مصادر الإسلام

تأثيرات زردشتية في القرآن والحديث

فهرس المقال

الفصل الخامس

تأثيرات زردشتية في القرآن والحديث

قال مؤرخو العرب إن ملوك الفرس كانوا متسلطين على كثير من ممالك العرب، قبل مولد محمد وفي عصره أيضاً. قال أبو الفداء إن «كسرى أنوشروان» أرسل جيوشه إلى مملكة الحيرة وعزل ملكها «الحارث» وولى عوضاً عنه أحد رعاياه اسمه «منذر ماء السماء». وبعد ذلك أرسل هذا الملك المشهور جيشه تحت إمرة «وهرز» إلى بلاد اليمن. وكان أول ما فعله بعد ذلك أنه طرد الحبَش وولى «أبا السيف» على مملكة أسلافه (انظر تاريخ أبي الفداء باب 2). ولكن بعد قليل تولى «وهرز» نفسه على مملكة اليمن، وسلَّم لذريته السيادة (سيرة الرسول لابن هشام ص 24 و25). وقال أبو الفداء: «كانت المناذرة آل نصر بن ربيعة عمالاً للأكاسرة على عرب العراق» (باب 2). وقال عن اليمن: «ثم ملك اليمن بعدهم (أي أهل الحِمْيَر) من الحبشة أربعة، ومن الفرس ثمانية، ثم صارت للإسلام».

فيتضح من هذا أنه كان بين أهل الفرس وبين العرب تواصلٌ واختلاط زمن أيام محمد، وقبله. وبما أن الفرس كانوا متقدمين في العلوم والمدنيَّة أكثر من العرب في زمن الجاهلية، كان لابد أن دينهم وعلومهم وعاداتهم وفروضهم أثرت تأثيراً عظيماً في العرب. ويتضح من التواريخ ومن شهادة مفسري القرآن أن قصص العجم وأشعارهم تواترت في ذلك الوقت بين قبائل جزيرة العرب، فتداولوها تداولاً عاماً. وهذا يوافق قول ابن هشام إن العرب لم يسمعوا في عصر محمد قصص رستم وأسفنديار وملوك فارس القدماء فقط، بل إن بعض قريش استحسنوها وفضلوها على قصص القرآن. وهاك نص عبارة ابن هشام: «والنصر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي كان إذا جلس رسول الله مجلساً فدعا فيه إلى الله تعالى وتلا فيه القرآن وحذر قريشاً ما أصاب الأمم الخالية، خلفه في مجلسه إذ قام، فحدَّثهم عن رستم الشديد وعن أسفنديار وملوك فارس، ثم يقول: والله ما محمد بأحسن حديثاً مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبتُها» فأنزل الله فيه «وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليهم بكرة وأصيلاً. قُل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض أنه كان غفوراً رحيماً» (سورة الفرقان 25:5 و6). ولاشك أن هذه القصص عن رستم وأسفنديار وملوك فارس هي القصص التي أخذها الفردوسي بعد محمد بأجيال من مجموعة قصص لأحد الفلاحين ونظمها شعراً، ودُوِّنت في «الشاهنامة». وبما أن العرب طالعوا قصص ملوك الفرس وتواريخهم، فلا نتصور أنهم كانوا يجهلون قصة جمشيد ويجهلون خرافات الفرس عن معراج أرتاويراف وزردشت، ووصف الفردوس، وصراط جينود، وشجرة حوابة، وقصة خروج أهرمن من الظلمات الأولية، فلابد أنهم كانوا يعرفونها حق المعرفة.

فهل أثَّرت هذه القضايا وما شابهها في القرآن وفي الأحاديث المتواترة بين المسلمين أم لم تؤثر فيهما؟ يؤكد منتقدو القرآن أن كل قضية من هذه القضايا أثرت تأثيراً مهماً في القرآن والأحاديث إلى درجة بليغة، حتى أصبحت قصص قدماء الفرس واعتقاداتهم أحد مصادر الإسلام. وقال منتقدو القرآن إن كثيراً من الخرافات التي كانت متداولة في بلاد الفرس في قديم الزمان لم تقتصر على بلاد فارس فقط، بل تناولت قدماء الهنود وانتشرت بينهم أيضاً، لأن أجداد الهنود زحفوا من «هرات» إلى الهند واستوطنوها. فبعض تلك الأوهام والآراء والمذاهب هي الميراث الأدبي والديني لهاتين الأمَّتين، وديانتهم مبنية على هذه الأوهام والآراء التي ورثوها عن السلف. ومع أن مصدر بعضها كان في بلاد فارس بعد توطن أجداد الهنود في الهند، ولكنها بمرور الوقت وصلت إلى الهند وانتشرت بين أهلها فتمسكوا بها. ولكن بما أنه لا يجوز التسليم بصحة قول المنتقدين بدون أن يقيموا برهاناً كافياً، وجب أن نطلب منهم أن يأتوا ببرهانهم إن كانوا صادقين. فأوردوا بعض آيات القرآن والأحاديث. فلننظر فيها بتدقيق ثم لنقارنها بما ورد في كتب الفرس والهند القديمة عن مثل هذه الأمور وما أشبهها.

إستمع واقرأ الإنجيل