عليها إلى الأبد، ويخبرنا الكتاب المقدس بمقدار ما بلغ إليه الإنسان من الشرور والمعاصي وخصوصاً في حق الله القدوس (تكوين 8 :21 ومزامير 143 :2 ورومية 3 :10-20 و23 و1يوحنا 1 :8).
ومن يتأمل في حالة قلبه أقل تأمل وفكر لبرهة في الأميال
الفاسدة والأهواء المشوشة التي تنبع على الدوام من قلبه كما ينبع الماء من العين، لا يبقى عنده مجال للريب في أنه بالحقيقة خاطئ في نظره تعالى كما هو موصوف في الآيات المشار إليها والتي تشهد عليه ذمته وضميره أنه ليس هو خاطئاً فقط، بل إن الخطية والفساد استحوذا على قلبه حتى لم يبق في مقدرته وسيلة للتخلص من نير الخطية، وشعر أن هذه حالته منذ حداثة سنّه، بل منذ ولادته، وحينئذ يتبين له أن طبيعته الأخلاقية فاسدة، إلا أن للناس مذاهب في ميلهم نحو الرذيلة، فبعضهم ميالون لمحبة المال، وبعضهم للبخل، وبعضهم لمحبة الشهرة، وآخرون ملحدون، وبعضهم زنادقة، وغيرهم منافقون، والبعض ميالون لأكثر من هذه، وعلمنا علم اليقين بالاختبار والمشاهدة أنه لا يوجد إنسان على وجه الأرض خال من الخطية، حتى أن خير الأخيار وأكثر الناس تقوى يعترفون بأنهم طالما عملوا أعمالاً لم يكن يجوز لهم أن يعملوها، ولم يعملوا أعمالاً كان يجب أن يعملوها، وبالجملة فإن حياة العالم كله في العصور الغابرة والحاضرة دليل محسوس على صدق كلام الله المسطور في الكتاب المقدس، وأن كثيرين من الوثنيين لما سمعوا شهادة الكتاب عن الإنسان وقارنوا بينها وبين واقع الحال في أنفسهم وبين
ذواتهم شعروا أن هذه رسالة منه تعالى تصف حالتهم الروحية البائسة قائلين إن صاحب هذا الكتاب إنما هو الذي خلقنا.
وقد اختبر بعضهم تغييراً في حالة قلوبهم بحيث أصبحوا يبغضون الخطية ويحبون الصلاح، إلا أن هذا التغيير يجب أن يُنسب إلى الميلاد الثاني الذي شرحه المسيح في يوحنا 3 :3 و5 الذي لا يمكن أن يحصل عليه أحد إلا بواسطة الإيمان به،
وقد رأينا أن التوراة تفيد أن آدم عندما خلقه الله لم يكن يميل بطبيعته الأولى إلى الخطية، وأنه كان خالصاً من حالة الشقاوة التي تستولي اليوم على ذريته، ثم أن البحث العقلي يؤيد ذلك، لأنه من المعلوم أن الخطية هي مخالفة لمرضاة الله، وأن الخطية هي التعدي على الشريعة الأخلاقية التي توافق ذاته تعالى وتصدر عنها فليس من المعقول أن نقول أن إرادته تعالى هي التعدي على ذاته وحيث أن بني آدم غرقوا في بحار الخطية والشقاوة، وغدوا سبايا النفس الأمّارة بالسوء، فيلائم حالتهم أن يبحثوا حتى يعلموا من أين أتتهم هذه المصيبة الدهماء.

أضف تعليق


إستمع واقرأ الإنجيل