Skip to main content

هل يعتبر القرآن إعجازه معجزة له؟ - شهادة التاريخ بثقافة محمّد الواسعة

الصفحة 6 من 14: شهادة التاريخ بثقافة محمّد الواسعة

 

ثالثا : شهادة التاريخ بثقافة محمّد الواسعة

 

إن التفسير الصحيح للقرآن ، والحديث الصحيح ، والتاريخ الصحيح ، كلها تؤيد شهادة القرآن ، بثقافة محمد الكتابية والعامة الواسعة .

1 – بيئة النبي والقرآن العلمية والكتابية

علّق الاستاذ دروزة على القرائن القرآنية بقوله : "والقرائن القرآنية تلهمنا من جهة ، والتاريخ المتّصل بالمشاهدة من جهة أخرى يخبرنا بأن آلافا مؤلفة من العرب كانوا نصارى ، ومنهم البدو ومنهم الحضر ... وفيها دلائل على ما كان عند عرب الحجاز ، وعرب مكة خاصة من إلمام غير يسير بالنصرانية وعقائدها وقصصها واشكالات ولادة المسيح ص ونبوته وصلبه ، وما كان فيها من مذاهب وآراء . وطبيعي أن يكون لهذا كله ردّ فعل في نفوسهم ومعارفهم وعقولهم وعقائدهم . ويدل على التأثر بهم بطبيعة الحال . واذا أريد أن يقال أنه لم يكن في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة من النصارى ما يمكن أن يكون له أثر بالغ في العرب ، كالذي يمكن أن يكون لليهود بسبب كثرتهم فينبغي أن لا ننسى أنه كان في مكة من النصارى الذين هم فطنة علم وتعليم ما يكفي لتأثير نابهيها الذين قادوا حركة المعارضة للنبي صلى الله عليه وسلم والذين حكى القرآن على الأغلب مواقفهم وأقوالهم ؛ وأن مشركي مكة ذهبوا فيما ذهبوا اليه أن النبي قد تعلّم وتأثر بهم (النحل 103 فرقان 4) .

"وان لا ننسى تلك الألوف المؤلفة من متنصرة العرب الذين كان الحجازيون خاصة يغدون ويروحون اليهم في أسفارهم ورحلاتهم ، ويخالطونهم مخالطة الشقيق ، ويتفاهمون

معهم بلسانهم القومي المشترك . وأن لا ننسى أيضا أن كثيرا منهم كانوا يشهدون مواسم الحج وأسواقه ، ومنهم مَن كان يبشر ويخطب كقس بن ساعدة . وأن الصلات والتقاليد القبلية كانت تجمع النصراني من العرب برابطة الآباء والأجداد ربطا وثيقا تتّصل أواصره وتستمر . وأنه كان كثير من العرب غير النصارى ، وخاصة الحجازيين يصهرون الى عرب النصارى ، وبالعكس ، فتزداد هذه الأواصر والمظاهر قوة ولحمة . وان هذا كله من شأنه أن يُهيئ لعرب الحجاز الفرص الكثيرة الوافية للاطلاع والاستماع والدرس والتأثر" .

واستطرد الى ترجمة التوراة والانجيل الى العربية ، فقال : "إن القرآن يحكي مواقف حجاج ومناظرة دينية بين النبي صلى الله عليه وسلم من جهة والنصارى واليهود من جهة أخرى ... والقرائن القرآنية تلهمنا من جهة ، والتاريخ المتصل بالمشاهدة من جهة أخرى يخبرنا بأن آلافا مؤلفة من العرب كانوا نصارى ، ومنهم البدو ومنهم الحضر ! واستتباعا لهذا فإن السائغ أن يقال : إنه لا بد من أن يكون بعض أسفار العهد القديم والعهد الجديد ، إن لم يكن جميعها قد ترجمت الى العربية قبل الاسلام ، وضاعت فيما ضاع من آثار عربية مدوّنة في غمرات الثورات والفتن والحروب . ولعلّ ما في القرآن من أسماء وكلمات معرّبة كثيرة ، ومن تعابير مترجمة متصلة بمحتويات هذه الأسفار ، ممّا تصح أن تكون قرائن على ذلك . ونرى أن هذا هو الذي يستقيم مع وجود عشرات الوف العرب النصارى ، وآلاف الرهبان ، والقسيسين العرب ، ومئات الكنائس والأديار العربية" .

وصحيح البخاري (2:1 – 3) ينقل لنا أن العالم النصراني ، ورقة بن نوفل ابن عم السيدة خديجة ، زوج النبي ، كان في مكة يترجم التوراة والانجيل الى العربية ، ويدعو بترجمته الى نصرانيته . وقد حضر محمد هذه الترجمة ، بعد زواجه من خديجة ، ابنة عم ورقة وبإرشاده ، مدة خمسة عشر عاما مبعثه .

وفيما يخص النبي محمد مباشرة يقول الاستاذ دروزة : "ولقد أثبتنا بالاستدلالات القرآنية في كتابنا (عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته قبل البعثة) أن أهل بيئة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا على اتصال بالأمم الكتابية وغير الكتابية ، عن طريق المستقرين منهم في الحجاز وعن طريق الرحلات المستمرة الى البلاد المجاورة . وأن كثيرا من أخبارهم ومعارفهم وعقائدهم ومقالاتهم وأحوالهم قد تسرّبت الى العرب وشاهدوا مشاهدها التاريخية والمعاصرة ؛ وليس

من الطبيعي ، ولا من المعقول أن يبقى النبي صلى الله عليه وسلم في عزلة ، أو غفلة عن هذا كله . حقيقة قد علّم الله النبي بوحيه وتنزيله أمورا متنوعة كثيرة كان غافلا عنها هو وقومه ، ولكن ذلك لا يقتضي أنه كان غافلا عن كل ما حوله من أمور ، وما يدور في بيئته وعلى ألسنة معاصريه من كتابيين وغير كتابيين ، عرب وغير عرب ، من أنباء وقصص وظروف وحالات : فإن هذا يناقض طبائع الأشياء ... وفي القرآن إشارات الى أمور كثيرة جدا مما كان عليه الناس في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم ودائرا فيها من شؤون وظروف وحالات دينية واجتماعية وأخلاقية ومعاشية ومعارف وأنباء تناولها القرآن بالذكر جدلا وعظة وتعليما وتنديدا واصلاحا وتشريعا وحظرا وإباحة . ولو يقول أحد بطبيعة الحال أن هذه الأمور جاءَت في القرآن جديدة . أو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أو يمكن أن يكون في غفلة أو عزلة عنها قبل بعثته ، وكثير منها متصل بتاريخ وأحوال وتقاليد ظروف عربية وغير عربية . وليس هناك فرق فيما نعتقد ، في المدى ، بين الحالتين" .

وعلى الخصوص يشهد التاريخ والقرآن أن محمدا انخرط قبل بعثته في الحركة الحنيفية ، التي كانوا يسمونها "ملة ابراهيم" : "ثم أوحينا اليك أن اتبع ملة ابراهيم حنيفا ، وما كان من المشركين" (النحل 123) ؛ فاتبعها ودعا اليها وصبغ ملته بصبغتها : "وما جعل عليكم في الدين من حرج ، ملة أبيكم ابراهيم" (الحج 78) . قال أيضا دروزة : "فهذه الآيات وأمثالها تلهم أن ملة ابراهيم ص . التوحيدية الحنيفية كانت ممّا تتداوله الألسن قبل البعثة ، وعنوانا على الملة المثلى لمعرفة الله وعبادته ... والذي نعتقده ، وهو ما وصلنا الى استنتاجه في كتابنا (عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته قبل البعثة) ، ونرى أن الآيات القرآنية تلهمه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من هؤلاء الأفراد الذين أنفوا من تقاليد الآباء الشركية والجاهلية ، واعتنقوا فكرة الوحدانية وأخذوا يعبدون الله على ملة ابراهيم ص . أو ما ظنوه كذلك أو أخذوا يبحثون عنها ، ولم يعتنقوا اليهودة ولا النصرانية ... وأنه كان كذلك منذ أن نضج شبابه ... وأن اقترانه بالسيدة خديجة ر. ساعده على التفرّغ لاتجاهه وحياته الروحية ، هذه التي كان من مظاهرها تلك الرياضات أو الاعتكافات الروحية السنوية في رمضان وفي غار حرّاء خاصة ... الى أن خصه الله بفضله ، فاصطفاه دون غيره من أهل طبقته لما علم فيه


من مواهب عظمى جعلته أهلا للرسالة" . والحنيفية مثل الاسلام اسمان أشاعهما النصارى في الحجاز لإيلاف أهله .

إن الرياضات النسكية الروحية السنوية عادة رهبانية أخذها الحنفاء عن مرشديهم الرهبان مثل القس ورقة بن نوفل ؛ والاسلام معروف اسما وموضوعا قبل القرآن : "هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا" القرآن (الحج 78) .

وقد تمت هداية محمد وتعليمه "الكتاب والحكمة" على مرحلتين : الأولى بمناسبة زواجه من خديجة : "ألم يجدك يتيما فآوى ! ووجك ضالا فهدى ! ووجدك عائلا فأغنى" (الضحى 6 – 8) كان عائلا فقيرا فاغتنى بزواجه من الشريفة خديجة . وهدايته المذكورة هنا كانت في زواجه ؛ فمن الواضح أنها كانت الى التوحيد الحنيفي النصراني . والهداية الثانية كانت للدعوة الى التوحيد الكتابي على طريقة ورقة بن نوفل في بعثته وفي رؤيا غار حراء : "وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ، ولكن جعلناه نورا نهدي بن مَن نشاء من عبادنا ، وأنك لتهدى الى صراط مستقيم" (الشورى 52) فاهتدى وآمن : "وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب" (الشورى 15) فانضم الى أهل الكتاب المسلمين وتلا قرآن الكتاب معهم : وأمرتُ أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن" (النمل 91 – 92) ، وصار معهم "أمة واحدة" (الأنبياء 92 المؤمنون 52) .

وعلى هامش انضمام محمد الى الحركة الحنيفية ، "منذ أن نضج شبابه" كان له حلقة رفاق يجتمع اليهم ويبحثون في الأدب والدين والتوحيد . قال أيضا الاستاذ دروزة : "في سورة النحل آية تحكي دعوى بعض الكفار أن شخصا أجنبيا معينا كان يعلّم النبي ، وتردّ هذه الدعوى . وهذه هي الآية (ولقد نعلم أنهم يقولون : إنما يعلمه بشر ! – لسان الذي يلحدون اليه أعجمي ، وهذا لسان عربي مبين) – (103) . والآية تنفي التعليم الذي أراد ناسبوه في ادعائهم جحود نزول الوحي الرباني بالقرآن على النبي صلى الله عليه وسلم . غير أنها لا تنفي اتصالا ما بينه وبين أحد أفراد الجالية الأجنبية كما هو ظاهر . والمتبادر أن الجاحدين لم يكونوا ليقولوا ما قالوه لو لم يروا أو يعرفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتردّد على شخص من أفراد هذه الجالية في مكة ، هو أهل علم وتعليم ديني ، وله وقوف على الكتب الدينية

السماوية ... وأنه كان يستمع أحيانا الى ما يُقرأ من تلك الكتب . وليس من المستبعد ، إن لم نقل من المرجح ، أن يكون هذا الاتصال قبل البعثة ثم امتد الى ما بعد البعثة .

"وفي سورة الفرقان آية تحكي كذلك دعوى بعض الكفار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعين في نظم القرآن "بقوم آخرين" كما ترى (وقال الذين كفروا : إنْ هذا إلاّ إفك افتراه ، وأعانه عليه قوم آخرون ! – فقد جاؤوا ظلما وزورا" – – والآية إنما تنفي كذلك دعوى الاستعانة ولا تنفي اتصالا أو صحبة بين النبي صلى الله عليه وسلم وفريق من الناس ، كما أن تعبير "قوم آخرون" ، يلهم أن المنسوب اليهم أكثر من واحد . وبالتالي يسوغ القول أنه غير الشخص الأعجمي المعني في آية النحل (103) . والذي يتبادر الى الذهن أن الكفار لم يكونوا ليقولوا ما قالوه ، مما حكته الآية ، لو لم يروا أو يعرفوا أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم حلقة، أو رفاق يجتمعون اليه ويجتمع اليهم ، ويتحدثون في الأمور الدينية . وليس من المستبعد – إن لم نقل من المرجح – أن هذا كان قبل البعثة ثم امتد الى ما بعدها . وأن يكون من هؤلاء الرفاق أفراد من الجالية الكتابية" .

2 – حاشية محمّد قبل البعثة وبعدها كانت حاشية علم وتوحيد كتابي

قبل البعثة كان محمد حنيفا يؤمن بالتوحيد ويبحث عنه وفيه مع زملائه . وكان له أيضا رفقة من أهل الكتاب ومن العرب يجتمعون ويبحثون في الدين والتوحيد .

وبعد البعثة نرى في حاشية محمد جلّة القوم من الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب وعليّ وكلّهم من أهل العلم والمعرفة بشؤون الدين والدنيا . وخاصته من أهل الكتاب سلمان الفارسي النصراني الخبير بالدين وشؤون الحرب وهو صاحب فكرة الخندق حول المدينة للدفاع عنها ؛ وصهيب الرومي الثري ؛ وبلال الحبشي مؤذن النبي ؛ ثلاثة نصارى من بلاد مختلفة ، ذوي معارف مختلفة ، يحلّون ويرحلون مع محمد ؛ ومعه اثنان من علماء اليهود ، كعب الأحبار وعبد الله بن سلام . فهذه الحاشية الكريمة ، والصحابة اللامعة دليل بيئة متثقفة في الأدب والدين والكتاب المقدس ، أكفاء لحمل الدعوة الكتابية مع الداعي الأكبر .

ونقل محمد صبيح أن "الذين كانوا يعرفون القراءَة والكتابة من أصحابه الأُوَل : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير . وقد أحصى كتاب الاسلام والحضارة العربية اثنين

وأربعين كاتبا كانوا يؤلفون الديوان النبوي ... وتقول دائرة المعارف الاسلامية ، نقلا عن البقلاذري أن حفصة وأم كلثوم كانتا تعرفان القراءَة والكتابة ، وأن عائشة وأم سلمة كانتا تعرفان القراءَة ولا تعرفان الكتابة ... وعن الأزرقي أن بلدا مثل مكة كانت تكثر فيه التجارة مع الخارج ، ما كان يمكن أن يخلو من كثيرين يكتبون ويقرأون : فالتجارة تحتاج الى حساب والحساب يحتاج الى تدوين" .

من هذا يتضح أن الأرستقراطية المكية كانت تقرأ وتكتب ، وعلى ثقافة واسعة . ومحمد تربى عند عمه أبي طالب ، الذي ثقّف عليّا ثقافة عالية ، فكان كاتبا وخطيبا شق (نهج البلاغة) للعرب : أيكون محمد ، وهو أمانة عند عمه ، دون ابن عمه ؟

3 – يدلّنا على ثقافة محمد ظاهرتان أخريان : التجارة والثقافة

أجمعت المصادر أن محمدا تعلم التجارة بين اليمن والشام على يد عمه . ولمّا برع فيها استخدمته السيدة خديجة بنت خويلد في تجارتها ، فأعجبها فعرضت عليه الزواج منها وكان ذلك . "ثم خرج على تجارة خديجة ، التي كانت قيمتها تعادل قيمة تجارة قريش مجتمعة . أي أنه كان يخرج على نصف تجارة قريش كلها" . تجارة كهذه تحتاج الى الحساب الدقيق ، والحساب الكبير يحتاج الى تدوين . من هذا الوجه ، هذا دليل أول على أن محمدا لم يكن أمّيّا . ومن وجه آخر ، هذه الرحلات المتواصلة الغنية ما بين اليمن والشام ، كانت سبب اتصالات مالية وثقافية نادرة ، سمحت لمحمد الحنيف اللقاء بالمفكرين وعلماء الدين . فكان محمد بعد زواجه أكبر تاجر دولي في قريش ، وأوسع أهلها ثقافة عربية وأجنبية .

والظاهرة الثانية أن محمدا بحكم تجارته كان يعرف لغات أجنبية ، ويؤثر الاتصال بالأجانب المقيمين في مكة . قال محمد صبيح : "ومن هنا يمكن أن نقرّر أن أهل مكة عرفوا لغات أجنبية ، الى جانب لغتهم الأصلية ؛ وأن اللغة الأصلية نفسها تأثرت بهذه اللغات التي تنتقل الى مكة من الأجانب المقيمين بها ، أو تنتقل اليها مكة في متاجرها . وقد كونت هذه الرحلات وهذه الاتصالات ، الى جانب التأثير اللغوي ثقافة غير هينة ، كما وجدت حركة تدوين وقراءَة ... ولم يقل أحد إن رسول الله لم يكن يعلم شيئا من أمر هذه اللغات التي تأثرت بها مكة ، وأمر هذه الثقافات التي ذابت فيها .

"بل أكثر من هذا ، فإن لدينا من الحوادث ما يؤكد اتصال رسول الله ، وهو في مكة بهؤلاء الأجانب الذين كانوا يقيمون فيها ، وكان يزورهم ويطيل صحبتهم . فقد روي عن عبيد الله بن مسلم قال : كان لنا غلامان روميّان يقرأان كتابا لهما بلسانهما ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمرّ بهما فيقوم فيسمع منهما . وروي عن ابن اسحاق أن رسول الله كثيرا ما كان يجلس عند المروة الى سبيعة – غلام نصراني يقال له جبر – عبد لبعض بني الحضرمي . وعن ابن عباس أن النبي كان يزور ، وهو في مكة ، أعجميا اسمه بلعام ، وكان المشركون يرونه يدخل عليه ويخرج من عنده . وفي رواية أخرى أن غلاما (كان لحويطب بن عبد العزّى) اسمه عائيش أو يعيش ، وكان صاحب كتّيب ! وقيل هو جبر ، وقيل هما اثنان جبر ويسار ، كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرأان التوراة والانجيل : فكان رسول الله اذا مرّ عليهما وقف يسمع ما يقرأان . واذن فقد كان رسول الله يسمع ما يقرأ في الكتب بلغة غير لغة مكة ، وكان يفهم ما يُتلى عليه" .

وهكذا كان محمد يعرف اللغة الحميرية والحبشية الشائعة في اليمن ، ويعرف اللغة السريانية لغة سوريا مع الرومية الشائعة فيها ، والفارسية التي تتاجر فيها معها . واستشهاد القرآن بالكتاب وأهله في مكة ، وجداله لليهود في المدينة ، وتحديهم أن يأتوا بالتوراة فيتلوها أمام الناس ، دليل على اطلاعه على العبرية أيضا . فقد كان محمد لغويا عالميا يعرف الحبشية والحميرية والسريانية والرومية والفارسية والعبرية ، أو يعرف بعضها ويلمّ ببعضها . والقرآن شاهد عدل بما فيه بغير لغة الحجاز من لغات العرب المختلفة ، وبما فيه بغير لغة العرب ، كما جمعها السيوطي في (الاتقان 134:1 و136) . "وقد ذكر ابن النقيب في (خصائص القرآن) أن القرآن احتوى جميع لغات العرب ؛ وأُنزل فيه بلغات غيرهم من الروم والفرس والحبشة شئ كثير" . "وقد فهم الصحابة القرآن إجمالا ، ولكن ألفاظا غير قليلة استغلقت عليهم ، بل أن بعضها لا يزال مستغلقا علينا الى اليوم على الرغم من أن وسيلة العلم ببعض اللغات القديمة قد توفرت لدينا" .

فتلك التعابير بغير لغة الحجاز ، أو بغير لغة العرب ؛ سواءٌ دخلت لغة قريش قبل القرآن ، أو أدخل القرآن معظمها في لغته ليبهرهم بإعجازه اللغوي ، إنما هي شواهد قرآنية

ملموسة ، على سعة علم محمد قبل مبعثه ، وعلى اطلاعه على لغات العرب وعلى لغات أجنبية عديدة .

قال أيضا الاستاذ دروزة : "في القرآن بعض آيات تذكر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان غافلا قبل نزول القرآن عليه كما ترى في الآية التالية (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرآن ، وإن كنت من قبله لمن الغافلين – يوسف 3) . وأن الله قد علمه ما لم يكن يعلم : (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ، وعلّمك ما لم تكن تعلم ، وكان فضل الله عليك عظيما – النساء 113) . وأنه لم يكن يتلو قبل القرآن من كتاب ولا يخطه بيمينه : (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك : إذًا لارتاب المبطلون – العنكبوت 48) وقد سبق هذا للتدليل على عدم وجاهة ارتياب الجاحدين في صحة التنزيل والوحي الرباني . فهذه الآيات وأمثالها قد حملت على ما يبدو بعض علماء المسلمين على نفي الاكتساب العلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ، بل على بذل الجهد في هذا النفي وتوكيده ... ونحن لا نرى حكمة أو ضرورة تحمل هؤلاء العلماء على نفي الاكتساب العلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته وبذل الجهد في هذا النفي . كما أننا لا نرى هذه الآيات تتعارض مع صحة القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد اكتسب معارف كثيرة مما كانت تحتويه الكتب الدينية وغيرها من مبادئ وأسس وتشريعات وقصص ، ممّا كان يدور على ألسنة الناس من مثل ذلك ، كتابيين كانوا أو غير كتابيين : بسبب تلك الاتصالات التي تلهم وقوعها الآيات القرآنية ؛ وبسبب الرحلات التي اجمعت الروايات على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قام بها ؛ وبسبب طبيعة وجوده في بيئة تلم إلمامًا غير يسير بهذه المعارف ، وكل ما في الأمر أن هذه الآيات هي بسبيل توكيد صحة الوحي الرباني والتنزيل القرآني ؛ والتنبيه على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قد فكّر قبل الوحي والتنزيل بالدعوة ، أو أمَّل بأن يكون هو الذي اصطفاه الله ورآه أهلا لوحيه وتنزيله ، ممّا يمكن أن تكون الآيات التالية قد أرادت تقريره ، كما ترى فيها : "قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ، فقد لبثتُ فيكم عمرًا من قبله أفلا تعقلون – يونس 16) ؛ وما كنت ترجو أن يُلقى اليك الكتاب إلاّ رحمة من ربك – القصص 86) ؛ وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ، ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا – الشورى 52" .

وأضاف : "أما الدعوى بأن ما اكتسبه النبي صلى الله عليه وسلم من معارف كثيرة ، كتابية وغير كتابية ، وتاريخية وجغرافية واجتماعية وكونية ودينية ، تتوقف على معرفة الكتابة والقراءَة فمنشأها في نظرنا أن الباحثين ينظرون بعين الحاضر وعقله أكثر مما ينظرون بعين زمن مضى منذ أربعة عشر قرنا ، وعقله في بيئة مثل بيئة الحجاز بنوع خاص . وقليل من التفكير يكفي لتبين الغلو في هذه النظرة : فلا مطابع ، ولا مكاتب ، ولا وراقة ، ولا كتب منتشرة متيسرة . وكل ما هناك بعض كتب ورسائل وصحف دينية مكتوبة على الأعم الأغلب بغير اللغة العربية ، وفي نطاق محدود جدا . ومن المعقول جدا أن يكون الاعتماد في مثل هذه الظروف على الذاكرة الواعية ؛ وليس بدعا ولا غريبا أن يكون السماع والحفظ هما طريق اكتساب المعارف التي اكتسبها النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته وبعدها – إن لم يكن اكتساب بالوحي الرباني – ومثل هذا غير نادر الوقوع في كل زمان ومكان في اليوم ، ومن الأولى أن يكون هو الأكثر حدوثا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته" .

وأصحاب الشعر الجاهلي ورواته ، وحفظة القرآن نفسه هم خير دليل .

فالتاريخ والتفسير والحديث تؤيّد تلقينات القرآن وتصاريحه بأن محمدا لم يكن على شئ من الأمية . فليست الأمية التي ينسبها القرآن إلى محمد لغوية علمية ، بل قومية بحسب اصطلاح الكتاب والقرآن . لم يكن من أهل الكتاب ، بل عربيًّا من الأمم التي ليس لها الكتاب المنزل .

4 – دور ورقة بن نوفل في ثقافة محمد ودعوته

والسر الخطير في ثقافة محمد ودعوته هو وجود العالم النصراني ورقة بن نوفل ، ابن عم السيدة خديجة ، واستاذ محمد الأكبر . كان ولي خديجة وهو الذي أزوجها محمدا لِمَا توسَّم فيه من المزايا التي تجعله أهلا للرسالة التي يقوم بها في مكة والحجاز . كان يترجم التوراة والانجيل الى العربية ، ويدعو بترجمته الى التوحيد الكتابي النصراني .

وقصة علاقة محمد بورقة بواسطة خديجة ينقلها صحيح البخاري (2:1 – 3) وصحيح مسلم ، وطبقات ابن سعد ، ومروج الذهب للمسعودي ، وغيرهم .

تاجر محمد لخديجة ثم تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة ، وهي ابنة أربعين . وعاش محمد ، صهر ورقة ، في جوار العالم النصراني وصحبته خمسة عشر عامًا قبل بعثته . يطّلع

أثناءها على ما يترجم ورقة الى العربية من التوراة والانجيل . وكان محمد ذاته يفهم لغتهما . وكم من أحاديث عن التوحيد الكتابي والنصرانية ، وقصص الأنبياء ، كانت تدور بينهما وتلك العشرة الكريمة العلمية هي التي أوصلت محمدا من التوحيد الحنيفي الى التوحيد الكتابي النصراني الذي اعتنقه في رؤيا غار حرّاء : "وأمرتُ أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن" (النمل 91 – 92) . "قل : آمنت بما أنزل الله من كتاب" (الشورى 15) .

ودليل على صلة محمد الدينية العلمية بورقة بن نوفل ، ما رواه البخاري من نزع السيدة خديجة بالفطرة الى ابن عمها العالم الفقيه ، اذ رجع محمد مضطربا بعد رؤيا حراء ، تروي له ما جرى لزوجها الكريم ، ثم كيف قادت محمدا الى ورقة يقص عليه قصته . "فقال له ورقة : هذا هو الناموس الذي نزل على موسى " ! ثم ثبّته في هدايته ، وحمله على الدعوة لها في لقاء ثانٍ في فناء الكعبة . وأكبر دليل على ذلك ما تختم به عائشة حديثها عن تلك الصلة الكريمة : "ثم لم ينشب أن توفي ورقة وفتر الوحي" ! فما سرّ علاقة فتور الوحي بوفاة ورقة؟ أليس أنه من بواعثه ؟ ويذكر الحديث أن محمدا حزن لوفاة ورقة حزنا بليغا أوصله الى القنوط واليأس ، حتى لقد همّ مرارا بالانتحار ، لولا أن تداركه الله ، وعاد اليه وحيه . ألا يدل هذا الهوس على أن محمدا كان يعتبر ورقة استاذه الأكبر ؟ أجل إن شيءًا من سر محمد في ثقافته وهدايته وبعثته ودعوته قائم على وجوده في جوار ورقة استاذه في التوراة والانجيل . وكان ورقة قسّ مكة ، بلغة السريان ، أو أسقفها ومطرانها بلغة الروم .

وهكذا يظهر محمد قبل بعثته : تاجرا دوليّا ما بين اليمن والشام وما اليهما ، عالمًا لغويّا بلغات العرب ولغات الأجانب في أطراف الجزيرة العربيّة ، حنيفًا وبحاثة دينيًّا يجوب البلاد في سبيل التجارة والعلم والدين ، مطلعا على التوراة والانجيل ، ينتسب إليهما ، ويفهم لغتهما ويسمع قراءَتهما بارتياح .

فالثقافة لا تمنع النبوة . ولكن ثقافة محمد العالية تقضي على أساس عميق من أسس معجزة الاعجاز : أمية محمد . فمعجزة اعجاز القرآن لا أساس لها في القرآن والسيرة ، من حيث أمية محمد . فهي معجزة مشبوهة في عرْف المنطق والتاريخ . إن النبوة تأتلف مع العلم والثقافة .

القرآن كلام اللّه . فهو معجز في ذاته
الصفحة
  • عدد الزيارات: 23372