Skip to main content

موقف القرآن السلبى من المعجزة ، و فلسفته عند أهل عصرنا - فلسفة أهل العصر فى النبوة و المعجزة

الصفحة 6 من 6: فلسفة أهل العصر فى النبوة و المعجزة

ثانيا : فلسفة أهل العصر فى النبوة و المعجزة
إن علماء الاسلام اليوم ، كما رأيت ، فى حيرة من أمرهم تجاه فلسفة المعجزة و النبوة . فهم تجاه واقع قرآنى صريح قائم ، " موقف القرآن السلبى من كل معجزة له " ، و تجاه خلاف أهل السنة و الجماعة فى وجه الاعجاز القرآنى ، و تجاه أمر كلامى متشابه مشبوه فى صحة اعجاز القرآن معجزة له ، منذ نادى المعتزلة " بأن الله لم يجعل القرآن دليلا على النبوة " .
إن أئمة العلماء المسلمين الذين لا يؤخذون بالتقليد يشهدون أن لا معجزة فى القرآن دليل النبوة – ما عدا الاعجاز البيانى الذى سننظر فيه . و ثبت لديهم أن ما توهمه بعضهم معجزة للنبى فى القرآن و الحديث و السيرة ، " من المتأكد أنه ليس لهم سند من قرآن صريح أو حديث صحيح " ، " ليس هناك آية قرآنية صريحة فى القضية ، و لا حديث واحد متواتر " كما نقلنا عن الاستاذ عبد الله السمان .
و اعجاز القرآن الذى اختلفوا فى وجهه و فى مداه كان التحدى به عابرا ، و تجاه المشركين وحدهم . و عند لقاء أهل الكتاب فى المدينة نسخه بآية ( آل عمران 7 ) : " منه آيات محكمات ، هن أم الكتاب ، و أخر متشابهات ... و ما يعلم تأويله إلا الله ، و الراسخون فى العلم يقولون : آمنا به ، كل من عند ربنا " . مع ذلك ظل بعضهم يتمسك به دليلا على النبوة ، لعلمهم بضرورة المعجزة لصحة النبوة ، و ليس فى القرآن غيره .
لكن بما ان القرآن لا يعتبر اعجازه معجزة له ، و لا يصح الاعجاز البيانى الذى هو لخاصة العرب معجزة للعالمين ، فقد اضطر هذا الواقع القرآنى و الكلامى أئمة العلماء فى عصرنا أن يأتوا بفلسفة جديدة فى النبوة و المعجزة . و نحن ندرس الآن بعض نظرياتهم .
1 – قيل : لا ضرورة للمعجزة لصحة النبوة
إن أهون سبيل للخلاص من ذلك الواقع المرير فى القرآن ، هو المناداة بأن لا ضرورة للمعجزة فى بيان صحة النبوة . بدأ هذه الفلسفة الجديدة حسين هيكل فى ( حياة محمد ، ص 490 ) : " ما كان محمد بحاجة الى الخوارق لإثبات رسالته " . و أيده فى ذلك شيخ الأزهر فى مقدمة الكتاب . و سرت النظرية الجديدة بين القوم . ففى ( سيرة الرسول 1: 226 ) يعلن الاستاذ دروزة: " إن حكمة الله اقتضت أن لا تكون الخوارق دعامة لنبوة سيدنا محمد

عليه السلام ، و برهانا على صحة رسالته و صدق دعوته " كما نقلنا عنه . و جاء الاستاذ العقاد ، فى كتاب المؤتمر الاسلامى ( حقائق الاسلام و أباطيل خصومه ، ص 59 ) فأكمل النظرية : كانت الرسالة المحمدية " غير مشروطة بما غبر فى الأوهام من قيام النبوة كلها على دعوى الخوارق و الإنباء بالمغيبات " . فالمعجزة و الإنباء بالغيب أمسيا " من الأوهام " فى البرهان على النبوة . و هكذا ظنوا أنهم تخلصوا من مرارة الواقع القرآنى " و موقفه السلبى من كل معجزة " لمحمد . لكن هذا الواقع الخطير المرير قد ألجأهم الى منطق غير مقبول .
إن قولهم بعدم ضرورة المعجزة لصحة النبوة ينقصه صريح الكتاب و الانجيل و القرآن ، حيث المعجزة دليل النبوة الأوحد ، كما نقلنا فى صدر هذا الكتاب . فالقرآن نفسه – الذى يعلن منع المعجزة مبدئيا عن محمد ( الاسراء 59 ) و عجزه واقعيا عنها ( الاسراء 93 ) – يصرح أيضا أن المعجزة " سنة الأولين " من النبيين ( الكهف 55 ) ، و فيها " السلطان المبين " دليلا على صحة رسالتهم و صدق دعوتهم ( غافر 23 ) . و هذه السنة الإلهية فى النبوة لن تتحول و لن تتبدل : " فهل ينظرون إلا سنة الأولين : فلن تجد لسنة الله تبديلا ، و لن تجد لسنة الله تحويلا " ( فاطر 43 ) . فالتنكر لضرورة المعجزة لصحة النبوة نقض مفضوح لنص القرآن القاطع الصريح .
و ذلك القول عند علماء العصر ينقض أيضا ما تواتر فى علم الكلام عند أهل التوراة و أهل الانجيل و أهل القرآن ، خصوصا عند المتكلمين المسلمين . فقد ظلوا على الدوام ينادون بأن المعجزة دليل النبوة الأوحد . و قد فلسف الجوينى ذلك فى ( الارشاد ، ص 331 ) كما نقلنا عنه فى صدر الكتاب : " لا دليل على صدق النبى غير المعجزة . فإن قيل : هل فى المقدور نصب دليل على صدق النبى غير المعجزة ! – قلنا : ذلك غير ممكن " . فعلم الكلام فى جميع الأديان يثبت : أن لا نبوة بدون معجزة .
و هذه الضرورة حملت علماء الكلام – و قد شاهدوا فراغ القرآن من كل معجزة حسية على ابتكار معجزة ( اعجاز القرآن ) دليلا على نبوة النبى العربى . و هذا ما يقول به علماؤهم إلى يومنا . و هكذا فهم يناقضون أنفسهم بأنفسهم : أنهم ينفون ضرورة المعجزة ، مع أنهم يقومون اعجاز القرآن معجزة له كما يقول شيخهم ، حسين هيكل : " إن كتاب الله هو وحده معجزة محمد " ( 1 ) . هذا ما كان يقوله أصحاب نظرية ( إعجاز القرآن ) ، مثل شيخهم
الباقلانى ( 1 ) : " الذى يوجب الاهتمام التام بمعرفة اعجاز القرآن أن نبوءة نبينا عليه السلام بنيت على هذه المعجزة " .
فتنكرهم لضرورة المعجزة هو إنكار لإعجاز القرآن نفسه كمعجزة .
2 – أصحيح أنه " ليس للمعجزات حجية " ؟
هذا ما تعلمه الدكتور نظمى لوقا من مشايخه العصريين . و قد أعطى الاستاذ دروزة السبب الكلامى : كانت الدعوة القرآنية " فى غنى عن معجزات خارقة للعادة ، لا تتصل بها بالذات " .
أجل أن المعجزة الإلهية التى تشهد للنبى بصدقه فيما يبلغ عن ربه ، لا توضح ذاتها الحقيقية أو الرسالة فى نفسها ، فإنها " لا تتصل بها بالذات " .
و لكن الحقيقة ، سواء كانت منزلة أو بشرية ، هى حقيقة فى ذاتها . فما الضامن أنها من عند الله ؟ لا يمكن أن يكون الضامن من ذاتها – و حينئذ تلتبس علينا الحقيقة الإلهية و الحقيقة البشرية – فلابد لها من قرين معجز يدلنا على مصدرها الإلهى . قال الإمام الجوينى فى ( الارشاد ، ص 331 ) : " ليس فى المقدور نصب دليل على صدق النبى غير المعجزة : فإن ما يقدر دليلا على الصدق لا يخلو ، إما أن يكون معتادا ، و إما أن يكون غير معتاد ، فإن كان معتادا ( كالحقيقة فى ذاتها ) يستوى به البر و الفاجر ، فيستحيل كونه دليلا ، و إن كان خارقا للعادة – و تعلق به دعوى النبى – فهو المعجزة بعينها " .
و هكذا فالحجية للمعجزة وحدها فى إثبات صحة النبوة من الله ، " و ليس فى المقدور نصب دليل على صدق النبى غير المعجزة " .
3 – هل تنقضى دلالة المعجزة بانقضاء زمانها ؟
قال الاستاذ دروزة ( 2 ) فى سبيل تفضيل ( اعجاز القرآن ) على معجزات الأنبياء الحسية ، و هو يغمز منها : " و فى هذا ما فيه من وضوح مزية الرسالة المحمدية و ترشحها للخلود و التعميم : و آيات الأنبياء السابقين الخارقة حادثات وقعت و انقضت " . و ردد تلميذهم
الدكتور نظمى لوقا ( 1 ) : " و أما المعجزات فلا حجية لها إلا لمن شهدها شهود العيان ، و بيننا و بين تلك أجيال و أجيال " . و هكذا فإن دلالة المعجزة تنقضى بانقضاء زمانها ، على حد قولهم .
أجل ان " آيات الأنبياء السابقين الخارقة حادثات وقعت و انقضت " ، لكن دلالتها البرهانية على صدق نبيها لم تنقض معها . و ها القرآن نفسه يشهد بعد ألفى سنة بدلالة معجزات موسى : " و لقد آتينا موسى تسع آيات بينات ، فاسأل بنى اسرائيل إذ جاءهم " ( الاسراء 101 ) . و ما قصص الأنبياء فى القرآن سوى دليل قاطع على أن دلالة المعجزة لا تنقضى بانقضاء زمانها .
إن معجزات الأنبياء قد انقضت كحادثات ، لكنها أدت مهمتها فى زمن النبوة شهادة لها ، و بدونها لم يكن للنبوة من شهادة . و مازالت تؤدى مهمتها إلى الأبد ، فالنبى الذى ثبت بالمعجزة انه يتكلم باسم الله ، سيظل كلامه كلام الله إلى الأبد . فدلالة معجزته تدوم دوام كلامه .
و القرآن شاهد عدل على ان المعجزة دليل النبوة بعد آلاف السنين . فلما نادى محمد بنبوته ، كان تحدى المشركين له على الدوام بمعجزة مثل سائر الأنبياء : " فليأتنا كما أرسل الأولون " ( الأنبياء 5 ) ، " لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله " ( الأنعام 124 ) . فالقرآن يشهد بأن دلالة المعجزة لا تنقضى بانقضاء زمانها .
4 – هل المعجزة الحسية " دليل عهد الطفولة العقلية " ؟
لقد أوجز السيوطى فى ( الاتقان 2 : 116 ) موقف الأقدمين ، قال : " إن المعجزة أمر خارق للعادة ، مقرون بالتحدى ، سالم عن المعارضة . و هى إما حسية و إما عقلية . و أكثر معجزات بنى اسرائيل كانت حسية لبلادتهم و قلة بصيرتهم ، و أكثر معجزات هذه الأمة عقلية لفرط ذكائهم و كمال أفهامهم . و لأن هذه الشريعة ، لما كانت باقية على صفحات الدهر الى يمو القيامة ، خصت بالمعجزة العقلية الباقية ليراها ذو البصائر " .
و هذا ما يردده علماء العصر ، مثل الاستاذ عبد الله السمان ( 1 ) : " و لكن الله عز و جل أراد أن يرفع من قدر الرسالة فيجعلها عقلية منطقية تخاطب العقل و المنطق ، و أيدها بكتاب الله ليعيش معها الى أن يرث الله الأرض و من عليها كآية خالدة معجزة " .
و قال السيد الصادق ( 2 ) : " و ما كان الله ليمد النوع الأنسانى فى طفولته بما يحفظ به حياته الروحية ، ثم يدعه بعد أخذ سبيله الى النظر العقلى و الاستقلال الفكرى دون أن يقيم له من الأدلة ما يتناسب و الارتقاء الذى انتهى اليه : فكان أن بعث محمدا صلعم و أيده بالمعجزة العلمية و الحجة العقلية ، و هو القرآن الكريم " .
نقول : ان هذا فرض نظريات على تاريخ البشرية ما أنزل الله بها من سلطان . نتساءل : ألم تكن جاهلية الحجاز حين الدعوة القرآنية فى طفولة عقلية بعد دعوة المسيح فى فلسطين بستماية سنة و نيف ، تحت حكم الدولة الرومانية و الثقافة الهلنستية و الكتابية ؟ فحين الدعوة المسيحية كانت فلسطين ملتقى الحضارات و الثقافات ، فقد بلغت " سن الرشد " أكثر مما سيحلم به الحجاز فى الجاهلية ، و مع ذلك فقد كانت المعجزة الحسية دليل النبوة فى الانجيل ، مع مخاطبة العقول و الضمائر .
فليست المعجزة الحسية دليل عهد الطفولة العقلية ، و لم تكن " أكثر معجزات بنى اسرائيل ( فى زمن المسيح ) حسية لبلادتهم و قلة بصيرتهم " ، انما كانت معجزات المسيح برهان النبوة و الشخصية لأنه " ليس فى المقدور نصب دليل على صدق النبى غير المعجزة " .
و القرآن نفسه شاهد عدل : فأهل مكة ظلوا يطالبون محمدا بمعجزة حسية طول عهد النبوة حتى عجز و أقر بعجزه ( الانعام 35 ) و قرر القرآن أن المعجزة منعت عن محمد منعا مبدئيا مطلقا ( الاسراء 59 ) . فهل تلك المطالبة بمعجزة كالأنبياء الأولين كانت عند أهل مكة دليل عهد الطفولة العقلية ؟ أم هل كانت جاهلية العرب يوم الدعوة القرآنية فى عهد " النظر العقلى و الاستقلال الفكرى " ، بينما رومة و أثينا و أنطاكية و الاسكندرية كانت كلها فى " عهد الطفولة العقلية " ؟
5 – أصحيح أن " المعجزات لم تصلح من قبل وسيلة لإقناع " ؟
قال الاستاذ عبد الله السمان ( 1 ) : " و قد شق محمد لدعوته طريقه الى القلوب و العقول غير مؤيد بالخوارق – التى لم تصلح من قبل وسيلة لإقناع " .
نسجل على الاستاذ تصريحه المتواتر بأن الدعوة القرآنية لم تؤيد بمعجزة . لكن نأخذ عليه و على أمته فلسفة هذا الواقع القرآنى : " إن المعجزات لم تصلح من قبل وسيلة لإقناع " .
و ها الكتاب شاهد على ان الدعوة الموسوية لم تنجح فى مصر ، و لم تنجح مع بنى اسرائيل إلا بفضل المعجزة . و ها الدعوة المسيحسة فإنها لم تنجح و تكتسح العالم ، إلا بفضل المعجزة ، و قيامة المسيح و رفعه حيا الى السماء ، و ذلك معجزة المعجزات .
و القرآن نفسه شاهد عدل على ان الدعوة السماوية تقوم أولا على المعجزة . فإن القصص القرآنى يشغل حيزا كبيرا من القرآن ، و ما يقصه إلا للتمثيل لأهل زمانه المشركين . و كل قصصه يقوم على ذكر الدعوة و المعجزة التى أيدتها ، و يختمه بمثل قوله : " و تلك الأمثال نضربها للناس " ( العنكبوت 43 ، الحشر 21 ) ، " يضرب الله الأمثال " ( الرعد 17 ، ابراهيم 25 ، النور 35 ) ، " و ضربنا لكم الأمثال " ( ابراهيم 45 ) . فجدلية القرآن مع المشركين فى قصصه هى لإقامة الحجة عليهم بدعوة الرسل و معجزاتها .
و القرآن المكى صراع متواصل مع المشركين على تحديهم محمدا بمعجزة كالأنبياء الأولين لكى يؤمنوا به : " لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله " ( الانعام 124 ) ، ثم يتهمون النبى بشتى التهم إذ لم يأتهم بآية معجزة : " فليأتنا بآية كما أرسل الأولون " ( الأنبياء 5 ) . و يذهبون الى الأقسام المغلظة أنهم يؤمنون اذا جاءهم محمد بمعجزة : " و أقسموا بالله جهد ايمانهم : لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ! قل : انما الآيات عند الله ! " ( الانعام 109 ) . إن أهل مكة يجادلون محمدا فى المعجزة وسيلة للإقناع . فالمعجزة دليل النبوة الأوحد فى نظرهم و فى نظر القرآن . لذلك يسجل عجزه عن معجزة ، و امتناعهم عن الايمان : " و ما منع الناس أن يؤمنوا ، اذ جاءهم الهدى ... إلا ان تأتيهم سنة الأولين " ( الكهف 55) .
فالمعجزة " سلطان الله المبين " للبرهنة على صحة النبوة مع الأولين و مع الآخرين و مع العالمين .
فما من رسالة من السماء آمن بها الناس إلا عن طريق المعجزة . لذلك هى الشهادة القاطعة فى التوراة و الانجيل و القرآن . إنها الوسيلة الوحيدة لإقناع الناس ، و الواقع القرآنى شاهد عدل .
فالقول بأن الخوارق لم تصلح وسيلة للإقناع ينقض القرآن الصريح و التاريخ الصحيح .
6 – هل سبيل النبوة الصحيح هو الإقناع بالمنطق السليم ؟
قيل : " بعد أن بلغ الناس سن الرشد ، لا يصلح لإقناعهم سوى المنطق السليم " . و قال السيد الصادق ( 1 ) : " فلما بدأ النوع الانسانى يدخل فى سن الرشد ، و بدأت الحياة العقلية تأخذ طريقها الى الظهور و النماء ، لم تعد تلك العجائب هى الأدلة الوحيدة على صدق الرسالة " .
نقول : ان مثل هذه الأقوال يتنافى وواقع التاريخ و البشرية . إن دعوة المسيح ، بشهادة الانجيل و القرآن ، قامت على المعجزة ، و كانت بيئة المسيح ملتقى الحضارات و جماع الثقافات ، فخاطبهم بالحكمة و المعجزة . فهل بلغت بيئة القرآن الجاهلية سن الرشد حين نزول القرآن ، أكثر من أهل فلسطين تحت الحكم الرومانى و الثقافة الكتابية و الهلنستية ، حتى يخاطبهم بالحكمة من دون المعجزة ؟ !
و هل بلغت الجماهير فى العالم الاسلامى ، فى عصرنا ، سن الرشد ، حتى لا يصلح لإقناعهم سوى المنطق السليم ؟ إن الناس الذين يقادون أو ينقادون بالمنطق السليم فى البشرية كلها ، هم قلة محدودة فى كل أمة . و ستظل البشرية فى سوادها شعبا لا يفهم الحق بالمنطق السليم ، و لا تؤمن إلا عن طريق المعجزة ، لأنها بالفطرة " سلطان مبين " من الله ، و " سنة " النبيين الى يوم الدين .
و القرآن المكى شاهد عدل على ان سبيل النبوة الصحيح ليس الإقناع بالمنطق السليم . فقد ظل القرآن يخاطب أهل مكة " بالحكمة و الموعظة الحسنة " مدة اثنتى عشرة سنة ، فما
أقنعهم بالمنطق السليم ، و ظلوا طول العهد المكى يقولون : " لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله " ( الانعام 124 ) ، فجاءهم من المدينة " بالحديد الذى فيه بأس شديد و منافع للناس " فرضخوا لسلطانه . فبيئة القرآن نفسها لم تقبل منطق " الحكمة و الموعظة الحسنة " ، بل تحدت محمدا بمنطق المعجزة .
و هل كانت دعوة بالمنطق السليم ، فى المدينة ، الدعوة التى تشرع الجهاد فى سبيل فرض النبوة ؟ و هل كانت دعوة الى العقول و القلوب و الضمائر ، تلك الدعوة التى يشهد كتابها أن " فيه آيات محكمات هن أم الكتاب ، و أخر متشابهات ... و ما يعلم تأويله إلا الله ، و الراسخون فى العلم يقولون : " آمنا به " ( آل عمران 7 ) أى " آمنا بالمتشابهأنه من عند الله ، و لا نعلم معناه " ( الجلالان ) ؟ فهل هذا هو المنطق السليم ، و سبيل النبوة الصحيح ؟ فهل خطاب الناس " بمتشابه " القرآن – و هو أكثره – جواب على بلوغ البشرية سن الرشد ، و السبيل الصحيح لإقناعها بالمنطق السليم ، " الذى لا يعلم تأويله إلا الله " ؟
إن سبيل النبوة الصحيح هو الحكمة و المعجززة . و لا تقوم حكمة من عند الله بدون معجزة . المعجزة دليل النبوة الأوحد ، ووسيلة الإقناع الوحيدة على صحة النبوة و الحكمة المنزلة " و ليس فى المقدور نصر دليل على صدق النبى غير المعجزة " .
7 – هل " الآية الكبرى هى صدق الكلمة ، و صدق النبى " ؟
يقول الاستاذ نظمى لوقا : " الآية الكبرى هى صدق الكلمة من حيث هى : فإن الحقيقة آية نفسها تحمل برهانا فى مضمونها ، فيطمئن اليها العقل ، و يبدو ما يباينها هزيلا واضح البطلان " . هذا هو مقياس النبوة الأول . و قد رأينا بطلانه . فهو يضع الوحى و التنزيل موضع العقل و المنطق ، و يضفى صفة الوحى على كل حقيقة بشرية .
و مقياس النبوة الثانى فى صدق الرسول . و هو مزدوج : " آية صدقه ما أتانا به " فى مطابقة الوحى للحقيقة ، " و ان أول مقياس يقاس به صدق صاحب الرسالة هو مبلغ إيمانه بها " . هذا منطق غريب يدور فى حلقة مفرغة : الكلمة منزلة لأنها صادقة ، و هى صادقة لأنها منزلة ! النبى صادق لأن نبوته صادقة ، و نبوته صادقة لأن النبى صادق .
و هذا التخريج لا يأخذ بعين الاعتبار الواقع القرآنى . يقول : " ان اول مقياس يقاس به صدق صاحب الرسالة هو مبلغ ايمانه بها " . فهل استشهاد سقراط فى سبييل فلسفته دليل
على أنها منزلة ؟ و هل استشهاد الحلاج فى سبيل الحلولية المطلقة برهان على أنها الحقيقة ؟ و هل ايمان الفلاسفة و العلماء بنظرياتهم برهان على أنها منزلة من الله ؟
و هذا المقياس ينقضه ايضا الواقع القرآنى : " فإن كنت فى شك مما أنزلنا اليك ، فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك : لقد جاءك الحق من ربك ! فلا تكونن من الممترين ! و لا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله ، فتكون من الخاسرين " ( يونس 94 – 95 ) . و التحذير الشديد لمحمد برهان على ان الشك من التنزيل قد بلغ فى نفسه مبلغا . و يلاحقه القرآن : " فلا تكونن من الممترين " ( الانعام 114 ، يونس 94 ، البقرة 147 ) ، " فلا تك فى مرية منه ، إنه الحق من ربك " ( هود 17 ) ، " فلا تك فى مرية مما يعبد هؤلاء " ( هود 109 ) .
و يدعوه القرآن مرارا الى الاستقامة فى دعوته : " فاستقم كما أمرت و من تاب معك ، و لا تطغوا ، إنه بما تعملون بصير " ( هو 112 ) ، " فلذلك ( دين ابراهيم و موسى و عيسى ) فادع و استقم ، كما أمرت ، ولا تتبع أهواءهم ، و قل : آمنت بما أنزل الله من كتاب " ( الشورى 15 ) . نقل الزمخشرى فى تفسير " فاستقم كما أمرت " ( هو 112 ) عن ابن عباس : ما نزلت على رسول الله صلعم فى جميع القرآن آية كانت أشد و لا أشق عليه من هذه الآية ، و لهذا قال : ( شيبنى هود ) ! و عن بعضهم : ما الذى شيبك منها ! قال : " فاستقم كما أمرت " . ثم قال : أفتقر الى الله بصحة العزم " .
و الأزمات الايمانية متواترة فى القرآن ( 1 ) . و هى واقع قرآنى لا مرية فيه . فكيف " يكون أول مقياس يقاس به صدق صاحب الرسالة ، هو مبلغ إيمانه بها " ؟
و ان صح هذا المقياس ، فما البرهان على أن النبى – كل نبى – ليس موهوما ؟ ! فما البرهان ان الوحى عنده ليس وحى الفطرة ، بل وحى الله ؟ إن إخضاع صحة الوحى للعامل النفسانى هو أكبر شبهة عليه ، إ لا عصمة إلا الله .
و صعمة الله فى التنزيل لا تقاس على " مبلغ إيمان النبى به " ، و لا " على صدق الكلمة من حيث هى " . فالتنزيل من الله ، لا يؤيده شىء من الانسان ، انما يؤيده شىء من الله نفسه ، و هذا هو المعجزة .
8 – هل القرآن " أسلوب جديد " فى النبوة ؟
قال الاستاذ دروزة يفلسف حكمة الله فى منع المعجزات عن محمد دلائل على صحة نبوته :
" إن حكمة الله اقتضت أن لا تكون الخوارق دعامة لنبوة سيدنا محمد عليه السلام ، و برهانا على صحة رسالته و صدق دعوته – التى جاءت بأسلوب جديد هو أسلوب لفت النظر إلى الكون و ما فيه من آيات باهرة ، و البرهنة بها ... ثم أسلوب مخاطبة العقل و القلب ... ( و هذا الاسلوب الجديد ) جعلها فى غنى عن معجزات خارقة للعادة لا تتصل بها بالذات ... هو أسلوب خالد حى قوى فى كل زمان و مكان ببراهينه و دلائله و حيويته و نفوذه و فصاحته و معقوليته و منطقه و سموه . و لذلك كان و ظل معجزة النبوة الخالدة الكبرى من هذه النواحى " .
أجل إن أسلوب القرآن " حى خالد قوى ... ببراهينه و دلائله و حيويته و نفوذه و فصاحته و معقوليته و منطقه و سموه " . لكن هل هو " أسلوب جديد " ؟ و هل قبل به أهل مكة برهانا على صحة النبوة و الدعوة ؟ نضيف الى ما قلناه سابقا هذه الاعتبارات .
1 ) لم يقبل أهل مكة " بالاسلوب الجديد " فى القرآن معجزة له . يكفينا شهادة الاستاذ دروزة نفسه ( 1 ) : " فوقف الزعماء ازاء هذا الموقف القرآنى من تحديهم ، و أخذوا يطالبون النبى صلعم بالمعجزات و الآيات برهانا على صدق دعواه أولا . ثم أخذوا يدعمون مطالبهم بتحد آخر و هو سنة الأنبياء السابقين الذين جاؤوا بالآيات و المعجزات ... و لقد تكرر طلب الآيات من الجاحدين ، أو بالأحرى زعمائهم ، كثيرا حتى حكى القرآن المكى ذلك عنهم خمسا و عشرين مرة صريحة ، عدا ما حكى عنهم من التحدى الضمنى ، و من التحدى بالإتيان بالعذاب و التساؤل عن موعده . و لا نعدو الحق اذا قلنا إن المستفاد من الآيات القرآنية المكية أن الموقف تجاه هذا التحدى المتكرر كان سلبيا " .
فالواقع القرآنى شاهد عدل على أن هذا " الاسلوب الجديد " فى القرآن لم يكن برهانا على صحة النبوة و الدعوة ، و لا قام عند العرب مقام المعجزة دليلا على صحة النبوة . فلم يكن هذا الاسلوب الجديد " فى غنى عن معجزات خارقة للعادة " .
2 ) و هل كان " أسلوب لفت النظر الى الكون و ما فيه من آيات باهرة ، و البرهنة بها " " أسلوبا جديدا " فى النبوة ؟
ألم يكن " أسلوب لفت النظر الى الكون و ما فيه من آيات باهرة ، و البرهنة بها " على صحة التوحيد أسلوب " الكتاب و الحكم ( الحكمة ) و النبوة " الذى أمر محمد أن يقتدى به ( الأنعام 90 ) ؟ أجل لقد كان أسلوب الكتاب و الأنبياء كأشعيا ، و أسلوب الزبور ، و أسلوب الحكمة ، و أسلوب الانجيل . ففى عرف الكتاب كله ، أن الخليقة تدل على خالقها .
نكتفى من الكتاب بقول الحكمة : " إن جميع الذين لا يعرفون الله هم حمقى من طبعهم . لم يقدروا أن يعلموا الكائن من الآيات المنظورة ؟ و لم يتأمولوا المصنوعات حتى يعرفوا صانعها " ( سفر الحكمة : ف 13 كله ) .
و قال الاستاذ العقاد يصف إعجاز الانجيل فى دعوة السيد المسيح ( 1 ) : " و ذوق الجمال باد فى شعوره ، كما هو باد فى تعبيره و تفكيره . و التفاته الدائم الى الأزهار و الكروم و الحدائق التى يكثر من التشبيه بها فى أمثاله ، عنوان لما طبع عليه من ذوق الجمال و الاعجاب بمحاسن الطبيعة . و كثيرا ما كان يرتاد المروج و الحدائق بتلاميذه ، و يتخذ من السفينة على البحيرة – بحيرة طبريا – منبرا يخطب منه المستمعين ، على شاطئها المعشوشب ، كأنما يوقع كلامه على هزات السفينة ، و صفقات الموج ، و خفقات النسيم . و لم يؤثر عنه أنه ألف المدينة كما يألف الخلاء الطلق ، حيث يقضى سويعات الضحى و الأصيل ، أو سهرات الربيع ، فى مناجاة العوالم الأبدية ، على قمم الجبال ، و تحت القبة الزرقاء ... و هم يصغون بأسماعهم و قلوبهم الى ذلك المعلم المحبوب الذى كان يناجيهم بالغرائب و الغيبيات مأنوسة حية " .
و الشعر و الحكمة و الصوفية فطرة فى السيد المسيح . فيأخذ من مظاهر الكون ، بالمنطق لفطرى السليم ، براهينه على عناية الله بخلقه : " إنى أقول لكم : لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون ! و لا لأجسادكم بما تلبسون ! أليست النفس أعظم من الطعام ، و الجسد أفضل من اللباس ؟ انظروا الى طيور السماء ، فإنها لا تزرع و لا تحصد و لا تجمع الى أهراء ، و أبوكم السماوى يقوتها : أفلستم أنتم أفضل منها بكثير ! ... تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو : إنها لا تتعب و لا تغزل ، و أنا أقول لكم : ان سليمان فى كل مجده لم يلبس كواحدة منها ! فإذا كان

عشب الحقل الذى يكون اليوم ، و يطرح فى التنور غدا ، يلبسه الله هكذا ، فكم بالأحرى يلبسكم أنتم يا قليلى الايمان ! ... و أبوكم السماوى عالم بأنكم تحتاجون الى هذا كله : فاطلبوا أولا ملكوت الله و بره و هذا كله يزاد لكم " ( متى 6 : 25 – 33 ) . هذا هو منطق الفطرة السليم . و هو الاسلوب المعجز فى لفت النظر الى الكونو آياته . لكن السيد المسيح يقرن الحكمة بالمعجزة لأنهما جناحا التنزيل فى الانجيل .
و بولس ، رسول المسيح ، يسير على خطى معلمه ، فيخاطب أهل روممة ، عاصمة المسكونة ، مستعليا بالحكمة المنزلة على الحكمة الهلنستية الرومانية : " إن ما يعرف عن الله واضح لهم ، فقد أبانه الله لهم : فمنذ خلق العالم ، لا تزال صفاته الخفية ، لا سيما قدرته الأزلية و إلهيته ، ظاهر للبصائر فى مخلوقاته . فلا عذر لهم ، لأنهم عرفوا الله و لم يمجدوه و لم يحمدوه كما ينبغى لله ، بل تاهوا فى آرائهم الباطلة ، فأظلمت قلوبهم الغبية . زعموا أنهم حكماء ، فإذا هم حمقى ، قد استبدلوا بمجد الله الخالد صورا تمثل الانسان الزائل و الحيوان من طير و دابة و زحافات " ( 1 : 19 – 23 ) .
فلم يأت القرآن " بأسلوب جديد " فى النبوة و الدعوة . إنما سار على مثال الكتاب كله ، إمامه فى الهدى و البيان : " و من قبله كتاب موسى إماما و رحمة ، و هذا كتاب مصدق لسانا عربيا " ( الاحقاف 12 ، هود 17 ) ، فليس فيه من جديد سوى اللسان العربى ، و ذلك بشهادته الصادقة القاطعة . و هو إنما كان " يعلمهم الكتاب و الحكمة " ( البقرة 129 ، آل عمران 164 ، الجمعة 2 ) اى " التوراة و الانجيل " ( آل عمران 48 ، المائدة 110 ) . و يؤكد : " هذا ذكر من معى و ذكر من قبلى " ( الانبياء 24 ) ، " و انه لذكر لك و لقومك " ( الزخرف 44 ) ، " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات و الزبر " ( النحل 43 – 44 ) . إن " الذكر " القرآنى ينتسب إلى " أهل الذكر " أى أهل الكتاب ، و يستشهد بهم على صحة دعوته . هذا هو أسلوب القرآن ، ى غيره .
لقد جاء الكتاب و الانجيل بهذا " الاسلوب الجديد " ، " أسلوب لفت النظر إلى الكون و ما فيه من آيات باهرة ، و البرهنة بها " . لكن الكتاب و الانجيل قرنا الحكمة بالمعجزة . و اقتصر القرآن وحده على الحكمة بدون معجزة .
3 ) فهل اقتصار القرآن على " الأسلوب الجديد " المزعوم هو " معجزة النبوة الكبرى الخالدة " ؟ ز هل يصح هذا " الاسلوب الجديد " برهانا على صحة النبوة و صدق الدعوة ؟
إن أسلوب البرهنة بآيات الخليقة على خالقها هو أسلوب جميع المتكلمين فى التوحيد ، من أهل الكتب السماوية ، و من أهل الفلسفة و الكلام فى كل الأديان . فليس هو مقتصرا على القرآن و حده ، ليكون " معجزة النبوة الكبرى الخالدة " !
و هذا " الاسلوب الجديد " يعنى اقتصار التوحيد المنزل على التوحيد العقلى كأنه ليس فى تنزيل الله من غيبه ما يسمو على الانسان و عقله ! فلو لم يكن عند الله ما هو أسمى من الفطرة و من العقل لما أنزله الله ! فما يقدر عليه العقل بفطرته لا حاجة لنا الى وحى به . هذا هو منطق البوذية و البرهمية : لا نبى سوى العقل !
ثم ان إنزال الوحى منزلة العقل هو جعل العقل حكما على التنزيل . و هذا هو موقف الدهريين فى كل زمان . انه تلبيس الوحى بالمنطق . و قد قالوا : " من تمنطق تزندق " !
و ان قياس الحقيقة المنزلة على الحقيقة البشرية و بميزانها يضطرنا الى اعتبار كل حقيقة عقلية أو علمية منزلة ، و اعتبار كل كتاب بشرى – حتى من ملحد – يعلم الحقيقة منزلا ! إذ لم يبق من سبيل الى التمييز فى الحقيقة بين وحى الله و فيض العقل .
و اعجاز القرآن كدليل على وحى الله به ، " لاجتماع الدليل و المدلول عليه فيه " ، لا يتخطى اللغة العربية ، و للخاصة من أهلها ، و يذوب فى الترجمة الى لغات العالمين ، فتبقى الحقيقة المنزلة للعالمين أجمعين بدون دليل على صحتها و مصدرها . و إرغام العالمين على معرفة العربية ، حتى ذوق الجمال الفنى فى القرآن ، هو تكليف الناس بما لا طاقة لهم به ، و يخالف سنن الله فى خلقه ، " و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " .
النتيجة الحاسمة ان الحقيقة فى كلام الخالق و كلام المخلوق واحدة فى ذاتها : فلا شىء فى ذاتها يدل على مصدرها ، من حيث هى حقيقة . لذلك لا يميز الحقيقة ، من حيث مصدرها ، فى كلام الله ، عنها فى كلام الانسان ، سوى دليل إلهى خارج عنها و هذا الدليل الإلهى ، قرين الحقيقة المنزلة للدلالة على مصدرها و على عصمتها ، هو المعجزة . فلا نبوة بل معجزة .
9 – هل " كل رسول تكون معجزته من جنس ما نبغت فيه أمته " ؟
هى مقالة السيد عفيف عبد الفتاح طبارة فى كتابه ( روح الدين الاسلامى ، ص 30 ) ، تواترت اليه عمن سبقه اليها من أمثاله . فاختار الله معجزة لمحمد الاعجاز البيانى فى القرآن ، لأن " العرب كانت مفطورة على حب البلاغة و الأدب و الشعر و الخطابة " ( ص

27 ) . لقد بحثنا نظرية السيد طبارة . هنا نتوقف على هذه المقالة ، تتميما لفلسفة أهل العصر فى النبوة و المعجزة .
إن كتب الأدب لا تعرف لعرب الجاهلية سوى الشعر الغنائى ، و تجهل عندهم الشعر الملحمى و المسرحى . و لا تذكر لهم من الخطابة ما يستحق الذكر . ناهيك عن سائر الفنون الأدبية . و هذا الواقع لا يقاس أبدا بما كان فى أثينة و رومة و الاسكندرية و أنطاكية . فلم ينبع العرب فى الاعجاز البيانى و البلاغى ، قبل القرآن ، الى بعض ما نبغت فيه تلك العواصم ، فى عهدها الوثنى كما فى عهدها المسيحى .
و هل يقاس الأدب الجاهلى بما فى الكتاب القدسى من تشريع و تاريخ و شعر و خطابة و قصص و ملحمة ، حتى ندعى أن بنى قومنا فى جاهلية الحجاز نبغوا فيه أكثر من بنى عمومتهم ؟
و السيد طبارة يناقض نفسه حتى يزعم للقرآن معجزات علمية لم يكتشفها فيه العرب قبل القرن العشرين : فهل نبغوا فى العلوم الكونية حتى تكون هذه المعجزات العلمية " من جنس ما نبغت فيه أمته " !
وهب أن السيد طبارة يتكلم عن العرب وحدهم و نبوغهم فى فن الكلام : فهل اعجاز بيانى و بلاغى فى خطابهم ، يكون معجزة للعالمين ؟ و سنرى أن القرآن لا يعتبر اعجازه معجزة للعالمين ، و لا للعرب الكتابيين .
10 – هل من " المستحيل أن تخلو سيرة النبة من معجزات تشهد له " ؟
لقد درسنا مقالة الشيخ عبد الكريم الخطيب . نقف هنا عند منطقه من وجود المعجزة شهادة للنبوة . انها قضية مبدإ : محمد نبى ، فلا بد من المعجزات تشهد له ، لذلك فهى قائمة ملموسة . يقول : " إذا كان من الممككن أن يسلم عقلا بأن تخلو سيرة الرسول الى مبعثه من إشارات و دلالات تشير إلى النبوة و تحدث عنها ... اذا كان من الممكن ان يسلم بهذا – و هو ما لا يمكن أن يسلم به أو يقبل بحال أبدا – فإن عدم التسليم بهذا فى الفترة السابقة من حياة النبى قبل مبعثه يرتفع الى درجة المستحيل ان تخلو سيرة النبى خلال فترة النبوة من آيات و معجزات تشهد له بأنه ذلك الانسان الذى اختاره الله و اصطفاه و رفع منزلته على منازل الناس جميعا فى الدنيا و الآخرة " ( النبى محمد ، ص 224 ) .
الاستحالة شهادة ناطقة على ضرورة المعجزة لصحة النبوة . لكن مقالته جامعة للمتناقضات :
تناقض بالنزول من المبدإ الى الواقع : يجب أن يكون لمحمد معجزات ، إذن محمد له معجزات تشهد له ، و هذا خلاف صريح القرآن .
تناقض بالدوران فى حلقة مفرغة : ان محمدا نبى ، لذلك يستحيل ان تخلو سيرته من معجزات . إن أمثال الخطيب يرفضون أن يخضعوا للواقع القرآنى الصريح و موقفه السلبى من كل معجزة تشهد له .
تناقض فى موقفه . إنه من جهة يروى " إشارات و دلالات تشير الى النبوة و تحدث عنها " قبل البعثة ، و يقص معجزات ، خلال فترة النبوة ، تشهد له . و من جهة أخرى يعلن : " أما معجزة النبى الكبرى و آيته الخالدة فهى القرآن الكريم " ( ص 237 ) . و العبرة بمعجزة التحدى ، و ليس لمحمد سوى القرآن كما يصرح الخطيب نفسه : " و نحن نقول : ان معجزة الرسول هى القرآن ، و ليس له معجزة سواها " ( ص 72 ) .
و فى معجزة القرآن يناقض أيضا نفسه : " إن الاعجاز القرآنى يخاطب العقل و يناجى الوجدان . على حين ان الاعجاز فى معجزات الرسل إنما يخاطب الحواس و يصادم ناموس الطبيعة القائم فى الناس ، فيحدث فى الحياة زلزلة عنيفة تنبه الغافلين و توقظ النيام . لهذا كان الاعجاز القرآنى فى حاجة ملزممة الى قوة تظاهره و تجعل له فى الناس قدما ثابتة " ( ص 279 ) . فالاعجاز القرآنى بحاجة الى معجزة ، لكن المعجزة ليست بحاجة الى اعجاز . ان الشيخ يسجل ضعف الحجة عند الناس بالاعجاز القرآنى . لكن هذا السلطان المبين ، المعجزة ، " التى تظاهره و تجعل له فى الناس قدما ثابتة " ، لا وجود لها فى القرآن و السيرة بشهادة الراسخين فى العلم من أهل القرآن . فمبدأ الاستحالة الذى ينادى به الشيخ الخطيب يسقط أمام الواقع .
و هكذا فإن فلسفة علماء العصر ، لتعليل امتناع المعجزة فى القرآن و السيرة ، فلسفة تسىء الى الوحى الإلهى و حرمته و عصمته . فلا نبوة بلا معجزة .

الصفحة
  • عدد الزيارات: 14629