لا تحريف في التوراة والإنجيل - الصفحة الرابعة

الصفحة 15 من 23: الصفحة الرابعة

ومن الجدير بالملاحظة أن كتابة الكتب والحصول عليها في تلك القرون الغابرة كان محفوفاً بالمصاعب والنفقات الثقيلة? وعدا ذلك لو أُحصيت أسفار العهدين المكتوبة بخط اليد بالحرف اليوناني الكبير المستعمل حينئذ لما بلغت مجلداً كبيراً فقط بل مجلدات كثيرة, ومع كل هذه المصاعب كانت توجد أسفار الكتاب المقدس مجموعة بين يدي كثيرين من المسيحيين في جهات مختلفة من العالم, وفي مجمع لاودكية الذي عُقد سنة 363 م الذي ذكرنا أنه أحصى أسفار العهد القديم ضمن اثنين وعشرين سفراً قد أحصى أيضاً أسفار العهد الجديد على الحالة التي هي عليها الآن ما عدا سفر الرؤيا? لأن بعض الكنائس قبلته وبعضه الم تقبله - يومئذ - , وفي مجمع قرطجنة الذي اجتمع سنة 397 م أقروا كل الأسفار المتداولة اليوم مشفوعة بهذا البيان قبِلْنا من آبائنا بأن هذه الأسفار ينبغي أن تُقرأ في الكنائس .

وعدا الاحصاءات المجمعية لأسفار العهد الجديد فقد أحصاها مشاهير الكتاب المسيحيين منذ القرون الأولى للميلاد? متحرّين أبحاثهم الخصوصية? منهم أوريجانوس الذي مات سنة 253 م وأثناسيوس الذي مات سنة 373 وأيسيبوس وكان معاصر اله, وكلهم أجمعوا في أبحاثهم الخصوصية على قانونية أسفار العهد الجديد كما قررتها المجامع, ويعقب إيسيبوس على إحصائه بهذه الملاحظة : إن بعض المسيحيين لم يقرروا رسالة يعقوب ولا رسالة يهوذا ولا الرسالة الثانية لبطرس ولا رسالتي يوحنا الثانية والثالثة ولا سفر الرؤيا? لكن بعد التحري الدقيق اقتنعنا بأن هذه الأسفار قانونية ويجب قبولها ضمن أسفار العهد الجديد بعد التأكد القوي أنها وحي الله .

وعلى ما تقدم لم تمض الأربعة القرون الأولى للميلاد حتى تقرر نهائياً اعتماد أسفار العهد الجديد على حالته الراهنة في فلسطين وسورية وقبرص وآسيا الصغرى وإيطاليا وشمال أفريقيا, ومن هنا لا ينبغي لذي عقل سليم أن يرتاب بأن الكتاب المقدس المتداول اليوم كان موجوداً بتمامه وعلى شكله الحاضر في عصر محمد بين المسيحيين المستوطنين في جزيرة العرب وسوريا ومصر والحبشة وغيرها من الأقاليم التي تعارف محمد بشعوبها,

وربما يقول قائل : انقرض الكتاب المقدس بعد عصر محمد? فكتب المسيحيون كتاباً آخر دعوه باسم الكتاب الأول الخ , فنجيب أن هذه الدعوى بمثابة من يدّعي أن القرآن بعدما ملأت نسخه الدنيا قد انقرض وكتب المسلمون كتاباً آخر وسموه باسمه? فهذه الدعوى لا يدعيها إلا كل جاهل, ومع ذلك نجيب عليها أنه من البراهين القاطعة على وجود وحدة الكتاب المقدس قبل محمد وبعده النسخ القديمة المخطوطة باليد في اللغة اليونانية? وهي اللغة الأصلية لأكثر أسفار العهد الجديد? واللغة التي تُرجمت إليها هي أقدم ترجمة للعهد القديم أي الترجمة السبعينية.

وأقدم متن عبراني موجود اليوم هي النسخة التي وُجدت في مصر وتشتمل على الوصايا العشر والقانون العبراني الوارد في - خروج 20 :2-17 وتثنية 6 :4-9 - وقد كتبت ما بين 220 و250 للميلاد أي قبل الهجرة بقرون, وأكبر نسخة للعهد القديم وأقدمها عندنا اليوم هي النسخة الشرقية نمرة 4445 محفوظة في المتحف البريطاني? وكُتبت ما بين سنة 820 و850, ويليها في الأقدمية نسخة سان بطرسبرج وهي مؤرخة سنة 916, وهاتان النسختان منقولتان عن نسخ أقدم منهما بكثير? وذكر الناسخ اسم اثنتين منها وهما نسخة - حليل - ونسخة - موخا - , وروى زكوت المؤرخ اليهودي أن نسخة حليل كُتبت سنة 597 م, وأنه رأى جزئين منها يشتملان على هذه الأسفار يشوع? قضاة? حزقيال? هوشع? يوئيل? عاموس? عوبديا? يونان? ميخا? ناحوم? حبقوق? صفنيا? حجي? زكريا وملاخي, وأما نسخة موخا فليست أقل أقدمية من النسخة الأخرى? ولا بد على الأقل أن إحدى هاتين النسختين كانت موجودة في عصر محمد, ومن تعليقات اليهود عليهما نعلم أنهما كانتا موافقتين لنسخة العهد القديم التي بين أيدينا? وعندنا نسخ كثيرة منقولة عن نسخ عبرانية أقدم منها,

وإن قيل ماذا جرى للنسخ العبرانية القديمة, نجيب بما يجيب به اليهود : وهو أنه عندما كانت تبلى النسخة من كثرة الاستعمال تحفظ في الخزانة حتى إذا مات رباني مشهور دفنوها معه, وبعض الأحيان يخشون عليها أن تُهمل مع طول الزمان وتُداس بأقدام أو يلحقها عارض يدنس ورقها وهذا حرام عندهم? فيُجهِزون عليها بالحريق,

وأما نسخ العهد القديم في الترجمة اليونانية الشهيرة بالترجمة السبعينية الذي يدل وجودها على وجود الأصل العبراني من قبلها فعندنا منها كثير? وقد كُتبت كلها قبل الهجرة بسنين عديدة وهاك أشهرها :

1 - النسخة السينائية كُتبت في القرن الرابع أو في بداية القرن الخامس

2 - النسخة الفاتيكانية كتبت في القرن الرابع وربما في بدايته

3 - النسخة الإسكندارنية كتبت فيما بين نصف القرن الخامس ونهايته

4 - النسخة القطونية كتبت في القرن الخامس أو السادس

5 - النسخة الأمبروسانية كتبت في نصف القرن الخامس

وكل هذه النسخ وجدت من قبل عصر محمد وفي عصره? وإذا أراد الباحث أن يتحرى هل إذا كانتهذه النسخ تضاهي النسخ المتداولة فما عليه إلا أن يزور مكاتب أوروبا الشهيرة ويقارن هذه بتلك, وإن نسخة العهد القديم اليونانية المستعملة اليوم طبعت عن هذه النسخ القديمة المذكورة? وبمراجعتها مع الأصل العبراني لم يوجد فرق ولا في تعليم واحد إلا اختلاف في القراءات بسيط جداً? مثل أن المترجمين أخطأوا في ترجمة كلمة صعبة على الفهم, وبمراجعة النسخ الحاضرة على الترجمة السبعينية لا يوجد فرق إلا في أعمار بعض الآباء الأولين المذكورين في أصحاحي 5 و10 من سفر التكوين, ولكن الاختلافات في القراءة لا تمس جوهر الكتاب في أدنى شيء,

وأما نسخ العهد الجديد اليونانية المتداولة فتعززها النسخ اليونانية الأصلية, وقد كتبت على رقوق لا على ورق, ولا محل لاعتراض رحمة الله الهندي من هذه الحيثية إذ يقال إن بقاء القرطاس والحروف إلى ألف وأربعماية سنة أو أزيد مستبعد عادة إلا أنه وُجد في مصر كتابات على ورق البردي يرجع تاريخها إلى ألف وثمانماية سنة كما هو معلوم عند رجال الآثار,

ولنرجع إلى ما نحن فيه? فنقول إن كثيراً من النسخ المتضمنة للترجمة اليونانية لأسفار العهد القديم تتضمن أيضاً أسفار العهد الجديد بالأصل اليوناني - أولاً - النسخة السينائية المذكورة سابقاً? وتوجد في المتحف الأمبراطوري بمدنية سان بطرسبرج - ثانياً - النسخة الفاتيكانية المحفوظة في مكتبة بابا رومية - الفاتيكان -- ثالثاً - النسخة الإسكندرانية وهي في متحف لندن? وقد ذكرنا تواريخها فراجعها في مواضعها - رابعاً - أنه في سنة 1907 اكتشفوا في دير قديم بقرب سوهاج إحدى مدائن صعيد مصر على أربعة أجزاء من النسخ القديمة التي يرجع تاريخها إلى القرن الرابع من باب الاحتمال أو القرن السادس بالتأكيد? واحد منها على سفر التثنية ويشوع وآخر على سفر المزامير, ويشتمل الثالث على البشائر الأربع والأخير على قطع من رسائل بولس الرسول - خامسا - النسخة البيزانية وكانت محفوظة في جامعة كمبردج بانكلترة وكتبت في بداية القرن السادس - سادساً - النسخة الأفرايمية وقد كتبت في أوائل القرن الخامس? وهي اليوم في المتحف الأهلي بباريس,

وعدا هذه النسخ الكبيرة توجد نسخ صغيرة تشتمل على أجزاء متفرقة من أسفار العهد الجديد بالأصل اليوناني? ومن أقدمها عهداً نسخة مخطوطة على شقة واحدة من البردي اكتُشفت حديثاً في أطلال البهنسا? وهي تشتمل على الأصحاح الأول والأصحاح العشرين من إنجيل يوحنا وكَُتبت ما بين سنة 200 و300 ميلادية أو بعبارة أخرى قبل محمد بأكثر من 270 سنة, وهذا الاكتشاف الحديث بالقطر المصري له اعتبار ممتاز من حيث وجهتنا الخصوصية التي نرمي إليها في هذا الموقف? بمعنى أن هاتين النسختين اللتين اكتُشفتا بسوهاج والبهنسا قد دُفنتا في صحاري مصر التي صارت فيما بعد بلاداً إسلامية قبل الهجرة بمئات من السنين? وبقيتا تحت التراب إلى هذه الأيام حتى عثروا عليهما, لا يقدر أحد يدعي مهما بلغت درجة تعصبه إنهما مزورتان بعد نزول القرآن أو محرفتان في أيام محمد أو بعده,

الصفحة الخامسة
  • عدد الزيارات: 28245
أضف تعليق


تابعونا

جميع الحقوق محفوظة — الحق ©

اتصلوا بنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.