Skip to main content

هل يعتبر القرآن إعجازه معجزة له؟ - شهادة القرآن بثقافة محمّد

الصفحة 5 من 14: شهادة القرآن بثقافة محمّد

 

ثانيا : شهادة القرآن بثقافة محمّد

 

1 – إن أول آية نزلت من القرآن العربي تشهد بأن محمدا كان يقرأ ويكتب :

"إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق

إقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم

علّم الإنسان ما لم يعلم"

(العلق 1 – 5)

إن الوحي يأمره بأن يقرأ ما يُعرض أمامه : وهذا عبث إلهي – استغفر الله – إذا لم يكن محمد قارئا . وقوله : "علّم بالقلم" شاهد على أن محمدا تعلّم بالكتابة ، فكان يكتب . وقوله لمحمد "علَّم" يدل على أنه تعلّم فكان عالمًا . فالآية الأولى تشهد بثقافة محمد وعلمه .

ويأتي الحديث الصحيح في رواية غار حراء يروي أن ما عُرض عليه في غار حراء للقراءة كان "درجًا مكتوبًا" أُمر ثلاث مرات بقراءَته فقرأه .

2 – وفي السورة الثانية (القلم) إشارة صريحة الى كتابة الوحي ودراسة الكتاب المقدس ! فهو يستعلي على بني قومه المشركين بقوله : "أفنجعل المسلمين كالمجرمين ؟ ما لكم كيف تحكمون ؟ أم لكل كتاب فيه تدرسون ؟ ... أم عندهم الغيب فهم يكتبون" (35 – 37 مع 47) . محمد وحيد لا جماعة له بعد ، فالمسلمون المذكورون هم الذين أُمر أن ينضمَّ اليهم وأن يتلو القرآن معهم (النمل 91 – 92) . وهو يستعلي على المشركين المجرمين بانتسابه

إلى أهل الكتاب "المسلمين" أي النصارى من بني اسرائيل ، جماعة ورقة بن نوفل وعداس القسّين في مكة على النصارى العرب ، والنصارى الأجانب ؛ ويستعلي عليهم بالكتاب الذي يدرسه مع هذه الجماعة ، وبالغيب المنزل فيه ، ومنه يكتب معهم . وهذه شهادة مبكرة جدا وصريحة بدراسته وثقافته الكتابيتين . وهي شهادة متواترة : "أم آتيناهم كتابا ، فهم على بيّنة منه" ؟ (فاطر 40) فهو عنده كتاب ، وهو على بيّنة منه ؛ "وما آتيناهم من كتب يدرسونها" (سبأ 44) ، فهو عنده كتب يدرسها .

3 – لا يكتفي محمّد بدرس الكتاب الإمام ، بل يؤمر بترتيله في قيام الليل :

"يا أيها المزمّل قم الليل إلاّ قليلاً نصفه أو انقصْ منه قليلا

أو زدْ عليه ورتّل القرآن ترتيلا إنّا سنلقي عليك قولا ثقيلا

(المزمل 1 – 5)

لم ينزل من القرآن العربي بعد سوى عشر آيات في مطلع (العلق والقلم) . ولم يُعرف حتى يُعرّف على الاطلاق : "القرآن" المشهور . فقد اهتدى محمد الى الايمان بالكتاب (الشورى 52) ؛ وهنا يُؤمر بترتيل قرآن الكتاب : فالكتاب هو "القرآن" على الاطلاق . وقيام الليل للصلاة وترتيل آيات الله ليست عادة عربية ، ولا يهودية ، بل نصرانية رهبانية : فمحمد يؤمر بترتيل الكتاب مع جماعة النصارى بمكة في صلاة الليل ، بعد درسه وكتابة الوحي منه . فقرآن الكتاب هو دراسة محمد ، وصلاته في قيام الليل .

4 – وأهل مكة يعرفون أن محمدا يدرس الكتاب ويكتبه : "وقالوا : أساطير الأولين اكتتبها ، فهي تُملى عليه بُكرَةً وأصيلاً" (الفرقان 5) . لا يردّ على هذه التهمة ؛ انما يردّ قبل هذه الآية على افتراء القرآن العربي : "وقال الذين كفروا : إنْ هذا إلاّ إفك افتراه ! وأعانه عليه قوم آخرون ! – فقد جاؤوا ظلما وزورا" (الفرقان 4) . فمن الظلم والزور أن ينعتوا القرآن العربي "افكا افتراه" . لكنه لا يردّ إعانة القوم الآخرين التي يؤكدونها في الآية التالية : "اساطير الأولين اكتتبها ، فهي تُملى عليه بكرة وأصيلاً" (الفرقان 5) . فهذا الاكتتاب لا يمنع تنزيل القرآن : "قل : أنزله الذي يعلم السرّ في السماوات والأرض" (الفرقان 6) .

فما كان القرآن العربي لينقل تهمة كتابته للكتاب الذي يصفونه "اساطير الأولين" ، لو لم تكن كتابته لكتاب أمرًا مشهودًا .

5 – إن محمدا "درس" الكتاب ، كما "يدرسه" أهل الكتاب

يقول : "وكذلك نصرّف الآيات – وليقولوا : درست ! – ولنبيّنه لقوم يعلمون" (الأنعام 105) . لا يردّ على تهمة الدرس ؛ إنما يبيّن الغاية منها ، وهي تبيان الكتاب الذي يدرس "لقوم يعلمون" . اذا كانوا يعلمون فليسوا بحاجة الى بيان . إنما هو تعبير اصطلاحي كناية عن "أولي العلم" أي النصارى من أهل الكتاب : فقد درس الكتاب ليبيّنه لأهله ، كأنه إمامهم ؛ وليبيّنه أيضا للعرب الذين غفلوا عن دراسته : "أنْ تقولوا : إنما نزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ، وإنْ كنّا عن دراستهم لغافلين" (الانعام 156) . يظهر محمد كأنه إمام النصارى ، ومعلّم العرب .

وقد "درس" الكتاب كما "يدرسه" أئمته : "ودرسوا ما فيه" (الاعراف 169) .

6 – والقرآن العربي يكشف عن أئمة الكتاب الذين يدرّسون محمدا : "ولقد آتينا موسى الكتاب : فلا تكن في مرية من لقائه ! وجعلناه هدى لبني اسرائيل ، وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ، لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون" (السجدة 23 – 24) .

القرآن العربي يقسم بني اسرائيل الى طائفتين : النصارى واليهود (الصف 14) . فالنصارى ، في لغة القرآن ، هم حصرا النصارى من بني اسرائيل ، وهو معهم "أمة واحدة" (الأنبياء 92 ؛ المؤمنون 52) . واليهود هم الذين كفروا بالمسيح ، ويكفرون بمحمد ، فليسوا هم أساتذة محمد في علم الكتاب هم علماء النصارى من بني اسرائيل .

7 – وعلماءُ النصارى من بني اسرائيل هم "أولو العلم قائمًا بالقسط" الذين يشهدون مع الله وملائكته "أن الدين عند الله الاسلام" (آل عمران 18 – 19) . ويسميهم "الراسخين في العلم" (آل عمران 17 ؛ النساء 162) ، بل "العلماء" على الاطلاق : "إنما يخشى الله من عباده العلماء" (فاطر 28) وكلها اصطلاحات قرآنية يُخطئ من يأخذها على حرف اللغة .

والنبي الأمي يُؤمن بالله وكلمته بهداية هؤلاء الأثمة النصارى من بني اسرائيل : "ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" (الاعراف 159 قابل 181) لأنهم هم الذين عندهم "علم الكتاب" (الرعد 43) ، والقرآن العربي نفسه "هو آيات بيّنات في صدور الذين أوتوا العلم" (العنكبوت 49) .

هؤلاء الأئمة النصارى من بني اسرائيل الذين يعلمون الكتاب والقرآن العربي هم الذين اليهم يحيل محمدا في مشكلاته وشكوكه : "فإن كنت في شك ممّ أنزلنا اليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك : لقد جاءَك الحق من ربك ، فلا تكوننّ من الممترين ، ولا تكونن من الذين كذّبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين" (يونس 94 – 95) .

فمحمد يقرأ الكتاب على يد أساتذته الذين يقرأون الكتاب من قبله . لذلك فقوله : "ولقد نعلم أنهم يقولون : إنما يعلمه بشر ! – لسان الذي يلحدون اليه أعجمي ، وهذا لسان عربي مبين" (النحل 103) ، لا ينفي التعلّم والدرس ، إنما ينفي كون القرآن العربي تعليم بشر ، مع كونه "آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم" (العنكبوت 49) . أجل "وإنه لتنزيل رب العالمين ... وإنه لفي زبر الأولين : أو لم تكن لهم آية أن يعلمه علماء بني اسرائيل" النصارى (الشعراء 192 – 197) . فآية محمد أن علماء النصارى من بني اسرائيل يعلمون أن القرآن العربي تنزيل رب العالمين لأنه في زبر الأولين أي "كتبهم كالتوراة والانجيل" (الجلالان) .

8 – ومحمد يستشهد على صحة دعوته "بمن عنده عِلْم الكتاب" (الرعد 43) . ويعلم الكتاب يجادل المشركين ويستعلي عليهم : "ومن الناس مَن يجادل في الله بغير علم ، ويتّبع كل شيطان مريد" (الحج 3) ، "ومن الناس مَن يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير" (الحج 8 ؛ لقمان 20) – فمحمد يجادل المشركين بهدى الكتاب المنير والعلم الذي اقتبسه منه ، بتعليم "من عنده علم الكتاب" .

9 – فبهذه الثقافة الكتابية التي تعلمها محمد ممن عنده علم الكتاب كان يجادل العرب المشركين ويستعلي عليهم ، لأن له في علم الكتاب سلطانا مبينا ليس لهم : "أم لكم سلطان مبين ، فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين" (الصافات 156 – 157) . لذلك يتحداهم : "ائتوني بكتاب من قبل هذا ، أو أثارة من علم ، إن كنتم صادقين" (الأحقاف 4). فهو عنده كتاب من قبل القرآن العربي ، وعنده علْم الكتاب : "ومن قبله كتاب موسى إمامًا ورحمة" (هود 17) ، "ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ، وهذا كتاب مصدّق لسانا عربيا" (الاحقاف 12) : فليس في القرآن العربي ، بالنسبة الى الكتاب الإمام ، سوى اللسان العربي المبين .

10– ان محمدا في القرآن العربي يُؤمر أن يقتدي بهدى أهل "الكتاب والحكم (الحكمة) والنبوة" أي من هم أهل "الكتاب والحكمة" ، التوراة والانجيل معا : "أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ... أولئك الذين هدى الله ، فبهداهم اقتده" (الانعام 89 – 90) – فثقافة محمد في القرآن العربي كتابية بكل معنى الكلمة ، بل "نصرانية" .

11– وما القرآن العربي سوى تفصيل وتصديق للكتاب الإمام (هود 17 ؛ الاحقاف 12) بين العرب : "وما كان هذا القرآن أن يُفترى من دون الله ؛ ولكنْ تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب ، لا ريب فيه ، من رب العالمين" (يونس 37) . إن محمدا ، بأمر الله في غار حراء ، يفصّل الكتاب للعرب في القرآن العربي . والتفصيل بلغة القرآن يعني الترجمة بلغتنا : "ولو جعلناه قرآنا أعجميا ، لقالوا : لولا فُصّلت آياته" (فصلت 44) . فالقرآن العربي ترجمة مفصّلة لقرآن الكتاب الذي عند بني اسرائيل النصارى : "وقد شهد شاهد من بني اسرائيل على مثله" (الاحقاف 10) . وهذا التفصيل يقتضي العلم الغزير . ولا ننس أن "التنزيل" في لغة القرآن تعبير متشابه لا يعرف معناه ومداه إلاّ بالقرائن القرآنية كلها ، ومنها التفصيل والترجمة .

12– يدل على ذلك صلة القرآن المصدرية بالكتاب الإمام : "إن هذا (القرآن) لفي الصحف الأولى" (الأعلى 18) ، وإنه في زُبر الأولين ، وإن كان تنزيل رب العالمين : "وإنه لتنزيل رب العالمين ... وإنه لفي زبر الأولين" (الشعراء 192 – 196) . وهاتان الصفتان للقرآن العربي تدلاّن على أن تنزيل القرآن العربي كان من تنزيل الكتاب الإمام ، فهو تنزيل التنزيل أي تفصيله . ويشهد بذلك أيضا ، معرفة أولي العلم المقسطين أي النصارى من بني اسرائيل : "أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني اسرائيل" النصارى (الشعراء 197) ؛ أنهم يعرفون تفصيل الكتاب في القرآن العربي معرفة الوالد ولده : "يعرفونه كما يعرفون أبناءَهم" (البقرة 146) ، "وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم ؛ ومَن بَلَغ ... الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءَهم – الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون" (الانعام 19 – 20) . لذلك "هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم" ، أئمة النصارى (العنكبوت 49) . فهذه الصلة المزدوجة بين القرآن والكتاب ، وبين أهل الكتاب النصارى والقرآن ، حيث هم "أمة واحدة" (الأنبياء 92 ؛ المؤمنون 52) يؤمنون أن التنزيل واحد ، والاله واحد ،

والاسلام بينهم واحد (العنكبوت 46) ، دليل حاسم على أن القرآن العربي "درس" و "تدريس" للكتاب الإمام .

13– إن القرآن العربي "درس" و "تدريس" للكتاب الإمام كما يُستدل أيضا من هذه التصاريح . إن "الحكمة" على التخصيص في لغة القرآن كناية عن الانجيل : "قال (عيسى) : قد جئتكم بالحكمة" (الزخرف 63) ؛ والكتاب كناية عن التوراة والنبيين ؛ لذلك يقول لعيسى : "وإذ علمتك الكتاب والحكمة – والتوراة والانجيل" (المائدة 110) . والله تعالى قد آتى "آل ابراهيم الكتاب والحكمة" (النساء 54) ؛ "وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ، وعلّمك ما لم تكن تعلم ، وكان فضل الله عليك عظيما" (النساء 113) . علّمه الكتابوالحكمة ، التوراة والانجيل ، بواسطة أولي العلم المقسطين أي علماء النصارى من بني اسرائيل : "فلا تكن في مرية من لقائه ... وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا" (السجدة 43 – 44) فإنّك "ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ، ولكن جعلناه نورا نهدي به مَن نشاء من عبادنا ، وإنك لتُهدى الى صراط مستقيم" (الشورى 52) . فقد تعلم محمد بواسطتهم الكتاب والحكمة – التوراة والانجيل ، وجعل يعلّمهم للعرب في دعوته : "ويُعلمهم الكتاب والحكمة" (البقرة 129 ؛ آل عمران 164 ؛ الجمعة 2) ، "ويعلمكم الكتاب والحكمة" (الأحزاب 34) .

14– فالقرآن العربي هو معًا تنزيل وتفصيل ، وتعلّم وتعليم ، لأن العلم لا يمنع التنزيل . فقد أمِرَ أن يتّبع في دعوته علم أولي العلم الذين "آتيناهم" الكتاب والحكم والنبوة ... وآتيناهم بينات من الأمر . فما اختلفوا إلاّ من بعد ما جاءَهم العلم بينًا بينهم ... ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتّبعها ، ولا تتّبع أهواء الذين لا يعلمون" أي المشركين (الجاثية 16 – 18) . فهو يميّز بين الذين لا يعلمون ، والذين يعلمون أي أهل الكتاب ، وبين هؤلاء يميز بين الذين اختلفوا لمّا جاءَهم "العلم" الانجيلي مع المسيح أي اليهود ، وبين النصارى من بني اسرائيل ، "أولي العلم" على التخصيص . فهؤلاء على محمد أن يتّبع طريقتهم في أمر الدين . وعليه أيضا أن يقتدي بعلمهم وهداهم : "أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ... أولئك الذين هدى الله ، فبهداهم اقتدِهْ" (الأنعام 89 – 90) .

15– فقد عاش محمد قبل بعثته ، وفي دعوته في بيئة "أولي العلم" . إن "العلم" على التخصيص ، في اصطلاح القرآن ، هو علم الانجيل والنصارى من بني اسرائيل ، هذا "العلم" الذي اختلف فيه اليهود "من بعد ما جاءَهم العلم بغيًّا بينهم" (19:3 ؛ 14:42 ؛ 17:45) . أما محمد فقد "درس" علم أولي العلم المقسطين (الانعام 105) وأخذ يعلم العرب الكتاب والحكمة "بعد الذي جاءَك من العلم" (البقرة 120) ، "من بعد ما جاءَك من العلم" (البقرة 145 ؛ آل عمران 61) ، "بعد ما جاءَك من العلم" (الرعد 37) . فهو "أمة واحدة" مع "الراسخين في العلم" الذين يشهدون مع الله وملائكته "أن الدين عند الله الاسلام" (آل عمران 18 – 19) ويؤمنون على سواء بمحكم القرآن والمتشابه فيه (آل عمران 7) . فالقرآن الكتابي آيات بينات في صدر محمد ، كما أن القرآن العربي "هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم" (العنكبوت 49) . لذلك "يرى الذين أوتوا العلم الذي أُنزل اليك من ربك هو الحق ، ويهدي الى صراط العزيز الحميد" (سبأ 6) ، وإن كان "ما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا" (الاسراء 85) . ومحمد يعتزّ دائما بشهادة "من عنده علم الكتاب" (الرعد 43) ، "الذين أوتوا العلم" (27:16 ؛ 80:28 ؛ 56:30) . لذلك أيضا "يرفع الله الذين آمنوا منكم ، والذين أوتوا العلم درجات" (المجادلة 11) .

فبيئة محمد قبل بعثته ، وفي دعوته ، هي بيئة "أولي العلم" ؛ وثقافة محمد هي ثقافة "أولي العلم" ؛ وبهذا "العلم" يجادل العرب الذين يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8:22 ؛ 20:31) ، ويشهد لهم في القرآن العربي بشهادة الله وملائكته "وأولي العلم قائما بالقسط ... أن الدين عند الله الاسلام" (آل عمران 18 – 19) .

16– والقرآن يشهد أخيرا بأن محمدا تعلّم البيان مع الكتاب . يقول : "الرحمان علم القرآن ، خلق الانسان علّمه البيان" (الرحمان 1 – 4) . يقصد "بالانسان" محمدا نفسه لضرورة حمله على "علّم القرآن" ، فهو تخصيص في معرض التعميم . وقوله "علمه البيان" قد يُحمل على "علم القرآن" ؛ لكن يمنع من ذلك ربطه بما قبله مباشرة وهو "خلق الانسان" : فكما أنَّ الخلق بالولادة ليس معجزة ، كذلك تعليم البيان المربوط به ليس عن طريق المعجزة أو عن طريق التنزيل . فالله خلق محمدًا وعلمه البيان كسائر أهل البيان ؛ ثم "الرحمان علّم القرآن" . فتعلم البيان لا يقوم على تعلم القرآن ؛ بل هو سابق له مربوط بخلق محمد قبل تنزيل القرآن .

وهكذا فالقرآن يشهد بصراحة أن محمدا "درس" وتعلم "البيان" . وهو يدعو أهل مكة ويجادلهم بهدى وعلم الكتاب المنير ، مع "الراسخين في العلم" .

وهكذا فجميع القرائن القرآنية الصريحة – التي توضح معنى بعض الآيات المتشابهات – تشهد شهادة جامعة مانعة بأن محمدا كان "عالمًا" في صحبة "الراسخين في العلم" .

شهادة التاريخ بثقافة محمّد الواسعة
الصفحة
  • عدد الزيارات: 23062