مصادر الإسلام

تأثيرات زردشتية في القرآن والحديث - قصة معراج محمد

فهرس المقال

(1) قصة معراج محمد: النبأ عن المعراج في ليلة الإسراء ورد في القرآن في سورة الإسراء 17:1 «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا. إنه هو السميع البصير». وقد اختلف مفسرو المسلمين اختلافاً عظيماً في تفسير هذه الآية، فقال ابن إسحق إنه ورد في الأحاديث أن عائشة كانت تقول: «ما فُقد جسد رسول الله ص ولكن الله أسرى بروحه». وورد في الأحاديث أيضاً أن محمداً ذاته قال: «تنام عيني وقلبي يقظان» (سيرة الرسول ص 139). ويُفهم مما قاله محيي الدين في تفسيره هذه الآية أنه فهم المعراج والإسراء بطريقة مجازية واستعارية، لأنه قال: «سبحان الذي أسرى» أي أتْرَهَهُ عن اللواحق المادية والنقائص التشبيهية بلسان حال التجرد والكمال في مقام العبودية الذي لا تصرف فيه أصلاً. «ليلاً» أي في ظلمة الغواشي البدنية والتعليقات الطبيعية، لأن العروج والترقي لا يكون إلا بواسطة البدن. «من المسجد الحرام» أي من مقام القلب المحرم عن أن يطوف به مشرك القوى البدنية ويرتكب فيه فواحشها وخطاياهاويحجه غوى القُوى الحيوانية من البهيمية والسبعية المنكشفة سواء إفراطها وتفريطها لعروسها عن لباس الفضيلة. «إلى المسجد الأقصى» الذي هو مقام الروح الأبعد من العالم الجسماني بشهود تجليات وسبحات الوجه وتذكر ما ذكرنا أن تصحيح كل مقام لا يكون إلا بعد الترقي إلى ما فوقه، لتفهم من قوله «لنريه من آياتنا» مشاهدة الصفات، فإن مطالعة تجليات الصفات وإن كانت في مقام القلب، لكن الذات الموصوفة بتلك الصفات لا تشاهد على الكمال بصفة الجلال إلا عند الترقي إلى مقام الروح، أي لنريه آيات صفاتنا من جهة أنها منسوبة إلينا. ونحن المشاهدون بها البارزون بصورها».

فإذا اعتمدنا على قول محمد ذاته وقول عائشة وتفسير محيي الدين، كان معراج محمد مجازياً واستعارياً وليس حقيقياً. غير أن ما قاله ابن إسحق وغيره ينافي هذا الرأي، لأنه قال إن محمداً قال إن جبريل أيقظه مرتين وأنه نام ثانية، ثم ساق الكلام قائلاً «فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه، فجلستُ. فأخذ يعضدني. فقمت معه فخرج إلى باب المسجد فإذا دابة أبيض، بين البغل والحمار، في فخذيه جناحان يحفز بها رجلين. يضع يده في منتهى طرفه، فحملني عليه ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته». قال ابن إسحق: وحدثت عن قتاده أنه قال: حدثت أن رسول الله قال: «لما دنوتُ لأركبه شَمُس، فوضع جبريل يده على مَعْرَفته، ثم قال: ألا تستحي يا بُراق مما تصنع؟ فوالله يا براق ما ركبك عبدٌ لله قبل محمد أكرم على الله منه. قال: فاستحيا حتى ارفضَّ عرقاً، ثم قرَّ حتى ركبته». قال في حديثه: فمضى رسول الله ومضى جبريل معه حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء، فألهم رسول الله فصلى بهم، ثم أتى بإناءين في أحدهما خمر وفي الآخر لبن. قال: فأخذ رسول الله ص إناء اللبن فشرب منه وترك الخمر. فقال له جبريل: هُديت للفطرة وهُديت أمتك يا محمد، وحرمت عليكم الخمر». ثم انصرف رسول الله إلى مكة.

فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس: «هذا والله الأمر البين. إن العير لتطرد شهراً من مكة إلى الشام مدبرة، وشهراً مقبلة. أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة؟» (سيرة الرسول لابن هشام صفحة 138 و139). وورد في مشكاة المصابيح: «عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة: أن نبي الله حدَّثهم عن ليلة أُسري به: بينما أنا في الحطيم وبما قال في الحجر، مضطجعاً، أن أتاني آت، فشق ما بين هذه وهذه (يعني من ثغرة نحره إلى شعرته) فاستخرج قلبي، ثم أُتيت بطست من ذهب مملوء إيماناً، فغسل قلبي ثم حشي، ثم أعيد. وفي رواية: غُسل البطن بماء زمزم ثم مُلئ إيماناً وحكمة. ثم أُتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار، أبيض، يُقال له البراق، يضع خطوة عند أقصى طرفه. فحُملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنِعم المجيء. جاء ففتح. فلما خلصت فإذا فيها آدم. فقال: هذا أبوك آدم فسلِّم عليه. فسلمتُ عليه فردَّ السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى السماء الخامسة فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء. جاء ففتح. فلما خلصت فإذا هارون. قال: هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه، فردَّ ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً، فنعم المجيء. جاء ففتح. فلما خلصت فإذا موسى. قال: هذا موسى فسلِّم عليه. فسلمتُ عليه، فردَّ ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلما جاوزتُ بكى. قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي. ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبرائيل. قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء. فلما خلصت فإذا إبراهيم. قال: هذا أبوك إبراهيم فسلِّم عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رُفعت إلى المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. قال: هذا سدرة المنتهى. فإذا أربعة أنهار، نهران باطنان ونهران ظاهران. قلت: ما هذا يا جبرائيل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات. ثم رُفع لي البيت المعمور، ثم أوتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن. فقال: هي الفطرة أنت عليها وأمَّتك» (مشكاة المصابيح من صفحة 518 إلى 520). ثم ساق الكلام وذكر أشياء أخرى كثيرة تختص بمعراج محمد، منها بكاء آدم وغيره مما لا لزوم إلى ذكره هنا.

ولننظر فيما إذا كان ما ذُكر عن معراج محمد أُخذ من قصة قديمة مشابهة لها أم لا. وإذا سأل سائل: ما هو مصدر قصة المعراج؟ قلنا: كتاب «أرتاويراف نامك» المكتوب باللغة البهلوية (أي اللغة الفارسية القديمة) منذ 400 سنة قبل الهجرة، في أيام أردشير بابكان ملك الفرس. وبيان ذلك أنه لما أخذت ديانة زردشت في بلاد الفرس في الانحطاط، ورغب المجوس في إحيائها في قلوب الناس، انتخبوا شاباً من أهل زرشت اسمه «أرتاويراف» وأرسلوا روحه إلى السماء. ووقع على جسده سُبات. وكان الهدف من سفره إلى السماء أن يطَّلع على كل شيء فيها ويأتيهم بنبأ. فعرج هذا الشاب إلى السماء بقيادة وإرشاد رئيس من رؤساء الملائكة اسمه «سروش» فجال من طبقة إلى أخرى وترقى بالتدريج إلى أعلى فأعلى. ولما اطلع على كل شيء أمره «أورمزد» الإله الصالح (سند وعضد مذهب زردشت) أن يرجع إلى الأرض ويخبر الزردشتية بما شاهد، ودُوِّنت هذه الأشياء بحذافيرها وكل ما جرى له في أثناء معراجه في كتاب «أرتاويراف نامك».

ولنترجم عبارتين أو ثلاث عبارات من كتاب «أرتاويراف نامك» (فصل 7 فقرة 1-4) لننظر إن كان هناك تشابه بين معراج محمد ومعراج أرتاويراف الوهمي. قال: «وقدمت القدم الأولى حتى ارتقيت إلى طبقة النجوم في حومت.. ورأيت أرواح أولئك المقدسين الذين ينبعث منهم النور كما من كوكب ساطع. ويوجد عرش ومقعد باه باهر رفيع زاهر جداً. ثم استفهمت من سروش المقدس ومن الملاك آذر ما هذا المكان، ومن هم هؤلاء الأشخاص».

وقصدهم من قولهم «طبقة الكواكب» فهو الحياط الأول أو الأدنى من فردوس الزردشتية، وأن «آذر» هو الملاك الذي له الرئاسة على النار، و«سروش» هو ملاك الطاعة وهو أحد المقدسين المؤبدين، أي الملائكة المقرَّبين لديانة زردشت، وهو الذي أرشد «أرتاويراف» في جميع أنحاء السماء وأطرافها المتنوعة، كما فعل جبرائيل بمحمد.

وبعد هذا ساق الكلام على كيفية وصول «أرتاويراف» إلى طبقة القمر، وهي الطبقة الثانية، ثم يليها طبقة الشمس وهي الطبقة الثالثة في السموات. وهكذا أرشده إلى باقي السموات. وبعد هذا ورد في فصل 11: «وأخيراً قام رئيس الملائكة «بهمن» من عرشه المرصع بالذهب فأخذني من يدي وأتى بي إلى حومت وحوخت وهورست بين أورمزد ورؤساء الملائكة وباقي المقدسين، وجوهر زردشت السامي العقل والإدراك وسائر الأمناء وأئمة الدين. ولم أرَ أبهى منهم رِواء ولا أبصر منهم هيئة. وقال بهمن: هذا أورمزد. ثم أني أردت أن أسلِّم عليه، فقال لي: السلام عليك يا أرتاويراف. مرحباً أنك أتيت من ذلك العالم الفاني إلى هذا المكان الباهي الزاهر. ثم أمر سروش المقدس والملاك آذر قائلاً: احملا أرتاويراف وأرياه العرش وثواب الصالحين وعقاب الظالمين أيضاً. وأخيراً أمسكني سروش المقدس والملاك آذر من يدي وحملاني من مكان إلى آخر، فرأيت رؤساء الملائكة أولئك، ورأيت باقي الملائكة».

ثم ذكر أن أرتاويراف شاهد الجنة وجهنم، وورد في فصل 101: «أخيراً أخذني سروش المقدس والملاك آذر من يدي وأخرجاني من ذلك المحل المظلم المخيف المرجف وحملاني إلى محل البهاء ذلك وإلى جمعية أورمزد ورؤساء الملائكة فرغبت في تقديم السلام أمام أورمزد، فأظهر لي التلطف. قال: يا أرتاويراف المقدس العبد الأمين، يا رسول عبدة أورمزد، اذهب إلى العالم المادي وتكلم بالحق للخلائق حسب ما رأيت وعرفت، لأني أنا الذي هو أورمزد موجود هنا. من يتكلم بالاستقامة والحق أنا أسمعه وأعرفه. تكلم أنت الحكماء. ولما قال أورمزد هكذا وقفت باهتاً لأني رأيت نوراً ولم أرَ جسماً، وسمعت صوتاً وعرفت أن هذا هو أورمزد».

فتتضح من هذا المشابهة العجيبة بين قصة معراج أرتاويراف الكاهن المجوسي وبين معراج محمد. ويوجد عند الزردشتية حكاية أخرى عن زردشت نفسه تقول إنه قبل ذلك الزمان بعدة أجيال عرج زردشت ذاته إلى السماء ثم استأذن لمشاهدة جهنم أيضاً، فرأى فيها «أهرمن» أي إبليس. ووردت هذه القصة بالتفصيل كتاب «زردشتنامه». ولم تتواتر أمثال هذه الخرافات بين الفرس فقط، بل تواترت بين الهنود عبدة الأصنام أيضاً، لأنه يوجد بلغة «سنسكرت» (لغة الهنود القديمة) كتاب يُدعى «إتَدرلوكاكمتم» (يعني السياحة إلى عالم إندره) قال فيه الهنود إن «إندره» هو إله الجو وذُكر فيه أن شخصاً اسمه «أرجنة» وصل إلى السماء وشاهد كل شيء فيها، وأن أرجنة نظر قصر إندره السماوي واسمه «وَيْونتي» وهو قصر في بستان يسمى «نَفْدَنَم». وورد في الكتب الهندية أن في ذلك المحل ينابيع أبدية تروي النباتات الخضراء النضرة الزاهية. وفي وسط ذلك البستان السماوي شجرة تسمى «بكشجتي» تثمر أثماراً تسمى «أمرته» (أي البقاء) فمن أكل من ثمرها لا يموت ولن يموت. وهذه الشجرة مزينة بالأزهار الزاهية ذات ألوان متنوعة رائعة. ومن استظل بظلالها الوارفة مُنح كل منية تمناها. ولا شك أن هذه الشجرة هي التي يسميها المسلمون «الطوبى».

ويعتقد الزردشتية بوجود شجرة عجيبة تُسمى بلغة أفِستا «حوابة» وتُسمى باللغة البهلوية «حوميا» (ومعناها مروية بماء رائق فائق). ووصف في كتاب «ونديداد» (فصل 5) «تأتي المياه في الصفاء من بحر يوئتكة إلى بحر ووؤركشة وإلى شجرة حوابة فتنبت هناك كلالنباتات على اختلاف أنواعها». ومن الواضح أن هذه الشجرة هي ذات «شجرة الطوبى» وهي مثل بكشجتي شجرة الهنود.

ولم ترد هذه الأشياء فقط في كتب الهنود والزردشتية، بل وردت أيضاً في بعض الكتب الكاذبة التي كانت متداولة عند أصحاب البدع والضلالات من المسيحيين في الأزمنة القديمة، ولا سيما كتاب «عهد إبرهيم» الذي تقدم ذكره وفي كتاب آخر يسمى «رؤيا بولس». فورد في كتاب «عهد إبراهيم» أن إبراهيم عرج بإرشاد أحد رؤساء الملائكة إلى السماء وشاهد كل ما فيها. وورد في كتاب «رؤيا بولس» أن بولس الرسول عرج كذلك، ولم نذكره اكتفاءً بما تقدم. وإنما نورد عبارة من «عهد إبراهيم» وهي «ونزل رئيس الملائكة ميخائيل وأخذ إبراهيم في عربة كروبية ورفعه في أثير السماء وأتى به وبستّين ملاكاً من الملائكة على السحاب، فساح إبراهيم على كل المسكونة في مركب» («عهد إبراهيم» صورة 1 فصل 10).

فهذا هو أصل فكرة «البراق» الذي ذُكر في الأحاديث الإسلامية. ولعل اشتقاق البراق من كلمة عبرية تسمى «باراق» ومعناها البرق. ويوجد ما يشبه ذلك في الكتاب الكاذب «كتاب أخنوخ» (فصل 14) فقد ورد فيه كلام على تلك الشجرة السماوية والأربعة الأنهر. وقال اليهود عن شجرة الحياة التي كانت في جنة عدن إن مسافة ارتفاعها 500 سنة (ترجوم يوناثان) ورووا أيضاً روايات أخرى عجيبة عنها. وبما أن المسلمين توهموا أن جنة عدن التي خُلق فيها آدم هي في السماء، وجب أن نبحث عن منشأ هذا الخطأ والوهم، فنقول إن مصدره الكتب الموضوعة ولا سيما «رؤيا بولس» (فصل 45). ولا نعرف إذا كان أصحاب البدع الذين اختلقوا هذه الكتب قد اتخذوا هذه الأشياء وغيرها من كتب الزردشتية والهنود أم لا. إلا أنه من المؤكد أن هذه القصص كاذبة ولا يصدقها عاقل، ولم يقبلها أحد من المسيحيين، سواء كان في الأزمنة القديمة أو الحديثة، بل نبذها الجميع، ولم يعتقد أحد منهم بأنها كُتبت بوحي وإلهام، بل أنها كُتبت لفئة صغيرة من الجهلة أصحاب البدع والضلالات، ولا توجد الآن إلا في مكتبات قليلة على سبيل الفكاهات، ولتبرهن على جهل وحماقة الفرق المبتدعة التي قبلت بعضها بدون برهان على صحتها. بل بالعكس، قبلتها رغم توفُّر الأدلة على بطلانها.

وإذا سأل سائل: إذا كانت خرافات معراج أرتاويراف وزردشت وإبراهيم وأرجنة هي بلا أصل ولا أساس في الواقع، وأن الواجب أن نرفضها، ألا يجب أيضاً عدم تصديق أن أخنوخ وإيليا والمسيح صعدوا إلى السموات؟

قلنا: لا يصعب على الذكي الرد على ذلك، فمن البديهي أنه لا يمكن وجود نقود زائفة ما لم توجد نقود صحيحة حقيقية متقدمة في الوجود عليها، فإن النقود الزائفة عُملت على منوال النقود الصحيحة لغش الجاهل. ولا يجوز لعاقل أن يرفض التعامل بجميع النقود لوجود نقود زائفة في بعض الأحيان. بل نقول إن وجود النقود الزائفة تدل دلالة واضحة على وجود نقود صحيحة. فكذلك يصدق القول على المعجزات، لأنه لولا وجود معجزات صحيحة ما ادَّعى أحدٌ بمعجزات كاذبة. ولو لم يوجد دين حقيقي صحيح ما وُجدت الأديان الكاذبة، ولو لم يشتهر صعود رجال بالحقيقة إلى السماء ما رأينا هذه الخرافات المختلفة بلغات شتى بين عقائد عديدة. والحكيم هو الذي يفحص النقود التي تُعرض عليه قبل قبولها، لأن الفحص يُظهر أن بينها فرقاً كبيراً. وهذا هو سبب اعتقاد المسيحيين اعتقاداً جازماً بصحة ما ورد في الكتب المقدسة من القصص عن صعود أخنوخ وإيليا والمسيح، ورفضهم القصص الأخرى التي ذكرناها. والفرق بين الصدق والكذب ظاهر كالصبح إذا طالعنا ما ورد في الكتاب المقدس عن صعود أخنوخ وإيليا والمسيح، وقارنا بين القصص البسيطة التي لها رنة النقود الحقيقية الصحيحة وبين القصص الكذابة التي تقدم ذكرها.

أما من جهة أخنوخ فقد ورد في سفر التكوين 5:24 «وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه». وأما عن إيليا فورد في 2ملوك 2:11 و12 «وفيما هما (أي أليشع وإيليا) يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار وخيل من نار ففصلت بينهما، فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء. وكان أليشع يرى وهو يصرخ: يا أبي يا أبي، يا مركبة إسرائيل وفرسانها. ولم يره بعد». أما صعود المسيح فذُكر في أعمال الرسل 1:9-11 «ولما قال هذا (أي المسيح) ارتفع وهم ينظرون، وأخذته سحابة عن أعينهم. وفيما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلق إذا رجلان قد وقفا بهم بلباس بيض وقالا: أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء؟ إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء». فهذه القصص الحقيقية سلمها لنا الذين شاهدوها بأعينهم، وهي منزهة عن الحكايات المطولة الوهمية الخرافية عما في السموات. ولا شك أن القصص الكاذبة تختلف اختلافاً بيناً عن القصص الحقيقية بحيث يسهل التمييز بين تواريخ الحوادث الواقعية الحقيقية وبين الحكايات الملفقة المختلفة التي يخترعها الناس لإرضاء الناس الذين يعجبون بمعرفة المجهولات التي سترها الله عن البشر.

قال الرسول بولس: «أعرف إنساناً في المسيح قبل أربع عشرة سنة، أفي الجسد؟ لست أعلم، أم خارج الجسد؟ لست أعلم. الله يعلم. اختُطف هذا إلى السماء الثالثة.. وسمع كلمات لا يُنطق بها، ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها» (2كورنثوس 12:2-4). وقد ورد في كتاب «رؤيا بولس» نبأ مطول عما رآه بولس وسمعه هناك. ومن هذا يظهر الفرق بين الحق والكذب. فالفرق بين الأناجيل الموضوعة والأناجيل الصادقة ظاهر للقارئ، كالفرق الموجود بين كتاب «ألف ليلة وليلة» و«كتاب الواقدي». فأحدهما يشتمل على خرافات فارغة، والآخر يشتمل على حوادث حقيقية حصلت فعلاً. وإذا سأل سائل: ما هو أصل الخرافات الواردة عن شجرة الطوبى أو سدرة المنتهي أو الأربعة الأنهار السماوية؟ قلنا: نشأت هذه الخرافات من القصة البسيطة الصحيحة الواردة في التكوين 2:8-17، فإنه لما كان الجهلة السذج الميالون إلى تصديق الخرافات لا يعرفون أن جنة عدن كانت بقرب بابل وبغداد، حوَّلوا بأوهامهم الجامحة وتصوراتهم الشاردة حق الله إلى أكاذيب بزياداتهم ومبالغاتهم، وغيَّروا الوقائع التاريخية والجغرافية إلى خرافات لا أصل لها.

إستمع واقرأ الإنجيل