مصادر الإسلام

العبادات - الحج

فهرس المقال

الحج:
يدعي الإسلام أن إبراهيم قد دعي إلى الحج إلى الكعبة قبل الإسلام، وعندما جاء الإسلام ثبّت ما قد دُعي إليه إبراهيم كما جاء في الآية "وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك به شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والرُكع والسجود وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى ضامر يأتينّ من كل فج عميق." (الحج: 27). إن أعظم لغز من ألغاز الإسلام هو الادعاء بوجود إبراهيم وإقامته في مكة وبنائه لكعبتها. وليس هناك من ذرة برهان، تاريخيا أو توراتيا، تشير إلى ارتباط إبراهيم بمكة من قريب أو بعيد. طبعا إذ استثنينا الدوائر الإسلامية. ثم من هم الناس الذين كانوا يسمعون نداء إبراهيم للحج ويأتون من كل فج عميق على الأقدام وعلى ظهور الخيل كي يطوفوا بالكعبة ويسجدوا بها؟ هل كان هؤلاء من فراعنة مصر أو سكان ما بين النهرين أو من بلاد جوج وماجوج؟ وكان الحج قبل الإسلام مقصورا على مكة الوثنية وما حولها. فهل هذا هو كل فج عميق؟ وكيف يدعو إبراهيم ، وهو خليل الله وعبده ، الأمم لكي يقوموا بمراسيم وثنية التي هي مكرهة أمام إله إبراهيم؟
يُجيبنا على هذه التساؤلات إبن كثير حيثُ يقدم لنا هذا التفسير الغريب العجيب "… أي نادِ في الناس داعيا بالحج داعيا لهم لحج هذا البيت الذي أمرناك ببنائه. فذُكر أنه قال: يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم (يصل إليهم)؟ فقال (الله) ناد وعلينا البلاغ. فقام إبراهيم على مقامه وقيل على الحجر وقيل على الصفى وقيل على أبي قبيس وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه. فيقال إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض وأسمع من في الأرحام والأصلاب. وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر ومن كُتب له أن يحج إلى يوم القيامة لبيك الله لبيك. هذا مضمون ما ورد عن إبن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جُبير وغير واحد من السلف والله أعلم." (إبن كثير ج 2 ص 539). ردنا على إبن كثير ومن نقلَ عنه من علماء المسلمين أن ما هذا إلا من شطحات الخيال السخيف الذي لا أساس له من الصحة والواقع. إن كان بناء الكعبة محج خصصه الله لعباده ، متى إذاً وكيف تحول ذلك البناء من بناء عبادة لإله إبراهيم الحي إلى مركز عام لعبادة 360 تمثال وصنم ؟
وبعد نداء إبراهيم ووصوله إلى ما في الأرحام والأصلاب إلى يوم القيامة جاء محمد و القرآن وجُعل الحج فريضة على المسلمين كما جاء في الآية "إن أول بيت وُضع للناس الذي ببكة (مكة) مباركا وهدى للعالمين. فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من إستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين." (آل عمران: 97). هذا وقد جاء في الحديث أن الجنة هي جزاء الحج: "حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن سُمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن صالح السمّان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العمرة كفارة لما بينها والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة." (البخاري ج 2 ص 554).
هناك مناسك وشعائر (طقوس) كثيرة في الحج كما يتضح من الآيات التالية: "ليشهدوا منافع لهم و يذكروا إسم الله في أيام معلومات على ما رزقناهم من بهيمة الأنعام. فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. ثم ليقضوا تفثهم(الإحرام من حلق الرأس وليس ثياب الإحرام قص الأظافر) وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيث" (الحج: 28 و29) هناك مناسك وشعائر كثيرة في الحج ، من الطواف حول الكعبة وذبح الأضاحي ورمي الشيطان بالحجارة وصفا ومروة وعرفات وترديد التكبير ونداءات التلبية وغيرها ، ولا يتسع المجال هنا لذكرها جميعا بالتفصيل والتعليق عليها، ولكن لنا بعض الملاحظات على الحج بوجه عام.
مرة أخرى كما هو الحال في موضوع الصلاة والصوم، فإن الحج ما هو إلا ممارسة وعبادة روتينية طقسية ذات صفات محددة، لا تحيد عنها كالوصفة الطبية التي لا مجال فيها للتعبير الشخصي الحر في العبادة.
إن الدارس للتاريخ الإسلامي يجد أن محمدا كان يحج البيت وهو في مكة، وبعد أن هاجر إلى المدينة كاد أن يدخل في حرب مع قريش بسبب الحج وذلك على الرغم من أن الكعبة كانت ما تزال مليئة بالأصنام. ومناسك الحج كانت تتصف بالوثنية إلى درجة أن الناس كانوا يطوفون بالكعبة وهم عراة، وكانت بعض النساء تطفن عاريات مكشوفات العورة وهن يقلن:
اليوم يبدو منه بعضه أو كله (فرجها) فما بـدا مـنه ما أحـلـه
والغريب أن هذا الحال لم يتغير وبقي محمد ومن تبعه من المسلمين يحجون ويطوفون بالكعبة حتى "نزلت" الآية "خذوا زينتكم عند كل مسجد." (مسلم ج 18 ص 162). لا بد لنا أن نسأل هنا كيف كان محمد والمسلمون يشاركون في هذه الشعائر الوثنية البحتة على الرغم من إدانة محمد والقرآن الشديدة للشرك وعبادة الأصنام.
كانت هناك مناسك أخرى وثنية تُمارس في الحج قبل الإسلام ولما جاء محمد والإسلام تم إقرارها وصارت من المناسك الإسلامية وذلك على الرغم من تَحفظ بعض المسلمين وشك البعض الآخر. إحدى هذه المناسك الوثنية كانت الطواف بين الصفا والمروة. لقد كان العرب قبل الإسلام يطوفون بين الصفا والمروة لارتباط هذين المكانين بصنمين من أصنامهم. لذلك عندما جاء الإسلام أبدى بعض المسلمين تحفظهم من الاستمرار بهذا المنسك. فسارع رب محمد وأوحى إليه وأقر هذه الممارسة كما ورد في القرآن: "إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم." (البقرة: 158). وجاء في الحديث تفسير للآية السابقة: "حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن هشام بن مُروة عن أبيه أنه قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حديث السن أرأيت قول الله تبارك وتعالى "إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطوف بهما" فما أرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما؟ فقالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت" فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما؟. إنما نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يُهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله "إن الصفا والمروة... إلى آخر الآية." (البخاري ج 5 ص 185، رواه مسلم أيضا).
من شعائر حج الجاهلية الأخرى والتي حافظ عليها الإسلام ومارسها محمد وأصحابه رغم شك البعض، كان استلام الركن، أي بدء الطواف حول الكعبة من الحجر الأسود وتقبيله. غالبا ما يكون هذا الحجر الذي قدّسه عرب الجاهلية ويقدسه المسلمون اليوم لهو من بقايا النيازك الصخرية المتساقطة من الفضاء الخارجي في مناطق مختلفة من العالم.
إننا نأمل لو تسمح السلطة الإسلامية في السعودية بإجراء الفحص العلمي على هذا الحجر حتى من قبل علماء مسلمين محايدين. على أي حال، يدّعي رواة الإسلام أن هذا الحجر هو المدعو بمقام إبراهيم أو الحجر الذي وقف عليه إبراهيم وهو يبني الكعبة وإسماعيل ينقل إليه الحجارة، أو ما شابه ذلك.
لقد رُويت الأحاديث الكثيرة عن استلام محمد الركن وتقبيله للحجر الأسود. يقول الراوي: "وحدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحي، قال حرملة: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن إبن شهاب أن سالم بن عبد الله أخبره عن عبد الله بن عُمر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقدم مكة إذا استلم الركن أول ما يطوف حين يُقدم يَخب (الجري البطئ) ثلاثة أطواف من السبع." (مسلم ج 9 ص 8). وجاء أيضا في الحديث عن تقبيل الحجر الأسود: "وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا سليمان بن داوود حدثنا معروف بن خروب قال: سمعتُ أبا الطفيل يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه (أي يلمس الحجر الأسود بعصاه المعقوفة) ويُقبل المحجن." (مسلم ج 9 ص 20، رواه البخاري أيضا). ومرة أخرى، قد شك عمر بن الخطاب في هذه العادة الجاهلية وأبدى شكه في الحديث التالي: "وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا وهب أخبرني يونس وعمرو وحدثني هرون بن سعيد الأيلي حدثني اين وهب أخبرني عمرو بن شهاب عن سالم أن أباه حدّثه قال: قبّل عمر بن الخطاب الحجر الأسود ثم قال: أمّ والله إنك حجر (في حديث آخر، لا تضُر ولا تنفع) ولولا أني رأيت رسول الله يُقبلك ما قبّلتك." (مسلم ج 9 ص 16، رواه البخاري أيضا). وهكذا صار محمد مثالا لغيره من المسلمين وحافظ على أسطورة الحجر الأسود إلى يوم الدين.
على الرغم من القول بأن الإسلام قد قضى على العبادة الوثنية وعبادة الأصنام في جزيرة العرب، وعلى الرغم من أن المسلمين يعيبون على المسيحيين لتعبدهم للصور والمنحوتات، فإنه لا يوجد صنم أو تمثال أو صورة في العالم يلقى من الإكرام والإجلال إن لم نقل العبادة ما يلقاه الحجر الأسود في مكة. فكل عام يلمسه ويقبله ملايين المسلمين من جميع أنحاء العالم للتبرك به، ولا يكتمل الحج ولا يُقبل إن لم يتبرك الحاج بالحجر الأسود ويقدم له الإكرام . أليست هذه المراسيم هي مراسيم في عيادة الأوثان تنافي عبادة الله الحي؟.
ثم شيء آخر، على الرغم من أن محمدا قد طهر الكعبة من الأصنام، فقد صارت الكعبة نفسها الصنم الأعظم، حيث أنها أصبحت مركز العبادة في الإسلام ومرتكزها، فلا يمكن للمسلم أن يصلي لربه دون أن يتجه بوجهه نحو الكعبة. فهل قوة إله محمد السماعية قوة اتجاهية فقط ، وإن كان الله قادرا على أن يسمع من أية ناحية ، لماذا المسلمون لا يثقون بأن الله القادر على كل شيء لن يسمع صلاتهم إلا إذا اتجهوا نحو الكعبة؟ وهكذا صارت الكعبة شريكة الله في الصلاة. ثم يقولون بأن المسيحيين هم المشركون! ناهيك عن الحج إلى الكعبة وتقبيل الحجر الأسود والطواف ما بين الصفا والمروة ورمي الجمرات الذي يُدخل المسلم إلى الجنة.
بقي أن نقول في الحج أنه كما في الصيام فإنه يمكن للمسلمين أن يتمموا الحج بالنيابة. إذا لم يستطع أحد تأدية فريضة الحج لكبر سنّه أو لمرض أو لأنه مات دون أن يتم فريضة الحج ، فإن الشريعة تبيح الحج نيابة عن ذلك الشخص كما جاء في الحديث: "حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن إبن عياس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال (محمد) "نعم، حجي عنها. أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية؟ اقضوا لله، فالله أحق بالوفاء." (البخاري ج 2 ص 572، مكرر، ورواه مسلم أيضا).
لا بد لنا أن نتساءل، ما هي الفائدة الروحية للحج والصوم؟ ألا يرتجي المسلم من القيام بهذه الفرائض الحصول على رضوان الله وبالتالي مغفرة الذنوب؟ إذا كان هذا هو القصد فكيف يمكن إرضاء الله ومغفرة الذنوب بالنيابة؟ كيف يمكن لشخص خاطئ أن يقضي الفريضة عن شخص خاطئ آخر ويُكفر عن ذنوبه؟ إن هذه العبادة بالنيابة تنافي المنطق وتنافي طبيعة الله وقداسته لأن أمام الله ، كل إنسان مسؤول عن نفسه.

إستمع واقرأ الإنجيل