البحث عن اليقين - دراسة أكثر

الصفحة 3 من 9: دراسة أكثر

دراسة أكثر:

أرسل لي مركز دروس المراسلة المنهاج فوراً. ولكن لسوء الحظّ قدّم ساعي البريد هذه الدروس إلى عمّي ليسلّمها لي. وفي اليوم التالي قدّمها عمّي إلى والدي وأعمامي الآخرين. فكانت النتيجة أنهم قرّروا وقف هذه الدراسة قبل أن تبدأ.

في مساء ذلك اليوم عندما عدت من المدرسة ربطني والدي إلى عمود في شرفة بيتنا وضربني بعصا حتّى أعيت قوّتي. وفي صباح اليوم التالي دعاني وتكلّم معي بلطف ومحبّة وقال: نحن المسلمين يجب أن لا نقرأ هذه الكتب فإنها محرّمة، لا سيّما كتب المسيحيّين. وذلك لأنها كتب جذّابة جدّاً بحيث إذا قرأناها نصبح نحن أيضاً مسيحيّين. وماذا يحدث لعائلتنا عندئذٍ، إنّ ذلك يؤثّر على حياتنا كلّها ويرفضنا مجتمعنا، ويصير هذا لعنة على الإسلام. ووعدتُ والدي أنّي لن أعود أقرأ هذه الكتب.

مزَّقتُ ذلك الكتيّب وأحرقته ولعنتُ نفسي لأنّي لم أفعل كما فعل صديقي من قبل بكتيّبه. وصرت منذ ذلك الوقت مخلصاً جدّاً في إتمام الصلوات اليوميّة الفرضية، والأدعية الإضافية التطوعية. مع ذلك بدأت مع مرور الأيام أشعر بفقدان سلام الفكر وراحة القلب كلّما تذكّرت ذلك الكتيّب وتأمّلتُ في حالة قلبي.

كيف يمكن أن أنسى اسم يسوع وأنا أتلو القرآن دائماً بين صلاة الغروب وصلاة العشاء, ,,, هذا شجّعني أيضاً أن أدرس عن يسوع في القرآن والكتب الإسلاميّة الأخرى التي تيسّرت لي مثل قصص الأنبياء , ورغم أن إلمامي باللغة العربيّة كان محدوداً فقد ثابرت على ذلك بمساعدة يوسف مولاوي، وهو معلّم مسلم في المدرسة العربيّة القريبة من بيتنا وصديق حميم لعائلتنا. لقد وجدت أنّ لعيسى مكانة مهمّة جدّاً في القرآن أكثر حتّى من النبيّ محمّد. وسرعان ما اكتشف مولاوي وعائلتي رغبتي الملحّة في المزيد من المعرفة عن يسوع، فاقترحوا بلطف أن أركّز دراستي أكثر عن محمّد. مع ذلك ظللت أتساءل وأتأمّل في الآيات والفصول القرآنيّة عن يسوع، وميلاده الفريد وأعماله العجيبة. خذ مثلاً:

إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا والْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ والتَّوْرَاةَ والْإِنْجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرَاً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ والْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (سورة آل عمران 3:45-50).

لاحظت أيضاً أنّ القرآن يشير بنوع خاصّ إلى التوراة وهي جزء من العهد القديم، والإنجيل أي العهد الجديد ويدعو الناس إلى الإيمان بهما لأنّهما هُدًى وَنُورٌ (سورة المائدة 5:46). وكثيراً ما خطرت ببالي آية أخرى:

فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (سورة يونس 10:94).

لمّا قرأت هذه الآية تذكّرت المسيحيّين والكتيّب. وقلت في نفسي إنّ المسيحيّين بحسب تعليم الإسلام هم أهل الكتاب . وإذا كان القرآن قد شجّع محمّداً أن يسأل المسيحيّين عن شكوكه فلماذا يحرّم ذلك عليّ أنا، لكنّي شعرت بصعوبة في التقرّب إلى المسيحيّين الذين لم تكن لي معهم سوى صلة قليلة. وأنا أعلم أنّ عائلتي لا توافق على ذلك.

في مدينة مالابورام يوجد مستشفى مسيحي. وقد صمّمت أن أذهب إليه يوماً مع صديقي عبد الله. ولما وصلنا أرشدنا السيّد كونيو كونيا، صيدلي المستشفى، بلطف إلى خادم الربّ. وكنّا صغاراً وفي حالة عصبيّة ولا نعرف ماذا ننتظر، لكن خادم الربّ حيّانا بطريقة ودّية وجعلنا نشعر براحة واطمئنان.

بعد شيء من الحديث والبحث، إقترح علينا خادم الربّ أن نحضر صفوف مدرسة الأحد، وقادنا إلى غرفة القراءة المسيحية. هناك تقابلنا مع السيّد س. ر. جورج المشرف على غرفة القراءة. وقد صار جورج فيما بعد صديقي الحميم جداً وأخي بالمعنى الحقيقيّ، وقد ساعدني في متاعب كثيرة متنوّعة صادفتني. وقد سجّلني في دروس بالمراسلة مؤسّسة على إنجيل يوحنّا. وقد واظب عبد الله وأنا على مدرسة الأحد عدّة أسابيع دون أن يعلم والدانا بذلك. وكان جورج يعاملنا بلطف وأحياناً يدفع أجرة الأوتوبيس (الحافلة) وأحياناً كنّا نمشي تلك المسافة التي تبلغ خمسة أميال. ومرّة ضبطنا بعض جيراننا وسألوا عبد الله وضربوه حتّى ألزموه أن يفشي سرّنا.

وفي مساء اليوم التالي لما عدت من المدرسة رأيت أمّي وأختي الصغرى تبكيان فقد علمتا أنّ أبي قد أعدّ لي شيئاً. وحالما دخلت البيت ظهر أبي فجأة وهو يصيح وأمسكني وربطني ووضعني قرب حائط وضربني وطلاني بطلاء أخضر غطّى وجهي وعيني. وهو يسألني طوال الوقت لماذا أقرأ الكتب المسيحيّة وأختلط مع المسيحيّين. وقد أُغمى على والدتي. وبعد وقت تعطّفت عليّ إحدى جاراتنا مع زوجة أخي وأخذتاني إلى برميل ماء حيث اغتسلت.

في صباح اليوم التالي دعاني والدي وطلب منّي أن أكرّر الشهادتَين لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله وقادني هو في هذه التلاوة. ثمّ حذّرني من المسيحيّة وتعاليمها الفاسدة عن يسوع المسيح وعن تحريف الإنجيل وحياة المسيحيّين الرديئة. وطلب من زوجة أخي أن تحرق كتبي المسيحيّة وقد فعلت ذلك. وهذا أثّر فيّ أشدّ تأثير فبكيت بحرقة ومرارة. ولم يكن عندي سلام القلب لأنّ فرصة تعلّمي أكثر عن يسوع وعن الإنجيل من الأصدقاء المسيحيّين قد ضاعت.

عندما ذهبت إلى المكان الذي فيه حرقت كتيّبي قلب باك تأسّفت جداً لضياع هذا الكتيّب. وكلّما تذكّرت الحديث فيهذا الكتيّب عاودني الصراع والألم. وعاودني أيضاً اختبار الشابّ المبهج بالغفران وزاد حمل الخطيّة الثقيل على قلبي. وأنا كمسلم قد تعلّمتُ أننا نحن أنفسنا مسؤولون عن خطايانا، ولا يستطيع أحد آخر أن يحمل حمل أيّ شخص (سورة الأنعام 6:164). كيف إذاً استطاع يسوع أن يغفر لأيّ شخص، مع ذلك ظللت أصلّي طالباً مزيداً من الإرشاد.

لم يفارقني الشعور بخطيّتي قطّ. وظلّ ينهش قلبي باستمرار. وبعد أسبوعين عاودني شوق شديد أن أرى أصدقائي المسيحيّين الذين يمكن أن أشاركهم متاعبي وشكوكي. وشجّعني خادم الربّ إذ أجاب على أسئلتي عن المعتقدات والتصرّفات المسيحيّة. وقد أقنعتني أجوبته لأنّه كان يعرف القرآن والإيمان الإسلاميّ.

عدتُ إلى البيت ومعي نسخة من الإنجيل كلّه أهداها إليّ صديقي جورج. ومع أني كنت فرحاً جدّاً بها إلاّ أني كنت أخاف أن يراها أحد من أهل بيتي. لذلك وضعت الإنجيل في كيس من البلاستيك وخبّأته تحت حجر في غابة. وكثيراً ما كنت أذهب إلى الغابة وأقرأه هناك، خصوصاً إنجيل يوحنا. وقد أعطتني آية قالها الربّ يسوع شيئاً من التعزية لَا تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِا للّ هِ فَآمِنُوا بِي (يوحنا 14:1).

وقد أثّرت في نفسي في ذلك الوقت كلمات الربّ يسوع آمنوا بي . في وسط قلقي حملت هذه الآية تعزية لقلبي المضطرب.

في يوم الأحد التالي وأنا في طريقي إلى مدرسة الأحد لاحظت عمّي بين ركّاب الأوتوبيس الذي كنت فيه. وارتعبت ممّا سوف ألاقيه لو أخبر عمّي والدي بذلك. لكنّي حضرت مدرسة الأحد وصرفت وقتاً مع خادم الربّ.

قبل أن ألتقي مع أصدقائي المسيحيّين الجدد كنت متعصّباً جداً ضدّ المسيحيّين لأني سمعت مذمّات كثيرة عنهم. لكنّي لما لاحظت أخلاق خادم الربّ وتصرّفاته وأسلوب حياته وموقفه تجاه المسلمي،ن وجدتُ أن كلّ الانتقادات التي سمعتها عن المسيحيّة باطلة ولا تنطبق عليه. وهذا جعلني أفكّر: هل محبّته أعظم من محبّة المسلمين، هل الربّ يسوع المسيح عمل له أكثر ممّا عمل نبيّي لي، وهذا جعلني أتحيّر لأني كنت أعتقد أن كلّ شخص غير مسلم بما في ذلك النصارى الذين يؤمنون أنّ الله هو المسيح، كافر يرفضه الله كما يقول القرآن:

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِا للَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (سورة المائدة 5:72-73).

وتذكّرت أيضاً ما كنت أفكّر فيه من قبل وهو أنّي كعضو في الأمّة الإسلاميّة، قد أسلمت نفسي لله، فأنا أقدس من المسيحيّين. ولكن كلّما زاد شعوري بذنوبي وخطاياي أدركت أنّ خادم الربّ هو الذي أسلم نفسه لله، لأنّ أخلاقه تدلّ على ذلك. وصرت أعلم أن محبّته تصدر من المسيح كما وصفها قلب باك وقد جذبتني محبّة المسيح كالمغناطيس. وفكّرت أنه لو كان المسيح سيّدي لأحببته حباً فائقاً. مع ذلك لما كان هذا الفكر يخطر ببالي كنت أرفضه كأنّه فكر شرّير صادر من الشيطان لأني كنت مسلماً.

عدتُ من مالابورن بخوف شديد، وكنتُ مستعداً أن أقبل أيّ عقاب يوقعه والدي عليّ، ولكن مضى يومان دون أن يحدث شيء. وفي اليوم الثالث أمسكني والدي بعد المدرسة وألقاني في غابة، وأخذ يضربني بعصاً ضرباً قاسياً، وأوقع بي عقاباً يكاد يكون قاتلاً. وضرب أمّي أيضاً عندما جاءت لإنقاذي. ولم أنجُ إلاّ بنعمة الله وعدت واعترفت مرّة أخرى بإيماني وعقيدتي الإسلاميّة ووعدت أبي أن لا أعود أتّصل بالمسيحيّين فيما بعد. ترى هل كان اعترافي مجرّد تهرّب من عقاب آخر،
كان صديقي عبد الله قد نشر الأخبار في كلّ المنطقة وصارت حياتي كئيبة، وصار الناس يستهزئون بي وينعتونني بأقذر الأسماء، ويرمونني بالحجارة وبينما كنتُ أرجع من المدرسة كنت أسمعهم يقولون: هذا هو الملعون. هذا هو النصرانيّ! وصار الأقرباء والأصدقاء والمعلّمون يعاملونني بقسوة. وصرت أشعر بحيرة وتعب ووحدة واضطراب. وفي هذه الفترة كان الإنجيل المقدّس رفيقي الدائم. تعوّدتُ أن أذهب إلى الغابة لأقرأه وأدرسه كلّما وجدت فرصة.

ثار الصراع القديم في قلبي مرّة أخرى وأنا أقرأ الإنجيل سرّاً. ووجدت خلافاً في النقط الجوهريّة بين محتوياته وبين عقائدي الإسلاميّة. كم حيّرتني كمسلم وأثارتني كلمات المسيح في الآيات التالية:

أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ والْحَقُّ والْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الْآبِ إِلَّا بِي (يوحنا 14:6).

وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الْإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ (يوحنا 17:3).

إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلَامِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً (يوحنا 14:23).

وبما أنه لم يكن عندي أحد يوضح لي هذه الآيات فقد ظللت أقرأ طالباً الإرشاد من الله.

مربوط بالمحبّة
الصفحة
  • أنشأ بتاريخ .
  • عدد الزيارات: 21525

تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.